"ملحمة"، "إنجاز تاريخي"، "معجرة كروية". تلك كانت بعض العناوين التي تصدرت وسائل إعلام دولية، بعدما نجح المنتخب المغربي في بلوغ نصف نهائي مونديال قطر 2026 .
لم يكن أشد المتفائلين يتوقع تفوق " أسود الأطلس " على مدارس كروية قوية جدا على غرار إسبانيا، والبرتغال وبلجيكا. لكن المنتخب المغربي خالف لعبة التوقعات، وخلد اسمه كأول منتخب عربي وإفريقي يصل إلى دور نصف نهائي كأس العالم.
ولكن بين الأمس واليوم، تُطرح عدة تساؤلات عن إمكانية تكرار المغرب لهذا الإنجاز في مونديال 2026، وكيفية إعداد منتخبه لمونديال 2030.
الركراكي ووهبي..انطلاقة مشابهة!
قبل حوالي ثلاثة أشهر من انطلاق مونديال قطر، أعلن الاتحاد المغربي تعيين وليد الركراكي مُدربا للمنتخب المغربي خلفا للمدرب البوستي وحيد خليلوزيتش. وفي أول تصريحات له، تعهد وليد الركراكي برفع راية المغرب عاليا في نهائيات كأس العالم، وإدخال السعادة إلى قلوب المغاربة.
نفس السيناريو يتكرر مع المدرب الحالي للمنتخب المغربي محمد وهبي، الذي تولى بدوره مهمة تدريب "أسود الأطلس" خلفا للركراكي، وذلك قبل فترة وجيزة للغاية من انطلاق مونديال 2026
من 2026 إلى 2030… مشروع مغربي طويل الأمد. صورة أرشيفية.صورة من: Matthias Koch/picture alliance
وهبي..فكر تكتيكي مغاير
يعتمد محمد وهبي على فكر تكتيكي مُغاير لسلفه وليد الركراكي، حيث يُفضل الاستحواذ والضغط العالي على الخصم. فيما يركن الركراكي إلى الدفاع في كثير من المباريات، في انتظار المرتدات السريعة لتسجيل الأهداف وتحقيق الفوز.
رغم قصر الفترة التي تولى فيها وهبي تدريب المنتخب، إلا أن التغير في أسلوب لعب "أسود الأطلس" بات واضحا في المباريات الودية التي خاضعها. كما أن التشكيلة ظهرت مختلفة بشكل كبير عن تلك، التي خاضت مونديال قطر، رغم حفاظ المدير الفني الجديد على بعض الركائز الأساسية مثل حكيمي ، ومزراوي، وأكرد وأوناحي، وبونو وغيرهم.
في ذات الوقت أدخل وهبي عناصر شابة، مثل بوعدي، وجسيم، والمرابيط وغيرهم من الأسماء الجديدة، مشددا على أن اختيار الأسماء المشاركة في كأس العالم تمّ "بعناية تامة"، وأن كل اسم "يُناسب فكر ومنظومته" التكتيكية.
استعدادات مُكثفة
ولتطبيق أفكار المدرب محمد وهبي، خاض المنتخب المغربي عدة مباريات ودية، وأمام مدارس كروية شبيهة بالمنتخبات، التي سيواجهها المغرب في المونديال. فتعادل مع المنتخب الإكوادوري القوي بهدف لمثله. ثم فاز على الباراغوي بهدفين لواحد.
كما فاز المغرب على نظيره البوروندي بخماسية نظيفة. وأيضا، انتصر على مدغشقر بأربعة أهداف، قبل أن يختتم سلسلة مبارياته الودية أمام المنتخب النرويجي. وكانت هذه المباراة كفيلة بإعطاء لمحة عن هوية المنتخب المغربي الجديدة، لا سيما وأن الانسجام بين العناصر ذات الخبرة و العناصر الجديدة ظهر سلسا وسريعا.
يشكل خط الوسط والهجوم قوة المنتخب المغربي مع تواجد لاعبين من أعلى طراز على غرار العيناوي، وبوعدي، ودياز، وجسيم الزلزولي وغيرهم. إلا أن أكبر مشكلة تواجه المنتخب المغربي تكمن بالأساس في خط الدفاع.
فقلب الدفاع نايف أكرد لم يلعب أي مباراة منذ أشهر بسبب خضوعه لعملية جراحية. كما أن المدافع الآخر ديوب جلس طيلة مباريات هذا الموسم على دكة بدلاء فريق فولهام الإنجليزي. أما شادي رياض، فقد عاد مؤخرا للتنافس بعد إصابة أبعدته طويلا عن فريق كريستال بالاس.
مجموعة قوية
أوقعت قرعة كأس العالم المغرب في مجموعة قوية تضم البرازيل وإسكتنلدا وهايتي. وقصّ المغرب شريط المونديال بالتعادل (1ـ1) أمام البرازيل بأداء لافت. وكان هذا التعادل مهما لتعزيز الثقة لدى للاعبين.
التعادل أمام البرازيل (1ـ1) ساهم في تعزيز الثقة في صفوف المنتخب المغربي، صورة أرشيفية.صورة من: Albert Gea/REUTERSفي مباراته الثانية، سيواجه المغرب منتخب إسكتلندا القوي، والعائد للمشاركة في المونديال بعد غياب طويل. ورغم أن المباراة تبدو مائلة نوعا ما لصالح المغرب، إلا أن إسكتلندا تلعب بقتالية كبيرة، وستدافع بقوة عن فرصتها للمرور إلى الدور المقبل.
أما هايتي، المحطة الأخيرة لمنتخب المغرب في دور المجموعات، فقد تبدو على الورق في متناول "الأسود"، إلا أنها في حقيقة الأمر قادرة على خلط أوراق المجموعة برمتها.
تفاؤل حذر
يسود التفاؤل نفوس الجماهير المغربية بتكرار سيناريو مونديال قطر وربما الذهاب أبعد من ذلك. ويعود جزء منه إلى الجودة العالية التي يتوفر عليها المنتخب المغربي حاليا من لاعبين.
زيادة على ذلك، المدرب محمد وهبي. فهو صنع التاريخ مع منتخب الشباب عندما قاده للفوز بكأس العالم على حساب المنتخب الأرجنتيني القوي. وترى جماهير "أسود الأطلس" أنه قادر على تكرار نفس السيناريو مع منتخب الكبار هذه المرة.
عطفا على ذلك، يملك محمد وهبي خبرة كبيرة في خوض البطولات الكبرى، ففي مونديال الشباب الأخير أظهر قدرة كبيرة على قراءة مجريات كل مباراة، والإعداد لها بما يتناسب مع نقاط قوة وضعف المنافسين.
بيد أن كرة القدم تبقى رياضة تخضع لمنطقها الخاص، إذ لا شيء يضمن أن يتمكن المنتخب المغربي من تكرار "معجزة" قطر. ويُمكن له أن يقدم مستويات كبيرة، لكنه قد يفشل في بلوغ نصف النهائي.
فبالعودة إلى تجارب سابقة، يتبين أن عدة منتخبات قدمت مستويات كبيرة في نسخة ما من كأس العالم، إلا أنها لم تنجح في تكرار هذا النجاح، بل وفشلت حتى في التأهل لنهائيات كأس العالم، كما حصل مع منتخب تركيا في السابق.
عين على مونديال 2030!
وبالنظر إلى تشكيلة المنتخب المغربي، يتضح أن الكثير من اللاعبين لديهم فرصة كبيرة للمشاركة أيضا في مونديال 2030، الذي يحتضنه المغرب بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
ومؤخرا، كشف مدرب المنتخب المغربي الحالي أن لديه عقدا مع الجامعة المغربية لكرة القدم ممتد حتى 2030، ما يعني أن وهبي، سيكون قائد المغرب في المونديال المقبل بنسبة كبيرة جدا.
جماهير المغرب تنتظر من منتخب بلدها الفوز باللقب.صورة من: Ulrik Pedersen/NurPhoto/picture allianceويُعد مونديال 2026 فرصة سانحة لمجموعة من اللاعبين الشباب، لاكتساب الخبرة والاستعداد بشكل جيد لمونديال 2030. وحينها وارد جدا أن يصبحوا من الأعمدة الأساسية لتشكيلة "أسود الأطلس".
كما أن المونديال الحالي، يعد فرصة كبيرة للاعبين لزيادة مستوى الانسجام والتفاهم فيما بينهم. ما سيزيد من قوة المنتخب وقدرته على مجارة أي منتخب كان، في انتظار مونديال 2030 على أرض المغرب.
اللقب القاري؟
سوف يحاول المنتخب المغربي الحفاظ على زخم مونديال قطر والسير على نفس النهج في النسخة الحالية، مع الأخذ بعين الاعتبار مونديال 2030، الذي سيُنظم للمرة الثانية في القارة الإفريقية، بعد مونديال جنوب إفريقيا عام 2010.
وتتفهم جماهير كرة القدم المغربية أن منتخب بلادها قد لا ينجح حاليا في تكرار سيناريو قطر، لعدة اعتبارات بينها: حاجة الفريق لوقت أطول لاستيعاب أسلوب المدرب الجديد. فضلا عن تعامل باقي المنتخبات مع المغرب، وذلك بجدية أكبر، وهو ما يقلل من عنصر المفاجأة، الذي اعتمد عليه المغرب سابقا، واستطاع من خلاله قهر أقوى المدارس الكروية.
لكن جماهير المغرب، لن ترض بأقل من أن يذهب منتخب بلدها إلى أبعد نقطة ممكنة في مونديال 2030. كما أن المسؤولين في كرة القدم المغربية، وعلى رأسهم رئيس الاتحاد المغربي فوزي لقجع، أكدوا أكثر من مرة أن الفوز بكأس العالم هدف مشروع وقابل للتحقق.
تحرير: وفاق بنكيران
المصدر:
DW