بدأ المدرب البلجيكي الشاب فينسنت كومباني يسطر ملاحم النجاح والنجومية مع عملاق الكرة الألمانية بايرن ميونخ، بعدما نجح في حسم لقب "البوندسليغا" للمرة الثانية تواليا وقبل أربع جولات من النهاية.
ولم يتوقف الطموح البافاري عند الصعيد المحلي، بل امتد قاريا بالوصول إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، بعد إقصاء "ملك المسابقة" ريال مدريد من ربع النهائي.
ومع استمرار المنافسة في كأس ألمانيا، باتت الأبواب مشرعة أمام كومباني لتحقيق "ثلاثية تاريخية" تعيد للأذهان العصور الذهبية للنادي، وسط ذهول المراقبين من شخصيته القيادية ولمسته الفنية التي طورت أداء البايرن بشكل جذري.
بدأت الرحلة التدريبية للبلجيكي كومباني بمزيج استثنائي بين القيادة داخل الملعب وخارجه، حين تولى مهمة "اللاعب والمدرب" مع نادي أندرلخت البلجيكي عام 2019، قبل أن يقرر خلع قميص اللعب نهائيا في عام 2020 للتفرغ للإدارة الفنية.
وخلال حقبته البلجيكية، نجح في قيادة فريقه الأم إلى المركز الثالث محليا وضمان مشاركة أوروبية في "دوري المؤتمر"، ليشد الرحال بعدها صوب الملاعب الإنجليزية وتحديدا إلى نادي بيرنلي في صيف عام 2022.
في "التشامبيونشيب"، صنع كومباني الحدث وقاد بيرنلي لعودة صاروخية إلى الدوري الإنجليزي الممتاز "البريميرليغ"، بعد موسم تاريخي حطم فيه الأرقام بحصده لقب البطولة برصيد 101 نقطة.
إلا أن دوام الحال من المحال؛ إذ لم تصمد فلسفة المدرب الشاب أمام أعاصير "البريميرليغ" في الموسم التالي، لينتهي به المطاف مصطدما بمرارة الهبوط مجددا إلى دوري الدرجة الأولى.
ورغم أن كومباني لم ينفذ سوى عامين من عقده الممتد مع بيرنلي حتى عام 2028، ورغم "وصمة" الهبوط التي كانت آخر عهده بإنجلترا، إلا أن المفاجأة الكبرى حدثت في ميونخ.
فقد قررت إدارة بايرن ميونخ كسر كافة القواعد التقليدية، ومنحت ثقتها الكاملة للشاب البلجيكي صاحب الـ38 عاما، ليصبح ثالث أصغر مدرب في تاريخ "البوندسليغا".
لقد انفردت إدارة "أليانز أرينا" برؤية كومباني كخليفة شرعي لأسماء تدريبية عملاقة مرت على تاريخ النادي، متجاوزة بذلك نقص خبرته الميدانية ومحدودية ألقابه التي لا تتعدى درع "التشامبيونشيب".
هذا الرهان الجريء من إدارة هيربرت هاينر يفتح باب التساؤلات المشروعة: ما هي المعطيات الخفية التي دفعت عملاقا بحجم بايرن ميونخ للوثوق بمدرب غادر فريقه السابق مهزوما؟ وما هي العوامل الكامنة في شخصية وفلسفة كومباني التي جعلت هذا الرهان "المجنون" يتحول إلى نجاح باهر أثبت رجاحة عقل الإدارة البافارية؟
ثمة خيط رفيع يربط بين البدايات المتعثرة والنجاحات الأسطورية في عالم التدريب، وهو ما يتجسد اليوم في قصة البلجيكي فينسنت كومباني مع بايرن ميونخ، والتي تكاد تكون نسخة معاصرة من مسيرة الملهم الفرنسي أرسين فينغر.
هذه المقارنة لا تداعب خيال عشاق النادي البافاري فحسب، بل تمثل وقودا لطموح المدرب الشاب الذي يسعى لإثبات أن "الهبوط" قد يكون أحيانا منصة لقفزة كبرى نحو المجد.
بدأ "البروفيسور" أرسين فينغر رحلته من "الظل"، مساعدا في نادي كان عام 1983 براتب زهيد، حيث عرف بهوسه المرضي بالتفاصيل وقضاء الليالي أمام أجهزة الفيديو لتحليل المنافسين. وفي عام 1984، تسلم قيادة نانسي المثقل بالأزمات المالية وجودة اللاعبين المتواضعة.
ورغم الهبوط مع نانسي عام 1987، إلا أن الوسط الرياضي الفرنسي أجمع حينها على أن "نانسي سقط لكن فينغر ارتفع"، بفضل ثورته في التغذية، والتدريب في المرتفعات، والعبقرية في تغيير مراكز اللاعبين (مثل تحويل المهاجم برتراند إلى ظهير).
هذه البصمة قادته لاحقا لاكتساح الألقاب مع موناكو، ثم كتابة التاريخ مع أرسنال الإنجليزي، وتحديدا "دوري اللاهزيمة" عام 2004، ليصبح أحد أعظم مطوري كرة القدم عبر التاريخ.
عندما عين أرسنال فينغر عام 1996، تساءلت صحيفة "ستاندارد إيفنينغ" (Evening Standard) بمانشيت عريض: "من أرسين هذا؟" واليوم، يعيد التاريخ نفسه مع كومباني؛ فكلاهما انطلق من تحديات صعبة، وتعرض لمرارة الهبوط مع ناديه، لكن ذلك لم يمنع الأندية الكبرى من رؤية "الجوهر" خلف غبار النتائج العابرة.
لقد أظهرت الفترة القصيرة لكومباني مع أندرلخت وبيرنلي أنه يمتلك تلك الشخصية القيادية والقدرة الاستثنائية على التغيير الجذري، تماما كما فعل فينغر في بداياته.
لم يكن طريق كومباني إلى "أليانز أرينا" مفروشا بالورود؛ إذ كشف أولي هونيس، الرئيس الفخري للبايرن، في حديثه لمجلة "كيكر" الألمانية، أن كومباني كان "المرشح الرابع أو الخامس" في قائمة ضمت أسماء مثل تشابي ألونسو وناغلسمان لخلافة توماس توخيل.
لكن، ما الذي قلب الموازين؟ الإجابة تكمن في بيب غوارديولا. فالعلاقة القوية التي تربط إدارة البايرن بـ"الفيلسوف" الإسباني دفعتهم لاستشارته، فجاء الرد قاطعا: "تعاقدوا معه دون تفكير".
غوارديولا، الذي أشرف على كومباني في مانشستر سيتي، سبق أن صرح بأن البلجيكي سيقود "السيتي" يوما ما، وهي شهادة فنية لم تترك مجالا للشك لدى ماكس إيبرل والمديرين الرياضيين، خاصة بعد أن لمسوا في أول مقابلة شخصية معه ملامح المدرب الذي يحتاجه العملاق البافاري.
يرى محللون رياضيون، وفي مقدمتهم أدريان كلارك من الموقع الرسمي للدوري الإنجليزي، أن فينسنت كومباني يتبنى أسلوبا كرويا يرتكز على الاستحواذ، التمريرات القصيرة، والبناء المنظم من الخلف.
هذا النهج يتقاطع بشكل وثيق مع مدرسة معلمه السابق بيب غوارديولا، ويمثل تحولا جذريا عن أسلوب "اللعب المباشر" والقوة البدنية التي ميزت فريق بيرنلي خلال حقبة شون دايتش، ما جعل من كومباني الخيار الأمثل لصياغة هوية هجومية طاغية تليق ببايرن ميونخ.
كشفت لقطات مسربة من تدريبات بيرنلي عن جانب "حديدي" في شخصية كومباني؛ حيث أظهرت المواقف صداما مباشرا مع أحد قادة الفريق إثر اعتراضه على التعليمات، وهو ما قابله المدرب البلجيكي بغضب شديد، مطالبا اللاعب بالمغادرة إن لم يمتثل للأوامر.
هذه الشخصية المسيطرة والقدرة على فرض الانضباط، بغض النظر عن نجومية اللاعب، هي ما يحتاجه فريق بحجم بايرن ميونخ الذي يضم نجوما من مختلف الجنسيات والمدارس الكروية.
ولا يتهاون كومباني في قضايا الالتزام بالوقت أو الجدية في الحصص التدريبية، كما أن ردود فعله العميقة في حصص تحليل الفيديو عقب المباريات تعكس احتراما كبيرا للمهنة، وهي صرامة يبدو أنها استمدت من رحم طفولة قاسية وتحديات عائلية كبرى.
لم تكن رحلة كومباني نحو القمة مفروشة بالورود، فقد واجهت عائلته العنصرية في بلجيكا. وفي سن الرابعة عشرة، مر كومباني بمرحلة قاسية شهدت طرده من المدرسة بسبب غيابه المتكرر مع منتخب الشباب، واستبعاده مؤقتا من الفريق إثر صدام مع مدربه، تزامنا مع طلاق والديه وطرده من المنزل.
وصف كومباني تلك الحقبة بأنها "منعطف خطير" كاد أن يزج به في عالم العصابات والمخدرات، لولا انضباطه وشغفه الكروي الذي أنقذه من الضياع.
الأب (بيير كومباني): مهاجر كونغولي ومناضل فر من الدكتاتورية في بلده، ليصنع التاريخ عام 2018 كأول عمدة أسود في بلجيكا (بلدية غانشورن).
الأم (جوسلين): جسدت مبادئ اشتراكية قوية، وكانت المحرك الأول لشغفه بالتعلم قبل رحيلها بمرض السرطان وهو في العشرين من عمره.
التحصيل العلمي: لم يكتفِ كومباني بالألقاب الرياضية، بل نال درجة الماجستير في إدارة الأعمال (MBA) من كلية مانشستر للأعمال عام 2018، ما صقل فكره الإداري والقيادي.
يعد كومباني نموذجا للمدرب "المثقف واللبق"؛ فبجانب الفرنسية والهولندية اللتين تعلمهما في بروكسل، يتقن الألمانية والإنجليزية بطلاقة، مع إلمام جيد بالإيطالية والإسبانية، وهي ميزة جوهرية تمكنه من قيادة غرفة ملابس بايرن ميونخ المتنوعة ثقافيا.
في عام 2013، استحوذ كومباني على نادي "بليد" في الدرجة الثالثة البلجيكية، ليس كاستثمار مالي بل كـ"التزام اجتماعي" تجاه شباب بروكسل، لفتح آفاق التطور أمام الموهوبين الأقل حظا. كما يمتلك فريقين آخرين بصفتهما بوابات لتطوير المواهب الشابة.
وعلى الصعيد الإنساني، يشغل كومباني منصب سفير لمنظمة "قرى الأطفال SOS" التابعة للفيفا، ويستثمر بقوة في مشاريع تعليمية وسكنية في جمهورية الكونغو الديمقراطية (موطن والده) لمكافحة الفقر وتوفير حياة كريمة للأطفال.
يقف كومباني اليوم على أعتاب دخول التاريخ؛ حيث تفصله خطوات معدودة عن تحقيق "الثلاثية التاريخية" (الدوري والكأس ودوري الأبطال) مع بايرن ميونخ. ورغم الصخب الذي يحيط بهذا الإنجاز المحتمل، يصر المدرب الشاب على واقعيته، رافضا الانغماس في الوعود البراقة.
ومع تصدره لـ"البوندسليغا" ووصوله لنصف نهائي الكأس والأبطال، تزايدت المقارنات بينه وبين الأسطورتين هاينكس وفليك.
وفي تصريح حاسم لشبكة "BR24" عقب الفوز على شتوتغارت، قال كومباني: "في الوقت الحالي، كل ما أريده هو الفوز على باير ليفركوزن". وأضاف بوضوح: "لا يمكنني القول إنني أريد أن أكون مدرب الثلاثية الآن؛ فأنا أعرف ما تعنيه الأدوار النهائية، وفي هذا المستوى العالي يجب أن يعمل كل شيء بدقة متناهية.. التفكير بعيدا جدا ليس من سماتي الشخصية".
لم يتوقف طموح بايرن ميونخ عند استعادة بريقه المحلي فحسب، بل امتد لكسر الأرقام القياسية التاريخية؛ إذ بات الموسم الحالي هو الأغزر تهديفيا في تاريخ النادي بجميع المسابقات. وبرفع رصيده إلى 160 هدفا، حطم "العملاق البافاري" رقمه السابق (159 هدفا) المسجل في موسم الثلاثية التاريخية 2019/2020 إبان حقبة المدرب هانزي فليك.
تجسد هذه الحصيلة المرعبة نجاعة الفلسفة الهجومية التي أرساها البلجيكي فينسنت كومباني، والتي أعادت للفريق هيبته كقوة ضاربة لا ترحم على الصعيدين الألماني والقاري.
وتبرز الأرقام الفردية كوقود لهذه الماكينة التهديفية؛ حيث بصم النجم الإنجليزي هاري كين على موسم "خرافي" بتسجيله 51 هدفا، بينما نصب الوافد الجديد مايكل أوليس نفسه ملكا للصناعة بـ29 تمريرة حاسمة إضافة إلى 18 هدفا.
وعلى وقع هذه الأرقام القياسية، يشد الرحال البافاري نحو أسبوع "الحسم"؛ حيث يواجه بايرن ليفركوزن في صدام ناري بنصف نهائي كأس ألمانيا، قبل أن يطير إلى العاصمة الفرنسية لمقارعة باريس سان جيرمان في ذهاب نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، طامحا في تحويل هذا الانفجار التهديفي إلى منصات تتويج ذهبية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة