م. عبدالله موسى احمد – باحث
مركز الاستدامة للتنمية والاستنارة
لا يتساوى الناس في القدرة على النجاة من الحروب. فبينما يملك بعضهم المال والعلاقات ووسائل الانتقال، لا يملك الملايين سوى بيوتهم ومصادر رزقهم المحدودة. وهؤلاء دفعتهم حرب السودان، منذ 15 أبريل 2023، إلى النزوح والجوع وفقدان العمل وتفكك الأسرة وانقطاع التعليم وتراجع الخدمات.
فالحرب لم تدمر المدن والأسواق والمصانع فحسب، بل أصابت البنية الاجتماعية وأعادت توزيع الفقر والخوف والنزوح واللجؤ على نطاق واسع.
مجتمع يتغير تحت ازبز البنادق والمدافع والمسيرات والنار، قبل الحرب كانت الأسرة الممتدة والجيرة والعمل والزراعة والتجارة الصغيرة والمدارس والمستشفيات ودور العبادة توفر قدراً من الحماية الاجتماعية. لكن الحرب قطعت كثيراً من هذه الروابط فقد العامل عمله والمزارع أرضه أو القدرة على الوصول إليها وصاحب المتجر رأس ماله والموظف انتظام دخله والطالب مدرسته، بينما تحولت أسر كثيرة إلى نازحة أو لاجئة.
من مواطن منتج إلى إنسان يبحث عن النجاة،
أخطر آثار الحرب أنها نقلت قطاعات واسعة من الإنتاج إلى الاحتياج. فالمواطن الذي كان ينتج غذاءه أو يبيع سلعة أو يقدم خدمة، أصبح ينتظر المساعدة، والأسرة التي اعتمدت على راتب أو دخل يومي باتت تعتمد على تحويلات الأقارب أو السلال الغذائية والمآوي المؤقتة.
النازح ولاجئ ليس رقماً، وراء كل رقم قصةأم تركت منزلها دون معرفة إن كانت ستعود وطفل فقد مدرسته ومزارع غادر حقله في موسم الزراعة وعامل فقد أدوات مهنته وأسرة عبرت الحدود بما استطاعت حمله.
وقد اتسعت أعباء دول الجوار، ومنها مصر وتشاد وجنوب السودان، مع تزايد أعداد الفارين وتراجع الموارد المتاحة للفرد. وهكذا تحولت الأزمة إلى قضية إقليمية تمس المجتمعات المضيفة وأسواق العمل والخدمات والتعليم والصحة.
مسؤولية الداخل والخارج، قدمت الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية مساعدات واسعة رغم المخاطر، لكن الفجوة بين حجم الاحتياجات والموارد المتاحة لا تزال هائلة. وهذا يثير سؤالاً مشروعاً حول ضعف الحضور السياسي والإعلامي والتمويل الإنساني مقارنة بأزمات أخرى.
مع ذلك، لا يمكن تحميل الخارج وحده المسؤولية. فالحرب داخلية قبل أن تكون دولية، وقد أدى الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى تفكيك مؤسسات الدولة وتعطيل الاقتصاد وتوسيع العنف والنزوح واللوجؤ. كما أسهم الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة وفق تقارير أممية، في إطالة أمد الحرب وزيادة قدرتها على إيذاء المدنيين.
لذلك تتوزع المسؤولية بين ضرورة سودانية لإنهاء الحرب وبناء دولة تحمي مواطنيها وضرورة دولية لوقف تدفقات السلاح ودعم المسارين الإنساني والسياسي. ولا ينبغي أن يظل المواطن الحلقة الأضعف بين الطرفين.
ما بعد الحرب إعادة بناء المجتمع، لن تعود الحياة إلى ما كانت عليه في 14 أبريل 2023 بمجرد توقف إطلاق النار. فالسودان سيحتاج إلى إعادة النازحين واللاجئين، وإعادة الأطفال إلى المدارس وإحياء الزراعة والأسواق واستعادة الخدمات الصحية وتعويض أصحاب المشروعات الصغيرة ودمج الشباب وترميم النسيج الاجتماعي.
وتقتضي المرحلة الانتقال من إغاثة الفقير إلى تمكين المواطن وإعادة المزارع إلى أرضه والعامل إلى مهنته وصاحب المشروع إلى نشاطه والطالب إلى مدرسته والأسرة إلى قدرتها على الاعتماد على نفسها.
كشفت حرب 15 أبريل هشاشة الدولة وأوضاع الملايين، وحولت الإنسان المنتج إلى نازح أو لاجئ أو طالب مساعدة. ورغم ما قدمه المجتمع الدولي، لم يتناسب الدعم مع حجم الكارثة.
لكن الخروج من الأزمة لا يكون باستجداء العالم وحده، بل بإنهاء الحرب واستعادة الدولة وإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع على أساس المواطنة والعدالة وتكافؤ الفرص.
فالعامل والمزارع والموظف والطالب والمرأة والطفل ليسوا هامش التاريخ، إنهم السودان نفسه. وتنتهي الحرب فعلاً عندما يستعيد الإنسان السوداني أمنه وقدرته على العيش والإنتاج والحلم، لا حين تصمت البنادق فقط.
المصدر:
الراكوبة