أثار المدافع البلجيكي توماس مونييه جدلا واسعا مؤخرا بتصريح يحمل في طياته الكثير من الواقعية؛ إذ أكد أن فرنسا تمتلك خزان مواهب كروية يكفي لتشكيل ثلاثة منتخبات مختلفة، قادرة جميعها على التنافس والفوز بكأس العالم.
هذا التصريح تدعمه الأرقام بشكل قاطع؛ فوفقا لبيانات موقع "ترانسفر ماركت"، فإن القيمة السوقية للاعبين الفرنسيين المستبعدين من قائمة 26 لاعبا النهائية لكأس العالم، تتجاوز 418 مليون يورو (نحو 451.4 مليون دولار)، بمتوسط 38 مليون يورو (نحو 41 مليون دولار) للاعب الواحد.
هذه "التشكيلة الاحتياطية المستبعدة" تتفوق قيمتها على القوائم الأساسية لمنتخبات عظمى مثل البرتغال، البرازيل، هولندا، وحامل اللقب الأرجنتين، وتضم أسماء بوزن:
فكيف تحولت فرنسا من دولة عانت عقودا من الإخفاق بين ثلاثينيات وسبعينيات القرن العشرين، إلى القوة الكروية المهيمنة على مستوى العالم؟
1. الثورة الهيكلية (السبعينيات)
بدأت الحكاية من رحم الإحباط؛ ففي أوائل السبعينيات، وتحت قيادة مدرب المنتخب آنذاك جورج بولون، اتخذ الاتحاد الفرنسي لكرة القدم قرارا إستراتيجيا بإنشاء أكاديميات وطنية متخصصة تُعرف بـ "مراكز التدريب".
ويوضح فرانك بينتوليلا، مدير المعهد الوطني لكرة القدم في "كليرفونتين"، هذه النقلة لقناة الجزيرة قائلا: "فرنسا لم تكن تفز بأي ألقاب، لذلك تقرر بناء هيكل جديد تماما"، وهو المشروع الذي حظي بدعم حكومي مباشر باعتبار الرياضة وسيلة لتعزيز القيم الفرنسية وحصد الأمجاد.
وقد افتُتح أول هذه المراكز الـ 16 في عام 1974 بمدينة "فيشي"، وبدأت في استقطاب المواهب من كافة أنحاء البلاد والأقاليم الفرنسية ما وراء البحار، مما أرسى حجر الأساس لمنظومة احترافية صارمة.
2. من جيل بلاتيني إلى "بلاك-بلان-بور"
كانت النتائج متفاوتة في البداية؛ فجيل الثمانينيات الذهبي بقيادة ميشيل بلاتيني، آلان جيريس، وجان تيجانا، نجح في حصد بطولة أوروبا وأولمبياد 1984 وبلغ نصف نهائي المونديال مرتين، لكن المنظومة ككل انتكست بالفشل في التأهل لمونديالي 1990 و1994.
وجاءت نقطة التحول التاريخية التي حدثت في مونديال 1998، عندما تُوّج منتخب "بلاك-بلان-بور" (الأسود والأبيض والعربي) باللقب العالمي الأول على أرضه. هذا الفريق متعدد الأعراق لم يعكس التغير الديمغرافي للمجتمع الفرنسي فحسب، بل كان إعلانا رسميا لنجاح نظام الأكاديميات.
ويشرح الحارس الدولي السابق برنارد لاما الفارق بين الجيلين قائلا: "ميزة جيل 1998 أن جميع اللاعبين تخرجوا من الأكاديميات وكان لديهم جوع حقيقي للفوز، بالإضافة إلى امتلاك موهبة استثنائية مثل زين الدين زيدان". وقد استمر هذا النجاح بوضوح عبر التتويج بمونديال 2018، والوصول لنهائي نسختي 2006 و2022.
3. الخلطة السرية
ويُرجع برنارد لاما استدامة التوهج الفرنسي إلى مزيج فريد يجمع بين التميز التكتيكي في خط الوسط، والمساهمة الفعالة للهجرة. فالأجيال الجديدة (مثل عثمان ديمبيلي، ديزيريه دوي، كيليان مبابي) هم فرنسيون نشأوا في فرنسا، وتحديدا في ضواحي باريس، ويمتلكون حافزا هائلا وفطرة تنافسية ترفض الخسارة.
ويرى لاما أن فرنسا تمتلك "الاستثناء" الذي يحمي اللعبة من تحويل اللاعبين إلى آليين؛ بوجود مواهب فردية حاسمة مثل مغنيس أكليوش وريان شرقي، قادرة على صنع الفارق الفردي بدنيا وفنيا.
منظومة عمل علمية
في ضواحي باريس، توجد أندية هواة غير معروفة، تدعم الأطفال رياضيا ودراسيا منذ سن الثامنة، ويلعبون في الشوارع والساحات "كجنود" يقاتلون يوميا تحت الضغط، لدرجة تمكنهم من هزيمة فرق الشباب لأندية محترفة مثل برشلونة.
المصدر:
الجزيرة