آخر الأخبار

السودان يضغط على الحسابات الأمنية المصرية

شارك

استمرار النزاع دون أفق للحل يهدد الأمن القومي المصري
الخرطوم – لم تعد الحرب في السودان مجرد أزمة تدور في دولة مجاورة بالنسبة إلى مصر، بل تحولت مع دخولها عامها الرابع إلى اختبار متصاعد لحسابات الأمن القومي المصري. فالقاهرة التي تكرر تمسكها بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، تنظر إلى استمرار الصراع باعتباره خطراً يتجاوز حدود الدولة السودانية، ويهدد بإنتاج فراغ استراتيجي جديد على امتداد حدودها الجنوبية.

وتأتي هذه المخاوف في وقت تشهد فيه الأزمة تحركات دولية متسارعة. فالولايات المتحدة كثفت خلال الأيام الأخيرة ضغوطها على طرفي الحرب، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، للدفع نحو هدنة إنسانية ومسار سياسي جديد، بالتوازي مع تحرك أميركي داخل مجلس الأمن لتوسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان، مع إدراج الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها.

في قلب المقاربة المصرية يقف هاجس واضح: منع تحول الحرب إلى مقدمة لتفكك الدولة السودانية. فالقاهرة تؤكد أن أي تسوية سياسية يجب أن تحافظ على سيادة السودان ووحدته ومؤسساته، مع التشديد على احترام الملكية السودانية للحل السياسي وعدم فرض ترتيبات من الخارج.

ولا يبدو هذا الموقف مجرد إعلان دبلوماسي تقليدي. فمصر تدرك أن انهيار السلطة المركزية في السودان، أو تثبيت واقع تعدد الكيانات ومناطق النفوذ، سيخلق بيئة أمنية مختلفة تماماً على حدودها الجنوبية.

فالدول التي تستنزفها الحروب الطويلة لا تواجه فقط خطر الانقسام السياسي، بل تصبح أراضيها أكثر عرضة لانتشار الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والاقتصاد غير الرسمي، فضلاً عن تحولها إلى ساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي والدولي.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يشغل القاهرة لم يعد مقتصراً على كيفية وقف المعارك، بل يمتد إلى شكل السودان الذي سيخرج من الحرب. فوجود دولة موحدة تمتلك مؤسسات مركزية قادرة على إدارة أراضيها وضبط حدودها يمثل، من المنظور المصري، الضمانة الأكثر أهمية لاستقرار الجنوب.

بينما تدفع واشنطن نحو تشديد العقوبات، تتمسك القاهرة بوحدة الدولة السودانية، في معادلة تجعل أمن الجار الجنوبي جزءاً مباشراً من حسابات الأمن القومي المصري.

التحرك الأميركي الأخير يضيف طبقة جديدة إلى تعقيدات المشهد. فقد دعت واشنطن إلى تشديد العقوبات والحد من الدعم العسكري والمالي الخارجي للأطراف المتحاربة، معتبرة أن تدفق الأسلحة والمسيّرات يسهم في إطالة أمد الصراع ويقوض فرص الوساطة.

ويأتي ذلك بينما لا تزال المعارك والغارات بالطائرات المسيّرة مستمرة في أكثر من منطقة، خصوصاً في كردفان ودارفور ومناطق أخرى، ما يؤكد أن المسار العسكري لا يزال حاضراً بقوة رغم تصاعد الدعوات الدولية إلى التهدئة.

وتضع هذه التطورات مصر أمام معادلة دقيقة. فالقاهرة جزء من اللجنة الرباعية التي تضم أيضاً الولايات المتحدة والسعودية والإمارات، والتي طرحت خريطة طريق تقوم على هدنة إنسانية تفتح الباب أمام عملية سياسية ومرحلة انتقالية جديدة. غير أن نجاح أي مسار من هذا النوع يظل مرهوناً بقدرته على وقف الحرب من دون إنتاج ترتيبات تؤسس لانقسام دائم داخل الدولة السودانية.

هنا تحديداً تتجاوز المقاربة المصرية دور الوسيط التقليدي. فالقاهرة ليست طرفاً بعيداً عن نتائج التسوية، بل تمتلك مصلحة مباشرة في منع انهيار السودان والحفاظ على استقراره.

ويعني استمرار الحرب مزيداً من الضغوط الإنسانية والاقتصادية والأمنية، في وقت تتضرر فيه البنية التحتية السودانية بصورة متزايدة. وتشهد مناطق خاضعة لسيطرة الجيش أزمات حادة في الكهرباء والخدمات بعد تضرر منشآت الطاقة، ما يعكس حجم الدمار الذي ستواجهه أي عملية لإعادة بناء الدولة بعد توقف القتال.

وكلما طال أمد الحرب، أصبحت مهمة إعادة توحيد المؤسسات أكثر صعوبة، وارتفعت احتمالات أن تتحول خطوط التماس العسكرية إلى حدود سياسية واقعية.

لهذا، يبدو السودان اليوم واحداً من أكثر الملفات حساسية في حسابات القاهرة الإقليمية. فمصر تواجه بيئة مضطربة تمتد من غزة والبحر الأحمر إلى القرن الإفريقي وليبيا، ما يجعل استقرار حدودها الجنوبية ضرورة استراتيجية لا تحتمل مزيداً من التأجيل.

ولا يتعلق الرهان المصري بمن سيحقق الغلبة العسكرية، بقدر ما يتعلق بمنع الحرب من إنتاج دولة ضعيفة ومجزأة، تتنافس على أراضيها القوى المسلحة والنفوذ الخارجي.

وبينما تضغط واشنطن لتشديد العقوبات وفرض قيود أوسع على تدفق السلاح، تتمسك القاهرة بأن الطريق إلى الاستقرار يبدأ بحل سياسي شامل يحفظ وحدة السودان وسيادته ومؤسساته.

وفي هذه المعادلة، تتحول الأزمة السودانية من ملف خارجي إلى قضية أمن قومي مباشرة. فبالنسبة إلى القاهرة، لم يعد استقرار السودان مجرد مصلحة لجار شقيق، بل بات جزءاً من خطوط الدفاع الاستراتيجية لمصر، حيث يبدأ أمنها القومي، في جانب مهم منه، من الجنوب.

العرب

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا