آخر الأخبار

توهمات البرهان في "فورين بوليسي"

شارك

د. عبدالمنعم همت

حين يكتب عبد الفتاح البرهان عن السلام في السودان (ولا أعتقد أنه كتب) فهو لا يتحدث من خارج الأزمة ولا من موقع المراقب الذي يصف ما جرى. إنه جزء من تاريخ الأزمة السياسية التي قادت السودان إلى الحرب، ولذلك فإن قراءة ما طرحه عن السلام تحتاج إلى النظر في الفكرة التي تحكم تصوره للدولة، لا إلى الاكتفاء ببنود المبادرة التي عرضها.

في مقاله المنشور في مجلة “فورين بوليسي” طرح البرهان وقفًا دائمًا لإطلاق النار، وإبعاد السلاح عن المناطق المدنية، وقيام جيش وطني واحد تحت إشراف مدني، وحوارًا سودانيًا، ودستورًا جديدًا، وانتخابات حرة. هذه الأفكار تبدو في ظاهرها متماسكة، غير أن المشكلة تبدأ عند الانتقال من الحديث عن شكل الدولة إلى السؤال المتعلق بمن يملك القرار السياسي فيها.

فالبرهان في قلب السلطة منذ سقوط نظام عمر البشير، وتولى قيادة المؤسسة العسكرية خلال المرحلة الانتقالية، ثم قاد في أكتوبر 2021 الانقلاب الذي أنهى الشراكة المدنية العسكرية وأوقف المسار الذي كان يفترض أن يقود إلى سلطة مدنية كاملة. وتصف رويترز ذلك الانقلاب بأنه أحد الأحداث التي عطلت الانتقال المدني، قبل أن يدخل السودان لاحقًا في الحرب في أبريل 2023.

هذه المسؤولية السياسية تجعل حديثه عن استعادة الدولة بحاجة إلى قراءة أكثر دقة. فالدولة التي تحتاج إلى الاستعادة ليست مجرد مؤسسات رسمية تحمل اسم الدولة، ولا حكومة تستند إلى قوة الجيش، في الواقع هي دولة تمتلك شرعية سياسية ومؤسسات دستورية قادرة على إدارة الخلافات بعيدًا عن منطق القوة.

وهنا تظهر العقدة الأساسية في تصور البرهان. فإذا كان الهدف فعلًا هو استعادة الدولة، فإن استعادة الدولة لا تعني استعادة سلطة المؤسسة العسكرية على الدولة. الجيش مؤسسة أساسية في الدولة، والدولة تحتاج إلى جيش وطني قوي، غير أن قوة الجيش لا تمنحه وحده حق تحديد شكل النظام السياسي أو مستقبل البلاد. الدولة الحديثة تقوم على توزيع واضح للسلطات، وعلى خضوع المؤسسة العسكرية للقرار السياسي الذي تنتجه المؤسسات الدستورية.

السلام في السودان لن يتحقق عبر وقف إطلاق النار فقط بل عبر إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوة وجعل القرار السياسي أقوى من السلاح

تكمن المشكلة في السودان في العلاقة بين السلاح والسلطة. كلما أصبحت المؤسسة التي تحمل السلاح قادرة على تحديد من يحكم، ومتى يحكم، وكيف ينتهي الحكم، تحولت الدولة تدريجيًا إلى مساحة تتنافس فيها مراكز القوة على امتلاك القرار. وقد أثبت تاريخ السودان الحديث أن هذه المعادلة لم تنتج استقرارًا دائمًا. الانقلابات العسكرية قطعت مسارات الحكم المدني أكثر من مرة، وكل انقلاب كان يفتح الباب أمام أزمة جديدة.

لذلك فإن الحديث عن جيش واحد يحتاج إلى استكماله بالحديث عن سلطة مدنية واحدة تمتلك القرار السياسي. لا يكفي أن يكون الجيش تحت إشراف مدني في النصوص إذا كانت السلطة المدنية نفسها عاجزة عن ممارسة سلطتها أو خاضعة لإرادة المؤسسة العسكرية. الإشراف المدني الحقيقي يعني أن قرار الحرب والسلام، وتحديد السياسات العامة، وإدارة الموارد، وتحديد شكل المرحلة الانتقالية، كلها مسائل تخضع لمؤسسات سياسية ذات شرعية.

ومن هنا تبدو “رقعة البرهان أوسع من الخرقة”. فهو يريد في الوقت نفسه وقف الحرب، وإعادة بناء الدولة، وترتيب المؤسسة العسكرية، وإطلاق حوار سياسي، وكتابة دستور، والوصول إلى الانتخابات. كل هذه القضايا مترابطة، لكنها لا يمكن أن تنجح إذا جرى تجاوز القضية الأصلية التي ظلت تعطل الحياة السياسية السودانية: من يملك القرار النهائي في الدولة؟

الانتخابات وحدها لا تحل هذه المعضلة. الانتخابات تحتاج إلى دولة مدنية، وقضاء مستقل، وحريات سياسية وإعلامية، وأحزاب قادرة على العمل، ومؤسسات أمنية وعسكرية تقبل بنتائج العملية السياسية. الديمقراطية ليست صندوق اقتراع كما يروّج لها البعض. الديمقراطية أيضًا هي قبول المؤسسة العسكرية بأن السلطة السياسية تتغير عبر القواعد الدستورية لا عبر ميزان القوة.

ولهذا فإن السلام الذي يحتاجه السودان ليس مجرد اتفاق ينهي إطلاق النار. السلام الحقيقي يبدأ عندما يصبح احتكار الدولة للقوة مرتبطًا باحتكار المؤسسات الدستورية للقرار السياسي. عندها فقط يصبح الجيش جيش الدولة، وليس طرفًا في تعريف الدولة. ويصبح الدستور عقدًا سياسيًا يحكم الجميع، لا وثيقة تُستخدم لترتيب العلاقة بين مراكز القوة.

إن السودان يحتاج إلى عملية سياسية تعالج جذور الأزمة منذ سقوط النظام السابق، مرورًا بالمرحلة الانتقالية وانقلاب أكتوبر، وصولًا إلى الحرب وما ترتب عليها. ولا يمكن بناء مستقبل مستقر عبر تجاوز هذه التجربة أو اختزالها في معادلة عسكرية وأمنية. العدالة مطلوبة، والمؤسسات مطلوبة، وإعادة بناء الدولة مطلوبة، لكن الأهم هو إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوة.

في تقديري، القيمة الحقيقية لأي مبادرة سلام سودانية ستتحدد بقدرتها على الإجابة عن سؤال الدولة قبل سؤال السلطة. من يحكم السودان؟ وكيف يحكم؟ وما حدود دور المؤسسة العسكرية؟ ومن يملك قرار الحرب والسلام؟ وكيف تنتقل السلطة من يد إلى أخرى من دون انقلاب أو استخدام للقوة؟

هذه الأسئلة ليست تفاصيل دستورية. إنها جوهر الأزمة السودانية. ولذلك فإن استعادة الدولة لا تعني العودة إلى الدولة التي سبقت الحرب كما كانت، دولة تدور حول نفسها وتعلوها هتافات الخواء. تعني بناء دولة مختلفة في علاقتها بالجيش، وفي علاقتها بالسياسة، وفي قدرتها على حماية المواطن وفرض القانون.

السودان لا يحتاج إلى سلام يعيد إنتاج المعادلة التي قادته إلى أزماته المتكررة. يحتاج إلى سلام تصبح فيه الدولة أقوى من مراكز القوة، والقرار السياسي أقوى من السلاح، والمؤسسة العسكرية جزءًا من الدولة لا بديلًا عنها. عندها فقط يمكن أن يصبح الحديث عن الدستور والانتخابات والسلام انتقالًا حقيقيًا من زمن القوة إلى زمن الدولة.

د. عبدالمنعم همت
العرب

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا