بعد نحو عقدين من التخطيط والتطوير، نجح مرصد "بلاتو" (PLATO) التابع لوكالة الفضاء الأوروبية في اجتياز آخر اختباراته الرئيسية، ليصبح جاهزا للانتقال إلى المرحلة الأخيرة قبل إطلاقه في مارس/آذار 2027 على متن صاروخ "أريان 6".
ويُعد هذا الإنجاز تتويجا لسلسلة طويلة من الاختبارات بدأت مطلع عام 2026، شملت اختبارات الاهتزازات والضوضاء، ثم محاكاة ظروف الفضاء داخل أكبر محاكٍ فضائي في أوروبا، قبل أن يثبت "بلاتو" أخيرا أن جميع أجهزته الإلكترونية تعمل بتناغم كامل دون أي تداخل قد يهدد نجاح المهمة.
وبعد منافسة مع عدة مشروعات علمية، اختيرت المهمة رسميا عام 2014، لتبدأ بعدها سنوات طويلة من التصميم والبناء، قبل أن تدخل مرحلة التجميع والاختبارات النهائية.
ويقود اتحاد المهمة أكثر من 500 عالم ومهندس من عشرات المؤسسات الأوروبية، برئاسة البروفيسورة هايكه راور من معهد أبحاث الكواكب بالمركز الألماني للطيران والفضاء، بينما يتولى البروفيسور دون بولاكو من جامعة ووريك البريطانية تنسيق البرنامج العلمي، في واحدة من أكبر الشراكات العلمية الأوروبية في مجال الكواكب الخارجية.
الهدف الرئيسي للمهمة ليس مجرد اكتشاف كواكب جديدة، بل العثور على كواكب صخرية تدور حول نجوم تشبه الشمس داخل المنطقة الصالحة للحياة، حيث يمكن أن يُوجَد الماء السائل.
ولهذا يحمل "بلاتو" تصميما مختلفا عن أي مرصد فضائي سابق، إذ يضم 26 كاميرا، منها 24 كاميرا رئيسية وكاميرتان سريعتان لمراقبة النجوم الأكثر سطوعا.
وسيتمكن المرصد من متابعة نحو مليون نجم، مع التركيز على النجوم القريبة نسبيا، لقياس أحجام الكواكب بدقة تصل إلى نحو 3%، وأعمار النجوم بنحو 10%، كما سيساعد، بالتعاون مع المراصد الأرضية، على تقدير كتل الكواكب بدقة كبيرة.
ولا يقتصر عمله على اكتشاف الكواكب النجمية، بل سيبحث أيضا عن الأقمار النجمية، والحلقات الكوكبية، ويدرس الاهتزازات الدقيقة في النجوم، وهي تقنية تمكن العلماء من معرفة البنية الداخلية للنجوم وأعمارها، وبالتالي فهم الكواكب التي تدور حولها بصورة أدق.
رغم أن العالم عرف مهمات ناجحة مثل "كبلر" (Kepler) و"تيس" (TESS) و"تشيوبس" (CHEOPS)، فإن "بلاتو" صُمِّم ليعالج إحدى أهم نقاط الضعف في تلك المهمات.
فبينما ركزت المهمات السابقة على اكتشاف أكبر عدد ممكن من الكواكب النجمية، سيركز "بلاتو" على النجوم الساطعة والقريبة، مع مراقبتها لفترات طويلة، ما يزيد فرص اكتشاف كواكب تدور في مدارات شبيهة بمدار الأرض حول الشمس، بدلا من الكواكب القريبة جدا من نجومها.
كما ستوفر بياناته أهدافا مثالية لتلسكوبات المستقبل، مثل تلسكوب "أرييل" (Ariel) الأوروبي، الذي سيدرس الأغلفة الجوية لتلك الكواكب بحثا عن بصمات كيميائية قد ترتبط بإمكانات الحياة.
بعد إطلاقه من ميناء الفضاء الأوروبي في غويانا الفرنسية، سيتجه "بلاتو" إلى نقطة لاغرانج الثانية الواقعة على بعد نحو 1.5 مليون كيلومتر من الأرض، حيث سيتمكن من مراقبة السماء باستقرار حراري وضوئي كبير.
ومن المخطط أن تستمر المهمة الأساسية 4 سنوات، مع إمكانية تمديدها إلى 8 سنوات، ما يمنح العلماء فرصة غير مسبوقة لبناء أكبر قاعدة بيانات للكواكب الصخرية القريبة من الأرض.
ويرى الباحثون أن المهمة قد تساعد في الإجابة عن سؤال طالما شغل البشرية: هل الأرض حالة استثنائية، أم أن الكون مليء بعوالم مشابهة لها؟
فكل كوكب جديد يكتشفه "بلاتو" لن يكون مجرد رقم يُضاف إلى السجلات الفلكية، بل خطوة جديدة لفهم مكان الإنسان في هذا الكون الواسع، وإثبات أن أعظم الاكتشافات تبدأ باختبار صغير ينجح على الأرض قبل أن يتحول إلى رحلة تغير نظرتنا إلى السماء.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة