الكندية آن كارسون الفائزة بنوبل 2026... النثر بإيقاع الشعر
حسين جلعاد
ذهبت جائزة نوبل للآداب هذا العام (2026) إلى الشاعرة والمترجمة الكندية آن كارسون، وهي كاتبة يحار أمين المكتبة أين يضع كتبها، فهي تكتب الشعر والمقالة والمسرح، وتترجم عن اليونانية القديمة، وتمزج ذلك كله في الكتاب الواحد حتى يضيع الحد بين الأنواع. درّست كارسون الآداب الكلاسيكية في جامعات كندية وأميركية عقوداً، وظلت تكتفي في التعريف بنفسها على أغلفة كتبها بسطر واحد: “ولدت في كندا وتدرّس اليونانية القديمة لكسب العيش”.
تقوم كتابة كارسون على ثلاث خصائص. أولاها مزج الأنواع، فالقصيدة عندها تحمل هوامش الباحث، والمقالة تُكتب بإيقاع الشعر. وثانيتها الاقتصاد، فجملتها قصيرة جافة، تخفي عاطفتها تحت نبرة الدرس. وثالثتها العودة الدائمة إلى الإغريق والرومان القدماء، فتستعير منهم الحكايات والشذرات لتكتب عن زمنها. وقد توزعت كتبها، وهي نحو عشرين، بين مجموعات شعرية وروايات مكتوبة شعراً ومقالات ودراسات وترجمات للشعر والمسرح القديم. وتدور كلها حول موضوعات قليلة ثابتة أهمها الحبّ والخسارة والحداد، والترجمة وحدودها، وصلة المعرفة بالألم.
اسأل عربي
تعمق أكثر في هذا الموضوع
محادثة جديدة
×
اسألني…
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
وانتشرت كارسون أبعد مما يبلغه الشعر عادة، فقد قرأ كتابها “سيرة ذاتية للأحمر” جمهور واسع من غير قرّاء الشعر، (صدر العربية بترجمة مأمون الزيدي، دار نينوى، دمشق، 2017)، وتُرجمت أعمالها إلى لغات عدة منها الإسبانية والفرنسية. وعملت مع فنانين من خارج الأدب، منهم فرقة ميرس كننغهام للرقص ولوري أندرسون ولو ريد. وتوالت عليها الجوائز مثل منحة ماك آرثر عام 2000، وجائزة غريفين الكندية للشعر مرتين، وجائزة أميرة أستورياس الإسبانية عام 2020. وظلّ اسمها حاضراً في توقعات نوبل منذ سنوات وتصدّر ترشيحات النقاد ومكاتب المراهنات عام 2019، وذُكر مراراً إلى جانب مارغريت أتوود وهاروكي موراكامي والصينية تسان شيويه. وجاء فوزها متوقعاً في أصله، مع أن قائمة المراهنات هذا العام تصدّرتها الكاتبة الصينية تسان شيويه.
نالت جوائز عدة عن أعمالها التي وسّعت حدود الشعر
بدأت كارسون بكتاب “إيروس الحلو المر” عام 1986، (صدر بالعربية بترجمة عبد الرحيم يوسف، دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات، القاهرة، 2024)، وأصله أطروحتها الجامعية، وهي تنطلق فيه من كلمة نحتتها الشاعرة الإغريقية سافو لتصف الحب، فهو عندها حلو ومر في آن. وتبني كارسون على الكلمة نظرية كاملة في الرغبة، ومفهوم الرغبة عندها مثلث أضلاعه عاشق ومعشوق ومسافة تفصل بينهما، حيث تعيش الرغبة في هذه المسافة وتموت إذا انطوت. ويُقرأ الكتاب هذا كبحث لغوي دقيق، ويُقرأ أيضاً كقصيدة حبّ طويلة، وهذه الازدواجية ستبقى علامتها.
جاءت شهرة كارسون الواسعة مع كتابها “سيرة ذاتية للأحمر” عام 1998، إذ تعود فيه إلى شذرات شاعر يوناني قديم هو ستيسيخوروس، كتب عن جيريون، الوحش الأحمر المجنّح الذي قتله هرقل في واحدة من مهامه. وتنقل كارسون الحكاية إلى زمننا، فيصير جيريون صبيا خجولاً يحمل كاميرا، ويصير هرقل فتى وسيما يحبه جيريون ثم يهجره. وهنا تحوّل القتل الأسطوري إلى قلب مكسور، وتحوّلت الملحمة إلى رواية مكتوبة شعراً، وقد قرأها جيل كامل من الشباب في أميركا الشمالية كما تُقرأ الروايات الرائجة، وهذا نادر في حظ الشعر.
اسأل عربي
تعمق أكثر في هذا الموضوع
محادثة جديدة
×
اسألني…
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
ثم جاءت ترجمتها للشاعرة الإغريقية سافو عام 2002، والمعلوم أن شعر سافو قد وصل إلينا مزقا على برديات متآكلة، واعتاد المترجمون أن يرمّموا الناقص أو يخفوه، أما كارسون ففعلت العكس، لقد وضعت أقواسا حيث تمزقت البردية، وتركت الصفحة أحيانا لكلمة واحدة يحيط بها الفراغ. صار الفراغ جزءا من القصيدة، وصار الضياع نفسه مادة للقراءة.
وحملت الجرأة نفسها إلى المسرح، فترجمت يوربيديس وسوفوكليس وأسخيلوس بلغة حادة قصيرة النفَس، وهي بذلك تنزع عن التراجيديا وقارها المدرسي. وفي كتابها “أنتيغونيك” عام 2012 أعادت كتابة مسرحية أنتيغونا بحرية تامة، فقد أظهرت الشخصيات فيها وهي تتحدث عن هيغل وبيكيت، وتقف على الخشبة شخصية صامتة أضافتها كارسون، عملها الوحيد أن تقيس الأشياء. هنا يظهر المرح الذي أشارت إليه الأكاديمية السويدية في مبررات منحها جائزة نوبل.
أخذ عليها النقّاد اتكاءها على لعبة الشكل أكثر مما تحتمل
بلغت تجربة الشاعرة الكندية ذروتها في كتابها “نوكس” عام 2010، ويعني “الليل”، والكتاب مرثية لأخيها مايكل، الذي غاب عن العائلة سنين طويلة ومات في كوبنهاغن. ويأتي الكتاب في علبة، وداخلها شريط ورقي طويل مطوي كالأكورديون. تأخذ كارسون قصيدة الشاعر الروماني كاتولوس في رثاء أخيه، وتشرحها كلمة كلمة على طريقة المعاجم. وبين الشروح تلصق صورا قديمة ورسائل وقصاصات. تتحول الترجمة هنا إلى حداد. تبحث الأخت عن أخيها في لغة ميتة، وتعرف أنها لن تجده.
وتقترب كارسون من حياتها الخاصة بالحذر نفسه، فتحكي في قصيدتها الطويلة “مقالة الزجاج” عن امرأة هجرها حبيبها، وتروي في “جمال الزوج” انهيار زواج، ونالت عنه جائزة تي إس إليوت عام 2001، وكانت أول امرأة تنالها. وللروح نصيب في مشروعها، ففي كتابها “نقض الخلق” عام 2005 تجمع سافو والمتصوفة الفرنسية مارغريت بوريت والفيلسوفة سيمون فايل حول فكرة واحدة هي محو الذات أمام المحبوب الأعلى. وقد يجد قارئ التصوف العربي في هذا الكتاب أصداء يعرفها من حديث أهل الطريق عن الفناء.
اسأل عربي
تعمق أكثر في هذا الموضوع
محادثة جديدة
×
اسألني…
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
لكن كارسون لها خصوم بين النقاد، ويرى بعضهم أن شعرها نثر مقطّع الأسطر، وأن ثقافتها الواسعة تتحول أحيانا إلى استعراض يُبعد القارئ. وفي هذه المآخذ نصيب من الصحة، حيث تتكئ بعض كتبها المتأخرة على اللعبة الشكلية أكثر مما تحتمل، ومنها آخرها “نورما الخطأ” الصادر عام 2024، غير أن أفضل أعمالها يرد التهمة بسهولة، فالمعرفة هناك جرح مفتوح، واليونان القديمة مرآة ترى فيها امرأة معاصرة فقدها وحبها.
يذكر أن كارسون هي ثاني كندية تنال الجائزة بعد أليس مونرو عام 2013. وتكرّم الأكاديمية باختيارها الكتابة الهجينة التي لا تستأذن الأنواع الأدبية. وقد قيل قديما إن الكلاسيكيات لغات ميتة، لكن أثبتت هذه المعلمة الهادئة أن الميت يتكلم إذا وجد من يحسن الإصغاء إليه. يبقى أن أفضل أعمالها قد غيّر علاقة الأدب المعاصر بالقديم، فقد كان التراث الكلاسيكي عند أغلب المحدثين مخزن رموز أو سلطة تستدعى للهيبة، لكن كارسون جعلته نصا مرحا يتسع لحياة امرأة معاصرة، بحبها وحدادها وشكها.
العربي الجديد