حين انتُخب جياني إنفانتينو رئيساً للاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) عام 2016، وصل إلى المنصب حاملاً شعار الإصلاح واستعادة الثقة، بعد واحدة من أكبر فضائح الفساد في تاريخ المؤسسة، والتي أطاحت بسلفه السويسري جوزيف بلاتر وعدد كبير من كبار مسؤولي الاتحاد.
لكن بعد مرور أكثر من عقد على تلك الوعود، يطرح كثيرون سؤالاً مختلفاً: هل تغيّر الفيفا فعلاً، أم أنه انتقل من أزمة إلى أخرى؟ وهل نجح إنفانتينو في إصلاح المؤسسة، أم أنه أصبح بدوره أحد أكثر رؤسائها إثارة للجدل؟
هل يمكن، إذن، اعتبار جياني إنفانتينو بين أسوأ الرؤساء في تاريخ رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم؟ هناك ما يكفي من الوقائع والقرارات المثيرة للجدل لطرح هذا السؤال، لا سيما أنه لم يصل إلى المنصب بوصفه امتداداً للإدارة السابقة، بل باعتباره "مرشح الإصلاح" الذي تعهّد بإعادة بناء سمعة الفيفا.
صحيح أن إنفانتينو ليس أول رئيس للفيفا تحيط به الانتقادات، فالجدل رافق معظم من تولوا قيادة المنظمة، لكن المفارقة أن الرجل الذي جاء لإنهاء حقبة الأزمات وجد نفسه في قلب أزمات جديدة.
وفي هذا التقرير، نحاول بداية أن نستعرض رؤساء الفيفا الدائمين في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، قبل التوقف عند عهدي جوزيف بلاتر وجياني إنفانتينو، ومقارنة إرث كل منهما، لمحاولة الإجابة عن سؤال يفرض نفسه اليوم: هل أصبح الفيفا في عهد إنفانتينو أسوأ مما كان عليه في عهد بلاتر؟
1- جول ريميه
يُعد الفرنسي جول ريميه، الذي ترأس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) بين عامي 1921 و1954، الشخصية الأكثر تأثيراً في تاريخ المنظمة، بل إن كثيرين يرون أن تاريخ الفيفا ينقسم إلى ما قبل ريميه وما بعده. فقد قاد الاتحاد طوال 33 عاماً، في فترة شديدة التعقيد امتدت بين الحربين العالميتين وما أعقبهما، وتمكن رغم الاضطرابات السياسية والاقتصادية من ترسيخ مكانة كرة القدم كلعبة عالمية.
ويبقى الإنجاز الأكبر في مسيرته تأسيس بطولة كأس العالم. ففي وقت كانت كرة القدم الأولمبية هي المنافسة الدولية الأبرز، نجح ريميه في تحويل حلم إقامة بطولة عالمية مستقلة إلى واقع، لتنطلق النسخة الأولى في أوروغواي عام 1930. ولم تكن البطولة مجرد حدث رياضي جديد، بل مشروعاً غيّر تاريخ اللعبة، وجعل كأس العالم لاحقاً أكبر تظاهرة رياضية على وجه الأرض.
وخلال عهده، توسعت عضوية الفيفا بشكل ملحوظ، وتعزز حضور الاتحاد على الساحة الدولية، بينما أصبحت كرة القدم وسيلة للتقارب بين الشعوب في عالم أنهكته الحروب. ولهذا السبب، ارتبط اسم ريميه بفكرة أن الرياضة يمكن أن تكون جسراً للسلام والتفاهم، وليس مجرد منافسة على الألقاب.
وعلى عكس معظم من خلفوه في رئاسة الفيفا، لم يقترن إرث جول ريميه بفضائح فساد أو صراعات سياسية أو اتهامات باستغلال المنصب، بل ظل يحظى باحترام شبه عالمي باعتباره الأب الروحي لكأس العالم. ويكفي أن ترشيحه لجائزة نوبل للسلام عام 1956، بعد عامين من مغادرته المنصب، عكس حجم التقدير الدولي لدوره في استخدام كرة القدم وسيلة للتقارب بين الأمم، وهو تكريم تجاوز حدود الرياضة نفسها.
ولهذا، يصعب وضع أي رئيس آخر للفيفا في المكانة نفسها؛ فبينما انشغل خلفاؤه بتطوير البطولة أو توسيع نفوذ المنظمة، يبقى جول ريميه الرجل الذي ابتكر الفكرة وترك الإرث الذي بُني عليه كل ما جاء بعده.
2- رودولف ويليام سيلدرايرز
تولى البلجيكي رودولف ويليام سيلدرايرز رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) في يونيو/حزيران 1954، خلفاً للفرنسي جول ريميه، بعد أن أمضى نحو 27 عاماً نائباً لرئيس الاتحاد وأحد أبرز مساعديه. وكان محامياً ورياضياً بارزاً في شبابه، إذ فاز ببطولة بلجيكا مع نادي راسينغ بروكسل، كما ساهم في تأسيس الاتحاد البلجيكي لكرة القدم وشغل عضوية اللجنة الأولمبية الدولية.
ورغم أن ولايته لم تستمر سوى نحو 16 شهراً، فإنها شهدت محطات مهمة في تاريخ الفيفا، أبرزها الإشراف على نهائيات كأس العالم 1954 في سويسرا، التي تُعد من أكثر البطولات إثارة في تاريخ المونديال، إلى جانب احتفالات الاتحاد الدولي بالذكرى الخمسين لتأسيسه، في وقت ارتفع فيه عدد الاتحادات الأعضاء إلى 85 اتحاداً.
لكن مسيرة سيلدرايرز في رئاسة الفيفا انتهت سريعاً بعدما توفي في 7 أكتوبر/تشرين الأول 1955 وهو لا يزال في منصبه، ليصبح أول رئيس للفيفا بعد الحرب العالمية الثانية تنتهي ولايته بالوفاة، ويخلفه الإنجليزي آرثر دروري، الذي قاد المنظمة في مرحلة أكثر استقراراً.
3- آرثر دروري
تولى الإنجليزي آرثر دروري رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) عام 1955، بعد وفاة البلجيكي رودولف سيلدرايرز، الذي لم يمكث في المنصب سوى عام واحد. وكان جول ريميه قد اختاره قبل ذلك نائباً لرئيس الفيفا، ما جعله المرشح الأبرز لخلافته، قبل أن يفوز بالرئاسة بسهولة.
قبل دخوله عالم الإدارة الرياضية، عمل دروري تاجراً للأسماك في مدينة غريمسبي الإنجليزية، ثم أصبح رئيساً لنادي غريمسبي تاون، قبل أن يتدرج في المناصب داخل الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، وصولاً إلى رئاسة الفيفا.
امتدت ولايته خمس سنوات، اتسمت بالاستقرار والابتعاد عن الصراعات السياسية والإدارية التي ستطغى على المنظمة في العقود اللاحقة. وخلال عهده استضافت السويد نهائيات كأس العالم 1958، التي اعتُبرت واحدة من أنجح النسخ في ذلك الوقت، وشهدت بزوغ نجم البرازيلي الشاب بيليه، في بطولة أسهمت في ترسيخ الشعبية العالمية للعبة.
ولم يُعرف عن دروري السعي إلى توسيع نفوذ الفيفا أو إثارة الجدل، بل اكتسب سمعة الرئيس الهادئ والإداري المحافظ.
4- ستانلي راوس
تولى الإنجليزي ستانلي راوس رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) من عام 1961 لغاية عام 1974، بعدما كان قد رسّخ مكانته كواحد من أبرز الإداريين في تاريخ اللعبة. وقبل وصوله إلى المنصب، لعب دوراً محورياً في تحديث وتطوير قوانين كرة القدم خلال فترة عمله أميناً عاماً للاتحاد الإنجليزي، وهو ما أكسبه سمعة رجل الإصلاح والتنظيم.
وخلال 13 عاماً على رأس الفيفا، قاد راوس المنظمة في مرحلة اتسمت بالاستقرار والنمو المتواصل. فقد توسعت عضوية الاتحاد الدولي بشكل ملحوظ، وواصلت كأس العالم ترسيخ مكانتها كأهم حدث رياضي عالمي، بينما شهدت نسخة 1966 في إنجلترا تتويج أصحاب الأرض بأول لقب عالمي لهم، في بطولة عُدت من أنجح نسخ المونديال آنذاك.
لكن إرث راوس لم يكن خالياً من الجدل. فقد ظل متمسكاً بفكرة أن الرياضة يجب أن تبقى بعيدة عن السياسة، وهو موقف انعكس على تعامل الفيفا مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. فتباطؤ الاتحاد الدولي في اتخاذ موقف حاسم من عزل جنوب أفريقيا، إلى جانب تجاهله مطالب الاتحادات الأفريقية بمنح القارة مقعداً مباشراً في كأس العالم، أدى إلى مقاطعة معظم المنتخبات الأفريقية لنهائيات مونديال 1966، وهي خطوة يرى كثيرون اليوم أنها كانت مبررة.
وأضعفت هذه المواقف شعبية راوس، خصوصاً داخل القارة الأفريقية، التي أصبحت تملك ثقلاً متزايداً في الجمعية العمومية للفيفا. وعندما حان موعد الانتخابات عام 1974، وجد نفسه في مواجهة البرازيلي جواو هافيلانج، الذي بنى تحالفاً واسعاً مع اتحادات أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، لتنتهي حقبة راوس بخسارة انتخابية عكست التحول في موازين القوى داخل كرة القدم العالمية.
5- جواو هافيلانج
تولى البرازيلي الرئاسة من 1974 إلى 1998، ويصعب اختزال إرث البرازيلي جواو هافيلانج في بضعة أسطر، فقد شكّلت سنواته الأربع والعشرون على رأس الفيفا نقطة تحول في تاريخ المنظمة، وجعلت تقييم عهده من أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للجدل.
لا خلاف على أن هافيلانج نجح في تحويل الفيفا من مؤسسة يهيمن عليها النفوذ الأوروبي إلى منظمة ذات طابع عالمي. فقد اعتمد بذكاء على مبدأ "عضو واحد، صوت واحد" لكسب تأييد اتحادات أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وهو ما أوصله إلى الرئاسة عام 1974 على حساب الإنجليزي ستانلي راوس.
ولم يكتف بذلك، بل منح تلك الاتحادات حضوراً وتأثيراً غير مسبوق داخل دوائر صنع القرار، كما وسّع عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم، وعمل على تطوير بطولات الفئات السنية وكرة القدم النسائية، ما عزز انتشار اللعبة عالمياً.
وفي المقابل، كان هافيلانج مهندس التحول التجاري الأكبر في تاريخ الفيفا، إذ فتح الباب أمام عقود الرعاية الضخمة وحقوق البث التلفزيوني، لتتحول المنظمة إلى قوة اقتصادية هائلة.
غير أن هذا النمو المالي رافقته اتهامات متزايدة بالفساد وتضارب المصالح، إذ ارتبط اسمه لاحقاً بقضايا رشى وعمولات غير مشروعة في فضائح شركات التسويق الرياضي، وهي القضايا التي ألقت بظلالها على إرثه، حتى وإن لم يُدان جنائياً.
لهذا يبقى هافيلانج شخصية يصعب تصنيفها بشكل قاطع؛ فهو الرئيس الذي منح الفيفا بعداً عالمياً ورسّخ مكانة كرة القدم كصناعة كونية، لكنه في الوقت نفسه وضع الأسس للنموذج التجاري والسياسي الذي مهد لاحقاً لفضائح الفساد التي انفجرت في عهد خلفه جوزيف بلاتر.
على مدى 17 عاماً قضاها السويسري جوزيف بلاتر على رأس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، لم تخلُ المؤسسة الكروية الأكبر في العالم من الفضائح والاتهامات التي طالت مسؤولين كباراً وقرارات مصيرية، وانتهى الأمر بسلسلة من التحقيقات التي هزّت سمعة الاتحاد.
وتعود أولى القضايا إلى عام 1997، حتى قبل توليه رئاسة الفيفا، عندما طالت التحقيقات الرئيس السابق جواو هافيلانج وصهره السابق ريكاردو تيكسيرا، بعد اتهامهما بالحصول على ملايين الدولارات من الرشاوى المرتبطة بحقوق التسويق الخاصة بكأس العالم. ورغم تبرئة بلاتر رسمياً، فإن تحويله مبلغ 1.5 مليون فرنك سويسري (نحو 1.7 مليون دولار) إلى حساب هافيلانج، عندما كان يشغل منصب الأمين العام للفيفا، أثار تساؤلات حول مدى علمه بتلك الممارسات.
وفي عام 1998، فاز بلاتر برئاسة الفيفا على حساب رئيس الاتحاد الأوروبي آنذاك لينارت يوهانسون، لكن الانتخابات نفسها لاحقتها اتهامات بشراء الأصوات، إذ تحدثت تقارير عن دفع 50 ألف دولار لكل مندوب أفريقي كان يقيم في أحد فنادق باريس قبل التصويت. ونفى بلاتر هذه الاتهامات باستمرار.
أما في مونديال ألمانيا 2006، فقد برزت قضية نائب رئيس الفيفا آنذاك جاك وارنر، الذي منح شركة تابعة لعائلته حق تسويق تذاكر مباريات منتخب ترينيداد وتوباغو، ما أدى إلى تحقيق أرباح غير مشروعة قُدرت بنحو 900 ألف دولار. ورغم التحقيقات، لم تتمكن الفيفا من إثبات تورط وارنر بشكل مباشر، واقتصر الأمر على توجيه إنذار بحقه.
وفي عام 2014، عادت الشبهات لتحاصر الفيفا مع تقارير برازيلية تحدثت عن شبكة غير قانونية لتوزيع تذاكر كأس العالم، شملت تذاكر كانت مخصصة للمسؤول الأرجنتيني الراحل خوليو غروندونا، أحد أبرز أعضاء اللجنة التنفيذية للفيفا، ما أضاف قضية جديدة إلى سجل الأزمات في عهد بلاتر.
السويسري جوزيف بلاتر الرئيس السابق للفيفا (أسوشيتد برس)وفي مايو/أيار 2015، وقبل يومين فقط من انعقاد كونغرس الفيفا، ألقت السلطات السويسرية القبض على سبعة مسؤولين بارزين في الاتحاد بطلب من القضاء الأمريكي، في واحدة من أكبر قضايا الفساد في تاريخ الرياضة. ورغم أن بلاتر لم يكن مشمولاً بالاعتقالات آنذاك، فإن سنوات رئاسته كانت قد شهدت بالفعل سلسلة طويلة من الأزمات والجدل.
رغم فوزه بولاية خامسة على رأس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) في 29 مايو/أيار 2015، فإن جوزيف بلاتر لم يتمكن من الصمود طويلاً أمام العاصفة التي اجتاحت المؤسسة الكروية. فبعد أربعة أيام فقط من إعادة انتخابه، أعلن استقالته من منصبه، تحت وطأة التحقيقات الجنائية الأمريكية والسويسرية وأزمة الفساد غير المسبوقة التي هزت الفيفا، منهياً بذلك 17 عاماً في رئاسة المنظمة.
ولم تتوقف تداعيات القضية عند الاستقالة، إذ فتح الادعاء السويسري لاحقاً تحقيقاً بشأن تحويل مليوني فرنك سويسري (نحو 2.3 مليون دولار) إلى رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم آنذاك، ميشيل بلاتيني، عام 2011، وهي دفعة قال الطرفان إنها كانت مستحقات عن عمل استشاري سابق.
وعلى خلفية التحقيق، أوقفت لجنة الأخلاقيات في الفيفا بلاتر عن ممارسة أي نشاط يتعلق بكرة القدم، قبل أن تُخفَّض مدة العقوبة لاحقاً، لكنه بقي بعيداً عن الساحة الكروية لسنوات. ورغم أن القضاء السويسري برّأ بلاتر وبلاتيني من تهم الاحتيال في عام 2022، ثم أيّد حكم البراءة مجدداً في الاستئناف عام 2025، فإن القضية أسدلت الستار عملياً على مسيرة بلاتر في إدارة كرة القدم العالمية.
7- جياني إنفانتينو.. جدل لا ينتهي
انتُخب جياني إنفانتينو رئيساً للفيفا في فبراير/شباط 2016، بعد مسيرة طويلة داخل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، حيث انتقل من القسم القانوني إلى منصب الأمين العام للاتحاد عام 2009.
وصل إلى المنصب وسط وعود بإصلاح المنظمة واستعادة الثقة بعد فضائح عهد جوزيف بلاتر، لكن أول أزمة لم تتأخر. فقد خضع لتحقيق من لجنة الأخلاقيات في الفيفا بسبب قبوله رحلات بطائرات خاصة، قبل أن تتم تبرئته لاحقاً.
كما ورد اسمه في وثائق "أوراق بنما"، وفتحت لجنة الأخلاقيات تحقيقاً حول اجتماعات غير معلنة جمعته بالمدعي العام السويسري السابق مايكل لاوبر، الذي كان مكتبه يحقق في قضايا فساد مرتبطة بالفيفا.
نفى إنفانتينو ولاوبر ارتكاب أي مخالفات، وانتهى التحقيق عام 2020 إلى تبرئة رئيس الفيفا.
2025: جائزة الفيفا للسلام
في ديسمبر/كانون الأول 2025، أثار إنفانتينو موجة جديدة من الانتقادات بعد قراره منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب النسخة الأولى من "جائزة الفيفا للسلام".
وجاء القرار في توقيت حساس مع اقتراب كأس العالم 2026 التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وفي ظل حملة ترامب للحصول على جائزة نوبل للسلام.
وكان إنفانتينو قد وصف ترامب سابقاً بأنه "صديق عظيم"، وتطورت العلاقة بين الرجلين خلال الولاية الثانية للرئيس الأمريكي.
كما تعرض رئيس الفيفا لانتقادات بعد نقل مكتب تابع للفيفا إلى برج ترامب في نيويورك، بعدما كان قد أكد سابقاً أن "السياسة يجب أن تبقى خارج كرة القدم".
ترامب تسلم جائزة السلام من إنفانتينو خلال حفل قرعة كأس العالم (رويترز)خلال مؤتمر الفيفا في 2026، حاول إنفانتينو تنظيم مصافحة رمزية بين مسؤولين من الاتحادين الفلسطيني والإسرائيلي لكرة القدم، في محاولة لتقديم صورة عن دور الفيفا كجهة قادرة على تقريب وجهات النظر.
لكن المبادرة فشلت بعدما رفض رئيس الاتحاد الفلسطيني جبريل الرجوب الوقوف إلى جانب نائب رئيس الاتحاد الإسرائيلي باسم الشيخ سليمان.
وقالت نائبة رئيس الاتحاد الفلسطيني سوزان شلبي إن الرجوب رفض المصافحة لأنها، حسب تعبيرها، كانت ستمنح شرعية لمن وصفته بأنه يمثل محاولة لتجميل واقع سياسي وإنساني مؤلم.
واعتبر منتقدون أن إنفانتينو حاول تقديم نفسه كوسيط دولي دون إدراك تعقيدات الملف.
في يونيو/حزيران 2026، تقدم الرئيس السابق للاتحاد الأوروبي لكرة القدم ميشيل بلاتيني بشكوى جنائية في فرنسا ضد الفيفا وإنفانتينو، متهماً إياه بالوقوف وراء حملة لإبعاده من سباق خلافة جوزيف بلاتر على رأس الفيفا.
وطالبت الشكوى بالتحقيق في مزاعم تتعلق بـ"التآمر لتوجيه اتهامات كاذبة" و"استغلال النفوذ".
واتهم بلاتيني إنفانتينو ومسؤولين سابقين في الفيفا بالمساهمة في إقصائه من المنافسة على رئاسة الاتحاد الدولي.
2026: أزمات كأس العالم
شهد مونديال 2026 سلسلة من الجدل المرتبط بالفيفا وإنفانتينو، من ارتفاع أسعار التذاكر التي جعلت البعض يعتبر البطولة موجهة للنخبة، إلى الانتقادات المتعلقة باستخدام الطائرات خاصة خلال البطولة، مروراً بأزمة الحكم الصومالي عمر أرتان الذي تم احتجازه لساعات طويلة وترحيله من الولايات المتحدة قبل أن يفوّت فرصة إدارة مباريات في كأس العالم.
كما أثارت تصريحات إنفانتينو حول دوره في مشاركة إيران بالمونديال انتقادات، إضافة إلى الجدل حول "فترات التوقف لشرب المياه" التي اعتبرها البعض وسيلة تجارية جديدة.
وزادت الانتقادات بعد اتهامات بوجود تفضيل للأرجنتين بسبب قرارات تحكيمية مثيرة للجدل، قبل أن تشتعل أزمة أكبر بعد إلغاء بطاقة حمراء للاعب المنتخب الأمريكي فولارين بالوغون، وسط تقارير عن تدخل سياسي بعد اتصال من ترامب بإنفانتينو.
وردّ حزب بلجيكا الاشتراكي قائلاً: "عندما يصبح المال هو من يقرر، يفقد كأس العالم مصداقيته".
وانتشرت على مواقع التواصل تسمية ساخرة للفيفا: "رتبوها لأمريكا".
2026: مشروع بيع كأس العالم
لكن أكبر أزمة في عهد إنفانتينو حتى الآن جاءت مع مشروع إنشاء ذراع تجارية جديدة باسم FIFA Forward Enterprise، بقيمة تقديرية تصل إلى 20 مليار دولار، لإدارة العمليات التجارية المرتبطة بكأس العالم وبطولات الفيفا.
وتتمثل الفكرة في بيع حصة تقارب 20% من البطولة لمستثمرين من القطاع الخاص.
الخطة قوبلت برفض واسع، خصوصاً من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا" واتحاد الكونكاكاف، بينما عبّر الاتحاد الآسيوي عن "خيبة أمله" لعدم استشارته قبل طرح المشروع.
وقال يويفا إن الاتحادات الأوروبية "لن تشارك في مسابقات الفيفا" إذا تم تمرير الخطة، مؤكداً: "كأس العالم ليست منتجاً استثمارياً. إنها إرث رياضي بُني عبر أجيال من اللاعبين والمنتخبات والجماهير".
كما انتقد رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام المشروع قائلاً إن "كأس العالم ليست سلعة، ولم تكن يوماً ملكاً لشخص ليبيعها".
وتحت الضغط أصدر الفيفا قراراً بإلغاء المشروع برمته، وبعد عشر سنوات في رئاسة الفيفا، أصبح إنفانتينو يواجه أكبر أزمة في مسيرته، مع تراجع صورته لدى عدد كبير من الجماهير والاتحادات.
فالرجل الذي وصل إلى زيورخ حاملاً شعار إصلاح الفيفا وإعادة الثقة إلى كرة القدم، يجد نفسه اليوم في مواجهة اتهامات بأنه قرّب اللعبة أكثر من السياسة والمال، وأنه دفع المنظمة نحو مرحلة قد تهدد طبيعة كأس العالم نفسها.
تمثل حقبتا جوزيف بلاتر وجياني إنفانتينو فصلين من أكثر الفترات إثارة للجدل في تاريخ الاتحاد الدولي لكرة القدم، إذ جاء كل منهما إلى رئاسة الفيفا في ظروف مختلفة، لكنه وجد نفسه في مواجهة أزمة ثقة عميقة مع الجماهير والاتحادات والشركاء.
فبلاتر تولى قيادة المنظمة في عام 1998 خلفاً لجواو هافيلانج، واستمر 17 عاماً في منصبه، وهي فترة شهدت توسعاً هائلاً في نفوذ الفيفا وعائداته المالية، لكنها ارتبطت أيضاً بسلسلة طويلة من الاتهامات المتعلقة بالفساد، وغياب الشفافية، وطريقة إدارة المؤسسة، إلى أن انفجرت الأزمة الكبرى عام 2015 مع التحقيقات الأمريكية والسويسرية التي أطاحت بعدد من كبار المسؤولين وأجبرت بلاتر على الاستقالة بعد أيام قليلة من إعادة انتخابه لولاية خامسة.
أما جياني إنفانتينو، فقد وصل إلى رئاسة الفيفا عام 2016 باعتباره رجل المرحلة الجديدة، وحاملاً وعداً واضحاً بإعادة بناء صورة المؤسسة بعد سقوط سلفه. فقد قدم نفسه باعتباره المسؤول القادر على فرض إصلاحات أخلاقية وإدارية، وإعادة الثقة إلى الاتحاد الدولي، لكن عهده لم يخلُ من الجدل.
فرغم أن سنوات رئاسته لم تشهد حتى الآن قضية فساد مباشرة بالحجم الذي هز عهد بلاتر، فإنها شهدت أزمات متتالية مرتبطة بطريقة اتخاذ القرار، وعلاقته بالقادة السياسيين، والانتقادات الموجهة إلى سياسة الفيفا التجارية والتسويقية.
الفارق الأساسي بين الرجلين أن بلاتر واجه اتهامات ركزت على نزاهة المنظومة المالية والإدارية للفيفا، بينما يواجه إنفانتينو انتقادات تتعلق أكثر بتوجه المؤسسة ودورها في عالم كرة القدم.
فمننتقدو بلاتر رأوا أن الفيفا في عهده تحول إلى بيئة مغلقة تحكمها شبكات مصالح وصفقات خلف الكواليس، في حين يرى منتقدو إنفانتينو أن الاتحاد الدولي تحت قيادته أصبح أكثر ارتباطاً بالسياسة والاقتصاد، وأن السعي وراء توسيع النفوذ والعائدات قد يأتي أحياناً على حساب القيم التقليدية للعبة.
كما أن الرجلين اعتمدا على أسلوبين مختلفين في إدارة السلطة، فبلاتر كان يعتمد على شبكة تحالفات طويلة داخل الاتحادات القارية، خصوصاً في أفريقيا وآسيا، ما ساعده على البقاء في الرئاسة لسنوات طويلة رغم الانتقادات.
أما إنفانتينو فاعتمد على خطاب التغيير والإصلاح، لكنه أثار في المقابل انتقادات بسبب تركيز القرار داخل دائرة ضيقة حوله، وبسبب علاقاته الوثيقة مع شخصيات سياسية مؤثرة، وهو ما أعاد فتح النقاش حول استقلالية الفيفا عن الحسابات السياسية.
ومن المفارقات أن إنفانتينو وصل إلى المنصب بهدف طي صفحة بلاتر، لكنه وجد نفسه بعد سنوات يواجه السؤال ذاته الذي لاحق سلفه: هل يعمل الفيفا لمصلحة كرة القدم أولاً أم لمصلحة المصالح المحيطة بها؟ فبلاتر ترك وراءه إرثاً مرتبطاً بأكبر أزمة فساد في تاريخ الرياضة، بينما يواجه إنفانتينو معركة مختلفة حول مستقبل اللعبة، خصوصاً مع خططه التجارية المثيرة للجدل، مثل توسيع البطولات والسعي إلى إدخال مستثمرين من القطاع الخاص في ملكية أجزاء من المشاريع المرتبطة بكأس العالم.
وفي النهاية، لا يمكن وضع الرجلين في خانة واحدة تماماً؛ فبلاتر غادر الفيفا بعد انهيار منظومة ارتبطت باسمه وبفضائح غير مسبوقة، بينما لا يزال إنفانتينو في موقع القرار ويحاول الدفاع عن رؤيته لمستقبل الاتحاد.
لكن القاسم المشترك بين الحقبتين هو أن الفيفا، رغم قوته المالية وشعبيته العالمية، بقي عاجزاً عن التخلص من أزمة الصورة والثقة.
فبعد أن كان التحدي في عهد بلاتر هو تنظيف المؤسسة من الفساد، أصبح التحدي في عهد إنفانتينو هو الإجابة عن سؤال أكبر: هل يمكن لكرة القدم أن تبقى لعبة عالمية تجمع الشعوب، في وقت أصبحت فيه أيضاً صناعة ضخمة تتداخل فيها الأموال والسياسة والنفوذ؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة