آخر الأخبار

عندما تمطر السماء خردة.. عالمة فلك طاردتها الأقمار الصناعية إلى مزرعتها

شارك

في عام 2019 انتقلت عالمة الفلك سامانثا لولر إلى منطقة ريفية في مقاطعة ساسكاتشوان الكندية لتعيش في مزرعة مع زوجها. لم تكن السماء بالنسبة إليها مجرد خلفية جميلة للحياة اليومية، كانت جزءا من عملها، وسببا رئيسيا لاختيارها العيش بعيدا عن المدن.

هناك، حيث يغيب التلوث الضوئي، كانت لولر تستطيع النظر إلى سماء شديدة الصفاء، تملؤها النجوم التي يصعب على سكان المدن رؤيتها. وكانت تدرّس الكون في جامعة ريجينا القريبة، ثم تعود إلى مزرعتها لرعاية الماعز والدجاج.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 قفزة صينية نحو أسرار القمر.. تشانغ آه-7 يبحث عن جليد الماء وعلى متنه كاميرا عربية
* list 2 of 2 تشاهده بعينيك.. خسوف قمري يزين سماء العالم العربي خلال أيام end of list

لكن السماء التي انتقلت لولر إلى الريف من أجلها بدأت تتغير.

مصدر الصورة حطام وأقمار صناعية متناثرة حول الأرض في مشهد يوضح خطر تصاعد الحطام الفضائي ومتلازمة كيسلر (غيتي)

في البداية، كانت تلاحظ خطوطا ضوئية تتحرك بين النجوم، ثم أصبحت هذه الخطوط أكثر عددا. لم تكن شهبا ولا طائرات، بل أقمارا صناعية، ومع انتشار الكوكبات التجارية أصبح وجودها في السماء أمرا لا يمكن تجاهله.

تقول لولر: "الآن هناك الكثير من الأقمار الصناعية طوال الوقت. لقد تمكنت حقا من ملاحظة التغيير الذي كان يحدث".

لكنّ القصة لم تتوقف عند السماء.. فبعد سنوات، اكتشفت لولر أن جزءا من المشكلة التي كانت تراقبها من خلال عملها الفلكي وصل إلى الأرض نفسها، وإلى منطقة قريبة جدا من منزلها.

قطعة غريبة في حقل القمح

في ربيع عام 2024، كان المزارع باري ساوتشوك يتفقّد مستوى الرطوبة في حقله بالقرب من بلدة إيتونا، شمال شرق ريجينا، عندما عثر على جسم غريب كبير.

كان الجسم محترقا ومصنوعا من ألياف الكربون والألمنيوم ذي البنية الخلوية، وبدت فيه أسطوانة هيدروليكية. لم يكن شيئا يشبه المعدات الزراعية التي اعتاد ساوتشوك رؤيتها في أرضه.

وببساطة قال المزارع إنهم عرفوا أنه "جاء من السماء، لأنه لا يستطيع الوصول إلى هناك بمفرده".

في البداية بدت القصة أشبه بواقعة طريفة تصلح للحديث عنها في المزرعة. لكن صور الجسم وصلت إلى سامانثا لولر، الأستاذة المشاركة في علم الفلك بجامعة ريجينا.

إعلان

وبمجرد أن شاهدت الصور، أدركت أن الأمر مختلف.

مصدر الصورة معركة يخوضها علماء ضد الأعداد الكبيرة من الأقمار الصناعية التي تهدد ظلمة سماء الليل (ساينتيفيك أمريكان- جوناثان أوكالاهان)

قالت لولر إن أول ما خطر في ذهنها أن "هذه بالتأكيد خردة فضائية"، قبل أن تضيف أن الأمر كان "مذهلا، ومرعبا أيضا".

أرسلت لولر الصور وموقع العثور على الحطام إلى زميلها جوناثان ماكدويل، عالم الفيزياء الفلكية في جامعة هارفارد، والمتخصص في تتبع عمليات إطلاق المركبات الفضائية. وبمقارنة موقع الحطام بمسارات العودة إلى الغلاف الجوي، تبين أن القطعة تتوافق مع مسار حجرة شحن تابعة لمركبة "دراغون" من إنتاج "سبيس إكس"، عادت إلى الأرض بعد مهمة خاصة إلى محطة الفضاء الدولية.

لم تكن القطعة الوحيدة، فقد عثر مزارعون آخرون في المنطقة على أجزاء أخرى، مما جعل لولر تنظر إلى المسألة باعتبارها أكثر من حادثة منفردة.

حين يصبح الحطام مشكلة شخصية

بالنسبة إلى لولر، كانت المفارقة لافتة، فهي لم تكن تتابع مشكلة الحطام الفضائي من مختبر بعيد. بل كانت تعيش في منطقة زراعية، وتدرس تأثير النشاط الفضائي المتزايد في السماء، ثم وجدت نفسها على مسافة قصيرة من المكان الذي سقط فيه حطام فضائي.

وقالت في ذلك الوقت إنها "كانت تصرخ بشأن هذه المشكلة منذ 5 سنوات"، ثم سقطت قطعة من الحطام على بُعد نحو ساعة من منزلها.

والمفارقة الأخرى أن الأقمار التي تثير قلقها توفر في الوقت نفسه خدمة مهمة جدا لسكان المناطق الريفية، فخدمة "ستارلينك" أصبحت بالنسبة إلى بعض سكان "ساسكاتشوان" وسيلة للحصول على اتصال بالإنترنت في مناطق لا تتوافر فيها خيارات جيدة.

مصدر الصورة صورة لصاروخ "فالكون 9" التابع لشركة "سبيس إكس" وحوله هالة من الغازات كما يشاهد وهو في طريقه إلى المدار الأرضي (سبيس إكس)

ولولر نفسها لا تنكر هذه الفائدة، فهي تعيش في الريف وتعرف قيمة الاتصال السريع بالإنترنت، لكنها ترى أن توفير هذه الخدمة لا يعني أن التوسع الفضائي يجب أن يستمر من دون حساب كلفته ومخاطره.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية: المشكلة ليست في وجود قمر صناعي واحد، ولا في سقوط قطعة واحدة، وإنما في النظام الكامل الذي ينشأ عندما يصبح المدار مزدحما بعشرات الآلاف من المركبات، بعضها يعمل، وبعضها يتعطل، وبعضها يعود إلى الأرض.

كم يمكن للمدار أن يتحمل؟ لا توجد إجابة بسيطة عن السؤال.

المدار الأرضي المنخفض، الذي يمتد حتى نحو 2000 كيلومتر فوق سطح الأرض، ليس صندوقا له سعة محددة يمكن ملؤه بعدد معين من الأقمار، فالأمر يعتمد على الارتفاع، وحالة الأقمار، واحتمالات الاصطدام، ومعدلات الأعطال، وقدرة المركبات على المناورة، ومقاومة الغلاف الجوي.

مصدر الصورة الدكتورة سامانثا لولر باحثة في علم الفلك تهتم بدراسة الأقمار الصناعية والحطام الفضائي وتأثيرها في المدار الأرضي (جامعة ريجينا)

لهذا تتباين التقديرات بشدة، فقد قدرت دراسة منشورة عام 2022 إمكانية وجود نحو 12.6 مليون مركبة فضائية بين ارتفاعي 200 و900 كيلومتر، لكنها اعتمدت سيناريو شديد التنظيم يكاد يكون مثاليا. وفي عام 2024، قُدم تقييم أكثر تعقيدا نطاقا يتراوح بين نحو 10 ملايين و100 مليون قمر.

إعلان

لكن ما يهم العلماء ليس الرقم وحده. يقول مايلز ليفسون، الخبير في سعة المدارات في مؤسسة "إيروسبيس كوربوريشن": "من المحتمل أن تكون هناك قدرة استيعابية، لكنّ عدد الأقمار الصناعية طريقة غير دقيقة للغاية للتفكير في الأمر".

فالقمر الصناعي لا يبقى ساكنا في مكانه. وهو يحتاج إلى تغيير مساره، وقد يتعطل، وقد يصطدم بجسم آخر، وقد ينتج عن ذلك حطام يظل في المدار سنوات أو قرونا.

وهنا تكمن المشكلة التي يصعب رؤيتها من الأرض، فالمدار ليس فارغا لمجرد أننا لا نراه.

الحطام الذي لا يغادر

يقول هيو لويس، خبير الحطام الفضائي في جامعة برمنغهام: إن بعض الحطام الموجود على ارتفاع يقارب 2000 كيلومتر يمكن أن يبقى هناك نحو 100 ألف عام.

وبذلك لا يعود السؤال: كم قمرا يمكن إطلاقه؟ بل يصبح: كم جسما يمكن أن ندير بصورة آمنة، وكم جسما يمكن أن يبقى في المدار إذا تعطل؟

مصدر الصورة متلازمة كيسلر تقضي بازدياد عدد التصادمات الفضائية بلا توقف (الجزيرة- صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

ويصف لويس القدرة الاستيعابية المدارية بأنها أشبه بالاتزان الداخلي في جسم الإنسان؛ أنظمة كثيرة تعمل معا، وكل واحد منها يؤثر في الآخر.

وعندما يتجاوز النظام حدا معينا، قد تبدأ متلازمة كيسلر، وهي اصطدام يولد حطاما، والحطام يصطدم بأجسام أخرى، فتتولد شظايا جديدة، وهكذا تتسع المشكلة.

ويعتقد لويس أن هذا الخطر أصبح قائما بالفعل على ارتفاعات تزيد على 550 كيلومترا، وأن كمية الحطام قد تستمر في الارتفاع حتى لو توقفت عمليات الإطلاق فجأة.

ساعة لا تتوقف

لهذا السبب اهتمت لولر وزملاؤها بسؤال أكثر إثارة من مجرد عدد الأقمار: ماذا سيحدث إذا توقفت الأقمار فجأة عن العمل؟

لذا قامت لولر ومجموعتها بتطوير مؤشر أطلقوا عليه "ساعة الانهيار" (CrASH Clock)، في تجربة تحاكي سيناريو تصبح فيه الأقمار الصناعية غير قادرة على تنفيذ مناورات تجنب الاصطدام.. والنتيجة كانت مقلقة.

رسم تخيّلي لقمر صناعي يتحطم إثر اصطدام في المدار مظهرا تناثر الحطام الفضائي حوله (وكالة الفضاء الأوروبية)

فعندما أُجريت الحسابات الأولى، أظهرت أن اصطداما مداريا قد يحدث خلال 5 أيام فقط من توقف الأقمار عن العمل. لكن مع استمرار إطلاق المزيد من الأقمار، أعيدت الحسابات وأصبح التقدير أقل من 3 أيام.

تقول لولر: "تصبح الساعة أقصر فأقصر كلما أطلقنا مزيدا من الأقمار".

المعنى هنا ليس أن المدار سينهار حتما خلال 3 أيام إذا حدث عطل، وإنما أن هامش الوقت المتاح للنظام قبل أن يبدأ أول تصادم يصبح أقصر كلما ازدادت الأجسام المدارية.

وهذه النقطة تكشف تحولا مهما في طبيعة المشكلة؛ فلم يعد الأمر يتعلق فقط بما يمكن إطلاقه، بل بقدرتنا على الحفاظ على عدد هائل من المركبات تحت السيطرة في كل لحظة.

"ستارلينك" يراوغ 1000 مرة كل يوم

اليوم، تنفذ أقمار "ستارلينك" نحو 1000 مناورة يوميا لتجنب الاصطدامات المحتملة، وهو رقم كان سيبدو خياليا قبل عقد واحد.

وتعيد أقمار "ستارلينك" حساب مواقعها كل 10 دقائق، وتتنبأ بمساراتها خلال 48 ساعة، ثم تقارن هذه المسارات ببيانات الأجسام الأخرى الموجودة في المدار. وإذا ظهر خطر اصطدام، يمكن للقمر تشغيل محركاته وتغيير مساره.

شبكة أقمار ستارلينك تهدد المدار الأرضي بخطر التصادمات وزيادة الحطام الفضائي (شترستوك)

وقد أعلنت "سبيس إكس" أن أقمار "ستارلينك" تفادت نحو 300 ألف اصطدام محتمل خلال عام واحد، بمتوسط نحو 40 مناورة لكل قمر.

ويقول دارين ماكنايت خبير الحطام الفضائي في شركة "ليو لابس": "لو تصرف الجميع مثل ستارلينك، لأمكنك وضع عدد أكبر بكثير من الأقمار هناك". لكن هذه الجملة تحمل أيضا تحذيرا: "النظام يعمل حاليا، لكنّ المستقبل سيضيف مزيدا من الأقمار، ومزيدا من الشركات، ومزيدا من المسارات المتقاطعة".

المزرعة التي أصبحت مختبرا للفضاء

ربما لهذا السبب أصبحت مزرعة لولر مكانا رمزيا في قصتها، فهي عالمة تدرس السماء، لكنها تعيش على الأرض التي قد يصل إليها ما نتركه في السماء.

إعلان

وفي "ساسكاتشوان" لم يعد المزارعون مجرد متفرجين على ما يحدث في المدار، فقد أصبحوا، من دون قصد، جزءا من شبكة مراقبة الحطام الفضائي.

ففي إحدى الحالات، عثر مزارع على قطعة من حطام "ستارلينك" بحجم يقارب حجم حاسوب محمول وسط محصول العدس، ولم ير أحد لحظة سقوطها؛ اكتشفت آثارها لاحقا على الأرض. وتقول لولر إن بعض القطع قد تسقط قريبا جدا من المنازل من دون أن يلاحظها أصحابها.

ومع تزايد عمليات العودة إلى الغلاف الجوي، بدأت لولر تطلب من المزارعين وسكان المناطق الريفية الانتباه إلى الأجسام الغريبة في الحقول، وتصويرها وإبلاغ المختصين عنها.

وفي عام 2025، وبعد ظهور عملية عودة أخرى لقمر "ستارلينك" فوق كندا، حثت لولر المزارعين على مراقبة حقولهم بحثا عن أجزاء محتملة من الحطام. وأشارت إلى أن مناطق البراري الجنوبية تقع تحت نطاق مداري كثيف، مما يجعلها أكثر عرضة لمشاهدة عمليات العودة.

وهكذا تحولت المزرعة التي اختارتها لولر هربا من ازدحام المدن وتلوثها الضوئي إلى نقطة تلتقي فيها السماء بالأرض.

المشكلة ليست في الفضاء وحده

اللافت في قصة لولر أن الخطر الذي تحذر منه ليس مجرد خطر على علماء الفلك أو على صورة السماء الليلية.

إنه سؤال عن كيفية إدارة بيئة أصبحت تعتمد عليها خدمات أساسية، بينما لا توجد حتى الآن جهة دولية واحدة تتولى إدارة حركة الأقمار الصناعية بالطريقة التي تُدار بها حركة الطائرات.

وتتولى جهات دولية مثل الاتحاد الدولي للاتصالات تنسيق أجزاء من استخدام المدار والترددات، لكن الزيادة السريعة في عدد الأقمار خلقت واقعا جديدا لم تكن القواعد القديمة مصممة له.

وتعود القواعد الأساسية للفضاء إلى معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، أي إلى زمن كان فيه إطلاق قمر صناعي حدثا استثنائيا، لا نشاطا تجاريا متكررا.

واليوم، أصبح المدار بيئة تشغيلية مزدحمة تحتاج إلى قواعد أكثر تفصيلا، وإلى تعاون بين الدول والشركات، وإلى أنظمة موثوقة للتتبع والإبلاغ والمناورة.

من السماء إلى الحقل.. ثم إلى المستقبل

قصة سامانثا لولر في جوهرها ليست قصة عالمة فلك منزعجة من الأقمار الصناعية. إنها قصة تغير في العلاقة بين الأرض والفضاء.

انتقلت لولر إلى الريف بحثا عن سماء مظلمة، ثم وجدت أن السماء تتغير فوقها، وبعد سنوات، لم يعد التغير مرئيا فقط من خلال خطوط الأقمار الصناعية التي تمر أمام النجوم، بل ظهر في صورة قطعة محترقة سقطت في حقل على مسافة قصيرة من منزلها.

ثم جاءت "ساعة الانهيار" لتضع المشكلة في إطار أكثر قسوة؛ فكلما ازداد عدد الأجسام في المدار، أصبح النظام أكثر اعتمادا على أن تعمل الأقمار بصورة صحيحة، وأن تتنبأ بمسارات بعضها، وأن تنفّذ المناورات في الوقت المناسب.

وهذا يعني أن مستقبل الفضاء لن تحدده فقط قدرتنا على إطلاق المركبات، بل قدرتنا على إدارة ما أطلقناه بالفعل.

وقد لا يكون السؤال الأهم في السنوات المقبلة: كم قمرا نستطيع أن نرسل إلى المدار؟ بل: هل نستطيع أن نضمن أن كل قمر نرسله سيبقى تحت السيطرة، وألا يتحول يوما إلى حطام يهدد الأقمار الأخرى أو يعود إلى الأرض؟

في مزرعة "ساسكاتشوان"، بدأت الإجابة عن هذا السؤال بقطعة معدنية محترقة في حقل، وفي مختبرات علم الفلك، تحولت إلى حسابات ومؤشرات ونماذج.

وبين الحقل والمدار، تظهر قيمة العلم: أن يلتقط الإشارة الصغيرة قبل أن تتحول إلى مشكلة كبيرة، وأن يحوّل الفضول إلى قياس، والقياس إلى تحذير، والتحذير إلى قواعد تحمي مستقبل الاستكشاف الفضائي.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار