لم يعد تطوير كرة القدم السعودية يقتصر على استقطاب أبرز نجوم العالم إلى دوري المحترفين أو دوري الدرجة الأولى، بل بدأ يمتد إلى ما هو أبعد من أسماء اللاعبين وصفقات الانتقالات، مع توجه متزايد نحو بناء هياكل رياضية يقودها مديرون رياضيون محترفون يمتلكون خبرة في إدارة الأندية الأوروبية وصناعة القرارات الفنية طويلة المدى.
فبعد سنوات تصدرت فيها أسماء مثل كريستيانو رونالدو وكريم بنزيمة ونيمار وساديو ماني ورياض محرز المشهد في الدوري السعودي، بدأت الأضواء تتجه تدريجيا إلى شخصيات تعمل خلف الكواليس، وتملك تأثيرا مباشرا في تشكيل هوية الأندية، واختيار المدربين، وبناء فرق الاستكشاف والتعاقدات، وربط العمل الفني بالإدارة العليا.
كان تعيين الإسكتلندي ريتشارد هيوز مديرا رياضيا للهلال أحد أبرز المؤشرات على هذا التحول، إذ أعلن النادي رسميا في 6 سبتمبر/أيلول الجاري عن هذه الخطوة، قائلا إنها تستهدف تعزيز المنظومة الكروية وتطوير الهيكل الرياضي والعمل الفني وعمليات الاستقطاب والكشافين.
ووصل هيوز إلى الرياض حاملا معه تجربة حديثة من أحد أكبر أندية أوروبا، بعدما تولى منصب المدير الرياضي في ليفربول في يونيو/حزيران 2024 قادما من بورنموث، قبل أن يغادر النادي الإنجليزي في سبتمبر/أيلول 2026.
وخلال فترته في أنفيلد، تولى هيوز الإشراف على قطاع كرة القدم وعمليات التعاقدات، وكان له دور أساسي في اختيار الهولندي آرني سلوت لخلافة يورغن كلوب الذي رحل عن منصبه في نهاية موسم 2023-2024. وفي الموسم الأول لسلوت، توج ليفربول بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز 2024-2025.
كما ارتبط اسم هيوز بسوق انتقالات ضخمة، إذ أنفق ليفربول نحو 670 مليون جنيه إسترليني (نحو 850 مليون دولار) خلال فترته، وشملت أبرز الصفقات الألماني فلوريان فيرتز والسويدي ألكسندر إيزاك، إلى جانب الفرنسي هوغو إيكيتيكي.
ولكن الأهم من الصفقات التي أبرمها هو الدور الذي لعبه في صناعتها. وهنا تكمن أهمية وصوله إلى الهلال: فالنادي لم يستقطب لاعبا جديدا، بل تعاقد مع شخصية مهمتها بناء المنظومة التي تختار اللاعبين والمدربين، وتحدد الاتجاه الرياضي للنادي بأكمله.
لا يُعد الهلال النادي السعودي الوحيد الذي منح هذا المنصب مساحة أكبر داخل هيكله الإداري، إذ يشغل البرتغالي سيماو كوتينيو منصب المدير الرياضي في النصر منذ يوليو/تموز 2025، في حين يعتمد نادي الاتحاد على الفرنسي فرانك كاربو في المنصب ذاته منذ مطلع يونيو/حزيران 2026، خلفا للإسباني رامون بلانيس الذي أصبح مستشارا رياضيا للنادي.
وفي نادي القادسية، يمثل الإسباني كارلوس أنطون أحد النماذج الأكثر وضوحا لهذا التوجه؛ إذ أعلن ترقيته إلى منصب المدير الرياضي وتمديد عقده حتى عام 2028، بعدما عمل على بناء مشروع النادي خلال السنوات الماضية. ويقول أنطون إنه وضع إإستراتيجية طويلة المدى شملت التعاقدات، التدريب، الأداء، الطب الرياضي، التحليل والبيانات، والأكاديمية، إلى جانب إتمام أكثر من 50 صفقة للاعبين.
أما نادي الشباب، فاختار البلجيكي أوليفييه رونار مديرا رياضيا في يوليو/تموز 2026، مستفيدا من خبرة طويلة في هذا المجال مع أندية أوروبية وأمريكية، في حين يشغل اليوناني كيرياكوس دويركاس منصب المدير الرياضي في نيوم منذ 14 يوليو/تموز 2024، ضمن مشروع نادٍ يسعى منذ تأسيسه إلى بناء منظومة تعتمد على الخبرة الدولية والبيانات وتطوير المواهب.
وفي نادي الأهلي، شهد منصب المدير الرياضي بدوره مرحلة انتقالية؛ إذ كان البرتغالي روي بيدرو براس قد تولى المهمة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قبل انتهاء مهمته في سبتمبر/أيلول 2026، حيث اتفق الطرفان وديا على إنهاء العلاقة التعاقدية.
وتم تكليف السعودي أسامة هوساوي، الذي كان يشغل منصب مساعد المدير الرياضي منذ سبتمبر/أيلول 2025، بتولي المهمة بصفة مؤقتة إلى حين التعاقد مع مدير رياضي جديد يقود المشروع الرياضي للنادي، في مؤشر آخر على أن المنصب أصبح جزءا أساسيا من النقاش حول هيكلة الأندية، حتى عندما تتغير الأسماء التي تشغله.
ولا يعني ذلك أن جميع أندية دوري روشن السعودي الثمانية عشر تعمل بالنموذج نفسه، أو أن كل واحد منها يمتلك مديرا رياضيا مستقلا، لكن تعدد هذه النماذج في أندية بارزة يكشف بوضوح عن اتجاه يتسع داخل كرة القدم السعودية. ويضم دوري روشن للموسم 2026-2027 ثمانية عشر ناديا، ويقام على مدار 34 جولة تشمل 306 مباريات.
هذا التحول لا يمكن فصله عن التغيير الأكبر الذي شهدته ملكية الأندية السعودية خلال السنوات الأخيرة.
ففي 2023، استحوذ صندوق الاستثمارات العامة على 75% من أندية الهلال والنصر والأهلي والاتحاد، ضمن مشروع أوسع لإعادة تشكيل صناعة الرياضة السعودية ورفع القيمة التجارية والاستثمارية للأندية.
وفي الهلال تحديدا، اكتسب هذا التحول بعدا جديدا في سبتمبر/أيلول 2026، عندما أتمت شركة المملكة القابضة الاستحواذ على 70% من أسهم شركة نادي الهلال مقابل 840 مليون ريال سعودي (نحو 224 مليون دولار)، بناء على تقييم لحقوق الملكية يبلغ 1.2 مليار ريال سعودي (نحو 320 مليون دولار). وأكدت الشركة في الأول من سبتمبر/أيلول الجاري اكتمال الصفقة وسداد قيمتها بالكامل بعد استيفاء الموافقات والشروط المطلوبة.
وبذلك، لم تعد القضية مرتبطة فقط بكمية الأموال التي تنفق على اللاعبين، وإنما بكيفية إدارة هذه الاستثمارات وتحويلها إلى قيمة رياضية وتجارية مستدامة.
وفقا لصحيفة ذا أثلتيك (The Athletic)، لا يقتصر دور المدير الرياضي في النموذج الأوروبي التقليدي على إبرام الصفقات، بل يمثل حلقة وصل بين مجلس الإدارة والمدرب وقسم الاستكشاف وسوق الانتقالات والأكاديمية. كما يشارك في رسم الرؤية الرياضية للنادي، وتحديد احتياجات الفريق، وبناء شبكة الكشافين، ومتابعة المواهب، وإدارة عقود اللاعبين، والتخطيط لتكوين التشكيلة على المدى الطويل.
كما أن وجوده يمنح النادي قدرا أكبر من الاستمرارية عندما يتغير المدرب.
فالمدرب قد يرحل بعد موسم أو موسمين، لكن المدير الرياضي يفترض أن يحافظ على الخط العام للمشروع: ما نوعية كرة القدم التي يريدها النادي؟ ما الفئات العمرية المستهدفة؟ ما الأسواق التي يبحث فيها عن اللاعبين؟ وكيف يمكن الانتقال من فريق أول قوي إلى منظومة متكاملة تشمل الأكاديمية والفريق الرديف والتطوير والأداء والبيانات؟
وهذه تحديدا إحدى النقاط التي تجعل تجربة القادسية لافتة؛ فكارلوس أنطون لا يتحدث عن صفقات منفصلة، بل عن استراتيجية تمتد إلى أقسام متعددة من النادي، من التعاقدات والتدريب إلى البيانات والأكاديمية والمواهب الصاعدة.
خلال المرحلة الأولى من التحول في الدوري السعودي لكرة القدم، كان التركيز الأكبر على استقدام أسماء قادرة على تغيير صورة البطولة بسرعة.
كان وصول رونالدو إلى النصر حدثا عالميا، ثم جاء كريم بنزيمة إلى الاتحاد، ونيمار إلى الهلال، وتوالت الأسماء الكبرى التي منحت الدوري السعودي زخما إعلاميا وجماهيريا غير مسبوق.
وتشير هذه النماذج إلى أن اللاعب، مهما بلغت قيمته أو تأثيره، يظل جزءا من دورة زمنية محدودة، في حين تمتد عملية بناء منظومة رياضية احترافية عادة لعقد أو أكثر.
وهنا تظهر قيمة المدير الرياضي: الاستثمار في لاعب قد يمنح الفريق جودة فنية فورية، لكن الاستثمار في منظومة قادرة على اكتشاف اللاعب وتطويره واختيار المدرب المناسب وإدارة الفريق يمكن أن يصنع قيمة متكررة.
وهذا يتقاطع أيضا مع التطور المؤسسي الذي تشهده الأندية؛ فقد أعلنت رابطة الدوري السعودي حصول الأندية الـ18 المشاركة في موسم 2026-2027 على الرخصة المحلية والآسيوية، بعد استيفاء معايير رياضية وإدارية ومالية وقانونية وبنية تحتية، في خطوة تعكس ارتفاع سقف المتطلبات المؤسسية.
لا ينبغي قراءة وصول الإسكتلندي ريتشارد هيوز إلى الهلال باعتباره مجرد تعاقد إداري جديد، بل جزءا من قصة أكبر تتشكل ملامحها تدريجيا في كرة القدم السعودية؛ قصة تؤكد أن القيمة الحقيقية للمرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد النجوم الجدد ولا بحجم الإنفاق، بقدر ما ستُقاس بقدرة الأندية على تحويل هذه الاستثمارات إلى مشاريع مستقرة.
فالكرة السعودية تتحول تدريجيا نحو مرحلة أكثر نضجا ومؤسسية؛ إذ قد يرحل المدرب، ويُستبدل اللاعب، وتتعاقب الإدارات، غير أن المنظومة الواضحة هي ما يمنح الأندية ذاكرة تعصمها من تغير الوجوه.
ولم يعد التساؤل محصورا في هوية النجم القادم، بل امتد ليتناول دوافع التعاقد معه، والآلية التي سيبنى بها الفريق حوله، والوجهة المراد الوصول إليها. ومن هنا، تخرج أسماء المديرين الرياضيين من الكواليس إلى صدارة المشهد، معلنة التحول الأهم: الانتقال من صناعة فريق خاطف للأضواء، إلى بناء مؤسسات راسخة قادرة على استدامة المنافسة.
المصدر:
الجزيرة