بكري الجاك مدني
لم يعد هنالك شك أن هناك انهيار اقتصادي شامل وان هناك مجاعة تضرب البلاد ويعاني منها الناس جميعا بغض النظر عن مواقفهم السياسية و مواقفهم من الحرب و اثنياتهم و أعراقهم و مواقعهم الجغرافية والاجتماعية و هو أمر مقلق للغاية لكل ذي ضمير حي وهو شأن يجب أن لا يتحول إلى مجرد أداة سياسية لتسجيل النقاط ضد الخصوم السياسيين المتصورين بالاستثمار في معاناة الناس التي بلغت مستوى إنها كارثة حقيقية ماثلة وتتوسع خصوصا مع الفشل المؤكد للمؤسم الزراعي و هذا يعني الندرة والغلاء والمجاعة.
الحقيقة المادية الموضوعية الشاخصة في كل منحي أن استمرار الحرب هو العامل المباشر في استمرار التدهور الاقتصادي و يستحيل في ظل استمرار الحرب أن تكون هناك دورة اقتصادية كاملة حيث يستثمر الناس في الزراعة و تقوم المصانع باستخدام المواد الخام لإنتاج سلع ضرورية وفي نفس الوقت توفر فرص عمل و هكذا، و في ظل اقتصاد الحرب الصيغة التي بدأت تتضح هي ما يمكن تسميته بما بعد الزبائنية Post-Clientelism الزبائية هي تعريف صيغة العلاقة التي بدأت تتطور بين الدولة و المواطنين في حقبة ما بعد الفوردزم Fordism الفوردزم هي مرحلة ال Mass Production أي الإنتاج الوفير و التشغيل الواسع و هي الفترة من بدايات القرن العشرين الي منتصفه قبل أن ندخل في مرحلة ما عرف بالزيائنية وهي فترة نموء اقتصادي كبير شهدت تطور دولة الرعاية الاجتماعية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية قبل أن نصل الي مصاف النيوليبرالية مع ريغان و تاتشر في ثمانينات القرن الماضي.
ها وقد بدأت تتصاعد بعض الأصوات من حارقي البخور و تجادل أن ما يحدث من انهيار اقتصادي شامل هو مؤامرة أخرى ضد الدولة السودانية و أن سلطة الأمل الفاقدة للأمل و العاجزة عن العمل ووزير ماليتها ( الرجل العينه قوية اذ أنه يخضع لعقوبات دولية ويصر أن يعاقب السودانيين) ليس لهم أي مسؤولية حيال ما يحدث من خراب، و الفكرة واضحة هي أن كل فشل هو ليس من صنع الفاعلين الذي يرفضون حقيقة أن الحرب هي السبب المباشر في كل ما يحدث و أنه في ظل استمرارها لا يوجد حل في وديعة دولارية و لا في الوهم الذي ظلت تبيعه ما يسمي بحكومة الأمل.
خلاصة القول يجب أن يتوقع الجميع أن الانهيار الاقتصادي الشامل، وليس تدهور سعر صرف الجنيه وحده، سيستمر بل اعتقد أنه لا قيمة للحديث عن سعر الصرف لأنه سوف لن يمضي وقت طويل قبل أن يتوقف الناس عن الحديث عن الاسعار بالجنية و سيصبح التسعير بالدولار أو بالمقايضة، الخيار الأخلاقي و المنطقي الصحيح هو البحث في سبل إيقاف الحرب وليس الهروب الى الأمام بالبحث عن خارج و مؤامرة خارجية أو حتى اللهث خلف أحد الداعمين الخارجيين في محاور الصراع الإقليمي لتقديم وديعة دولارية فحتى و لو فعلت احدى الدول فهذا سيكون بمثابة وضع لصقة في جرح كبير ينزف و هي مسألة وقت حتى تصبح كل هذه الحيل لا قيمة لها و هو ما قلنا به من قبل أن الواقع المادي من ضنك و جوع و فقر سيهزم أدوات الحرب الموازية، فهل يمكن أن تكون معاناة الناس التي بلغت ذروتها سببا في تفكير جدي في إيقاف الحرب قبل أن يكون الموتي بالملايين و أن تتحول الناس الي كلاب ضالة تقتل بعضها البعض في سبيل لقمة العيش؟
فالانتصار الذي يتحدث عنه البعض كغاية حين يأتي تكون البلاد محض قبور، هنالك فرصة لانهاء هذه المعاناة و هي واضحة وتتمثل بالقبول بالهدنة الإنسانية المطروحة.
المصدر:
الراكوبة