رفض قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان مجددًا الدخول في مفاوضات مع قوات الدعم السريع، معلنًا استمرار الخيار العسكري لاستعادة المناطق التي تسيطر عليها القوات المنافسة، في موقف يتزامن مع تزايد التحركات الأمريكية والإقليمية للدفع نحو هدنة تفتح الطريق أمام تسوية سياسية تنهي حربًا دخلت عامها الرابع.

وخلال كلمة ألقاها الثلاثاء في منطقة أمري بالولاية الشمالية، أكد البرهان عدم وجود مفاوضات مع قوات الدعم السريع، متعهدًا بمواصلة القتال في دارفور وكردفان والنيل الأزرق.

وبحسب ما أوردته «العين الإخبارية»، يأتي هذا الموقف في وقت تتسع فيه المواجهات على أكثر من جبهة، بينما تتزايد كلفة الحرب على المدنيين وتتعثر المبادرات الرامية إلى وقف القتال.

ولا تبدو تصريحات البرهان معزولة عن التحرك الدبلوماسي الذي تقوده واشنطن. فقبل يوم واحد فقط من موقفه الرافض للتفاوض، التقى المستشار الأمريكي للشؤون الأفريقية مسعد بولس بالبرهان خلال لقاء استضافه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في العلمين، وأكد بولس أن الولايات المتحدة تسعى إلى دعم اتفاق إقليمي يتيح هدنة إنسانية ويمهد لحوار سوداني شامل يقود في النهاية إلى انتقال مدني.

وكانت واشنطن قد طرحت خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يومًا يعقبها مسار تفاوضي لإنهاء الحرب واستئناف الانتقال نحو الحكم المدني. إلا أن الخطة واجهت تحفظات من جانب القيادة العسكرية السودانية، إذ حذر مستشار بارز للسلطات التي يقودها الجيش من أن المقترح، بصيغته الحالية، قد يقود إلى تقسيم شبيه بالحالة الليبية، خصوصًا مع استمرار سيطرة قوات الدعم السريع على مساحات واسعة من دارفور.

وتربط «العين الإخبارية» تشدد القيادة العسكرية كذلك بتأثير جماعة الإخوان داخل دوائر القرار، وتنقل عن المحلل السياسي السوداني كمبال عبدالواحد اعتقاده بأن استمرار الحرب يخدم القوى التي تخشى أن تؤدي أي تسوية مدنية حقيقية إلى فقدان نفوذها السياسي.

ويطرح عبدالواحد عامل العدالة الانتقالية باعتباره أحد أسباب التشدد، نظرًا لما يمكن أن تفتحه التسوية من ملفات قانونية وسياسية مرتبطة بالحرب والانتهاكات.

لكن استمرار الخيار العسكري لا يجري من دون كلفة متصاعدة، لأن الحرب التي بدأت في أبريل 2023 أدت إلى سقوط أعداد ضخمة من القتلى والنازحين، فيما تتفاقم الأزمة الإنسانية في مناطق القتال.

وخلال الأيام الأخيرة، تعرضت شاحنات تابعة لبرنامج الأغذية العالمي في جنوب كردفان لهجوم أدى إلى مقتل أحد السائقين، بينما شهدت ولاية النيل الأزرق هجومًا بطائرة مسيرة أدى إلى مقتل مدنيات وإصابة آخرين، وفق تقارير حديثة.

في المقابل، لا تزال القاهرة تدفع باتجاه الحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته، إذ أكد الرئيس المصري خلال لقائه البرهان استمرار الجهود المصرية على المستويين الإقليمي والدولي للوصول إلى حل سياسي وإنهاء الحرب وتخفيف المعاناة الإنسانية.

وتكشف التطورات الأخيرة عن فجوة متزايدة بين مسارين: مسار دبلوماسي يحاول انتزاع هدنة وفتح باب التفاوض، ومسار عسكري يتمسك بالحسم الميداني باعتباره الطريق إلى إنهاء النزاع.

حفريات