آخر الأخبار

مجلس الأمن يدق ناقوس الخطر: التعليم في السودان “قنبلة موقوتة” تهدد السلم الدولي

شارك

تقرير: إسماعيل حسابو
في خطوة تعكس تحولاً لافتاً في تعاطي المجتمع الدولي مع الأزمة السودانية، عقد مجلس الأمن الدولي، الجمعة 7 أغسطس، جلسة استثنائية تحت عنوان: «حماية التعليم في السودان: الاستثمار في السلام والتعافي والاستقرار»، وسط تحذيرات أممية غير مسبوقة من أن انهيار المنظومة التعليمية لم يعد مجرد أزمة خدمية، بل بات يشكل تهديداً مباشراً للسلم والأمن الدوليين.
الجلسة التي حظيت باهتمام دبلوماسي واسع، نُظمت بمبادرة من الصومال وبالتعاون مع جمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا.
وهدفت إلى كسر جمود الدعم الدولي، وتوفير الاستجابة العاجلة للتدمير الممنهج الذي يطال مستقبل جيل كامل في السودان جراء الحرب المستمرة منذ 1210 أيام.
وفي مقال تحليلي نشره بالتزامن مع انعقاد الجلسة، أكد الخبير التربوي والممثل السابق لليونيسف، د. حامد البشير إبراهيم، أن طرح الملف أمام مجلس الأمن يحمل دلالة سياسية وإنسانية عميقة تعكس إدراك المجتمع الدولي أن التعليم تحول إلى قضية أمن قومي ذات آثار كبيرة على كيان الدولة السودانية، مشيراً إلى أن انهيار المنظومة التعليمية أضحى يُصنّف كالمُهدّد الأكبر للسلام والاستقرار والوحدة الوطنية في البلاد.
وهو ما يُعزّزه الكاتب والصحفي عثمان فضل الله، في تصريح خاص لـ «مداميك»، بإشارته إلى أن التعليم في سودان ما بعد الحرب تحوّل إلى ملف سياسي استخدمته الأطراف كسلاح، مؤكداً أن الجلسة تحمل قيمة تجاوزت البُعد الإنساني، لأنها: “تضع انهيار التعليم ضمن تداعيات الحرب التي تمس مستقبل الدولة واستقرارها.
فتعطّل المدارس والجامعات وحرمان ملايين الأطفال من التعليم يهدد بإنتاج جيل كامل خارج العملية التعليمية، بما يفاقم مخاطر الفقر والتجنيد والعنف ويعقّد عملية بناء السلام.”
ويضيف فضل الله لـ «مداميك»: “لكن أهمية الجلسة ستظل محدودة إذا بقيت في إطار النقاش وتبادل المواقف؛ فالجلسة غير الرسمية لا تنتج قرارات ملزمة، بينما يمكن أن تصبح مخرجاتها مؤثرة إذا تحولت إلى مسار رسمي داخل المجلس، عبر إدراج حماية التعليم في قرارات السودان، ومراقبة استهداف المدارس، ومنع استخدامها أو استهدافها عسكرياً، وربط إعادة بناء القطاع التعليمي ببرامج التعافي وإعادة الإعمار.
وتتوقف هذه الخطوة على قدرة الدول الداعمة للملف على تحويل النقاش إلى ضغط سياسي وآليات متابعة وتمويل..
لذا، فإن القيمة الحقيقية للجلسة ليست فيما قيل فيها، بل فيما إذا كانت ستفتح مساراً دولياً مستداماً لحماية مستقبل جيل الحرب.”
أبعادٌ سِياسيّة
وفي تحليل أعمق لأبعاد هذه الخطوة الأممية، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة إفريقيا العالمية، د. محمد خليفة صديق، في حديث لـ «مداميك» أن نقل أزمة التعليم إلى مجلس الأمن يحمل قيمة سياسية تتجاوز الطابع الإغاثي، لكونها تُرسخ رسالة مفادها أن الحرب تُمثل تهديداً مباشراً لرأس المال البشري للدولة السودانية لعقود قادمة.
ويُحدد صديق القيمة السياسية للخطوة في عدة أبعاد جوهرية، تبدأ بتحويل الملف من بُعده الإنساني التقليدي إلى قضية أمن وسلم؛ كما تُسهم هذه الخطوة في وضع مرتكبي الانتهاكات أمام مسؤولية دولية عبر جعل الاعتداءات على المدارس واستخدامها عسكرياً تحت منظار المحاسبة، فضلاً عن دورها في الضغط باتجاه وقف الحرب نفسها، إذ لا يمكن معالجة أزمة التعليم جذرياً دون وقف النزاع والإمدادات العسكرية، ضماناً لاستمرار العملية التعليمية.
ونبّه أستاذ العلوم السياسية إلى أن القيمة الحقيقية للجلسة تظل مرهونة بما بعدها؛ عبر تحويل النقاش إلى إجراءات ملزمة تضغط لحماية المؤسسات التعليمية وتوفر تمويلاً مستداماً غير مشروط.
ويختتم د. محمد خليفة صديق بالتحذير من تحول الانقطاع التعليمي إلى خسارة دائمة لجيل كامل، مؤكداً: “السودان بعد الحرب لن يحتاج فقط إلى إعادة بناء المدارس المدمّرة، بل إلى إعادة بناء الإنسان نفسه.
فالتحدي الحقيقي القائم أمام الحكومة السودانية اليوم هو مدى قدرتها على تحويل هذا الاهتمام الدولي بالتعليم إلى أجندة وطنية ودولية لإعادة بناء القطاع، بدلاً من ترك الملف رهيناً للاستجابة الإنسانية الطارئة”.
صرخة أممية
في كلمتها الافتتاحية أمام المجلس، رسمت نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، أمينة محمد، صورة قاتمة للوضع الإنساني، مؤكدة أن النزاع المستمر حوّل أكثر من نصف سكان السودان (نحو 33 مليون شخص) إلى معتمدين بشكل كامل على المساعدات الإنسانية.
وقالت المسؤولة الأممية: “إن هذه الحرب لا تدمر البنى التحتية فحسب، بل تسرق مستقبل السودان جهاراً بحرمان ملايين الأطفال من حقهم الأساسي في التعليم، وهو ما يغذي حلقة مفرغة من الفقر والنزاع.”
من جانبهما، قدمت كل من حنان سليمان، نائبة المدير التنفيذي لمنظمة “اليونيسف”، وليزا تشونغ بيندر، المديرة التنفيذية للتحالف العالمي لحماية التعليم إحاطتين مدعمتين بالأرقام حول حجم الكارثة.
وأشار التقرير المشترك إلى أن السودان يمر حالياً بأكبر حالة طوارئ تعليمية في العالم، حيث تعطلت الدراسة لقرابة 17 مليون طفل، من بينهم 8 ملايين انقطعوا عن التعليم بشكل كلي ويواجهون مجهولاً معقداً.
من فصول علم إلى ثكنات
لم تكن الأرقام المتعلقة بالبنية التحتية أقل خطورة؛ إذ كشفت الإحاطات أن نحو نصف مدارس السودان (ما يتجاوز 10,400 مدرسة) خرجت تماماً عن الخدمة.
وتوزعت الأسباب بين التدمير الكلي جراء القصف العسكري، أو تحول المئات منها إلى مراكز إيواء مؤقتة تكتظ بملايين النازحين الذين فروا من ويلات المعارك.
والأخطر من ذلك، بحسب تقرير التحالف الدولي، هو رصد حالات استغلال عسكري مباشر للمنشآت التعليمية من قبل أطراف النزاع، وتحويلها إلى ثكنات أو مراكز اعتقال، في انتهاك صارخ للقوانين الإنسانية الدولية والمواثيق التي تُجرّم استهداف المؤسسات المدنية.
ضريبة غياب المدارس
وحذر المشاركون في الجلسة من أن بقاء ملايين الأطفال خارج أسوار المدارس يجعلهم عرضة لانتهاكات مباشرة.
وتأتي في مقدمة هذه المخاطر ظاهرة التجنيد القسري للأطفال واستغلالهم من قبل الجماعات المسلحة، إلى جانب ارتفاع معدلات عمالة الأطفال الشاقة، وزواج القاصرات بين الفتيات النازحات كآلية دفاع اقتصادي تلجأ إليها الأسر المنهكة.
وفي مقاله، نبه د. حامد البشير إلى أن الخطر لم يعد مقتصراً على ضياع عام دراسي أو عامين، بل أصبح يهدد جيلًا كاملًا يشاركه رحلة التيه معلموه الذين تشردوا بفعل الحرب والتضخم الحاد، مشيراً إلى التراجع الحاد في القيمة الشرائية لمرتبات المعلمين التي أصبحت لا تتعدى 15 إلى 30 دولاراً شهرياً، مما يجعل استدامة عطائهم المهني شبه مستحيلة ويفتح الأبواب أمام دوامات العنف والتطرف.
خارطة طريق دولية
وفي ختام الجلسة، توافق أعضاء مجلس الأمن والشركاء الدوليون على خطة عمل عاجلة تتألف من عدة محاور أساسية لإنقاذ القطاع التعليمي؛ حيث شملت التوصيات ضرورة تفعيل إعلان المدارس الآمنة عبر ضمان إخلاء المنشآت التعليمية من كافة أشكال الاستخدام العسكري وتوفير الحماية اللازمة لها، إلى جانب الإسراع في تمويل بدائل التعليم العاجلة من خلال ضخ الموارد المالية لصندوق “التعليم لا ينتظر” لتأمين مساحات تعلم بديلة.
كما نصت المخرجات على تأسيس صندوق طوارئ مخصص لصرف مستحقات المعلمين بشكل منتظم لضمان صمودهم، مع التأكيد على الربط الاستراتيجي بين فتح المدارس وحماية الأطفال، باعتبار التعليم خط الدفاع الأول والأساسي لوقايتهم من مخاطر الاستغلال والتجنيد القسري.
وتقاطعت مخرجات الجلسة الأممية مع الرؤية التي طرحها د. حامد البشير في مقاله، والتي شدد فيها على أن المطلوب عملياً لا يقتصر على عرض حجم المأساة، بل تقديم دعم مالي وفني عاجل لإعادة تشغيل المؤسسات التعليمية، وتأمين الامتحانات الوطنية لجميع الطلاب داخل السودان وخارجه، باعتبار أن الاستثمار في التعليم يظل الطريق الأقصر لبناء السلام والتعافي المجتمعي.
ما بَعد القَلَقِ الأممي
ومن جانبها، رحبت لجنة المعلمين السودانيين في بيان صحفي أصدرته عقب الجلسة بوضع التعليم داخل إطار الحماية وحقوق الإنسان وقضايا السلم، مؤكدة أن انتقاله إلى طاولة النقاش الدولي خطوة مفصلية، لكنها شددت على ضرورة تجاوز التوصيف وإبداء القلق إلى إجراءات عملية والتزامات واضحة وآليات متابعة ومساءلة.
وطالبت اللجنة بإدراج حماية التعليم والمعلمين صراحة ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار والهدن السياسية، مع الإسراع في إخلاء المدارس من المظاهر العسكرية، وضمان حقوق الكوادر التعليمية النازحة، إضافة إلى اعتماد تدابير مرنة تحمي حق جميع الطلاب في الوصول إلى امتحانات وطنية موحدة تمنع تشكيل واقع تعليمي موازٍ يعمق الانقسام الوطني.
دبلوماسية تعليمية
من جانبه، يرى المعلم، أحمد إسحق، أن تخصيص مجلس الأمن جلسة لهذه الأزمة يُمثّل نقطة تحوّل مفصلية، مؤكداً أن إدراج ملف التعليم السوداني في أجندة مجلس الأمن لا ينبغي أن يُقرأ كمجرد تضامن إنساني تقليدي، بل هو اعتراف دولي صريح بأن ما يشهده السودان هو تجريف مادي ومعنوي لرأس المال البشري سيخلق فجوة جيلية تعوق أي محاولات مستقبليّة لإعادة الإعمار.
واعتبر إسحق أن المحك الحقيقي للمجتمع الدولي اليوم لا يكمن في تنظيم الجلسات ولا في حجم القلق المُعلن، بل في القدرة على إبتداع “دبلوماسية تعليمية” عاجلة تبتكر آليات تمويل مرنة تصل مباشرة إلى المعلم والطالب.
وأضاف قائلاً: إن ترك ملايين الأطفال بلا مدارس هو بمثابة تفخيخ بطيء لمستقبل المنطقة، فالتعليم في ظروف الحرب ليس رفاهية مؤجلة، بل هو طوق النجاة الأخير للنسيج المجتمعي.

مداميك

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا