تتجه الأزمة السودانية مع ختام شهر يوليو 2026 نحو مرحلة أشد خطورة وتعارضاً مع الجهود الدبلوماسية، مع دخول الحرب عامها الرابع واصطدام مسارات التسوية الدولية برفض متصاعد من القوى السياسية والعسكرية النافذة في العاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان.
ورغم المبادرات الدولية الرامية لفرض هدن طويلة الأجل وتأمين الممرات الإنسانية، تشير الوقائع الميدانية والسياسية إلى أن الحرب طورت ديناميكيات ذاتية تجعل من وقفها معضلة معقدة تتجاوز مجرد إرادة طرفي النزاع المباشرين.
وتتزامن هذه التطورات مع اشتداد حدة المعارك في محاور كردفان ودارفور، وتوسع الاعتماد على تكنولوجيا الطائرات المسيرة والقصف المدفعي مكثف النطاق، مما يرسخ وضعاً ميدانياً شديد السيولة يمنع أي طرف من حسم الصراع عسكرياً، بينما يرفع تكلفة السلام السياسي إلى مستويات يراها طرفا الصراع تهديداً لمستقبلهما ووجودهما في معادلة السلطة.
عقدة الشرعية والسيادة
تقف المقاربات الدولية المنادية بتثبيت خطوط التماس وإعادة تشغيل المعابر الحدودية تحت إشراف أممي أمام حائط سد يتمثل في مفهوم “حماية السيادة الوطنية” الذي تتبناه الحكومة والمؤسسة العسكرية في بورتسودان. وتعتبر القيادة الرسمية أن التعامل الدولي المساوق لواقع السيطرة الميدانية يمثل “شرعنة ضمنية” لقوات الدعم السريع، ومحاولة لتفتيت البلاد إلى مناطق نفوذ قائمة على الأمر الواقع.
وفي هذا السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية، الدكتور أحمد الباهي، أن الأزمة التأسيسية للمبادرات المطروحة تكمن في قراءتها السطحية لطبيعة الدولة السودانية، مشيراً إلى أن الحلول التي تحاول فرض معادلات صفربة تزيد من أمد الحرب بدلاً من إنهائها.
وأضاف لـ”الراكوبة أن “المبادرات الدولية الحالية تتعامل مع المشهد السوداني بمنطق تبسيطي يغفل فلسفة البقاء لدى مؤسسات الدولة”.
وقال إن المقترحات التي تنص على توزيع الإشراف على المعابر ومناطق النفوذ تُقرأ في بورتسودان على أنها توطئة لتفكيك الدولة وسلبها حقها السيادي النظري. هذا التوجس يدفع القيادة العسكرية والتحالفات الشعبية الداعمة لها إلى التمسك بخيار الاستمرار في الحرب كأداة وحيدة لمنع فرض تسوية تُفرغ مفهوم الدولة من مضمونه، مما يجعل تكلفة خوض المعركة أقل بكثير في نظرهم من تقديم تنازلات سياسية تُنهي وجودهم القانوني والسياسي.”
إلى جانب البعد السياسي، تكشف القراءة الميدانية عن نمو اقتصاد حرب متكامل يستفيد منه قادة ميدانيون وشبكات تحالفات عرقية ومحلية نشأت على هامش الصراع.
وأدى طول أمد القتال إلى انتقال مركز الثقل المالي والعسكري من قيادات المركز إلى القادة الميدانيين على الأرض، الذين باتوا يسيطرون على مسارات التجارة غير الرسمية ونقاط التحصيل الجمركي الموازية.
ويوضح الخبير السياسي والمحلل الاستراتيجي، الدكتور الفاضل نصر، أن الحرب اكتسبت قدرة على التغذية الذاتية، بحيث لم يعد قرار إنهائها حصرياً في يد القيادات العسكرية العليا.
وتابع في حديث لـالراكوبة”: “لقد عبرت الحرب السودانية نقطة اللاعودة فيما يتعلق بالسيطرة المركزية. اليوم، نحن أمام اقتصاد موازي يقوده أمراء الحرب في مختلف الولايات، حيث تحولت السيطرة على البوابات والمعابر ومناطق التعدين إلى بيزنس قائم بذاته يدر أموالاً ضخمة خارج النظام المصرفي”.
ورأى أن أي اتفاق سلام مرتقب يهدد بتجريد هؤلاء الفاعلين الميدانيين من مكتسباتهم المالية وسلطتهم المحلية، ولذلك يمارسون ضغوطاً ميدانية متواصلة لإفشال كل جولات التفاوض. مضيفاً أن الجيوش قد تملك قرار بدء الحروب، ولكن الميليشيات وشبكات المصالح هي التي تملك قرار إدمان استمرارها.
ومع ذلك، تؤكد المعطيات في ختام شهر يوليو أن المبادرات الدولية والإقليمية لا تزال تفتقر إلى أدوات الضغط الحقيقية القادرة على تغيير حسابات الربح والخسارة لدى الأطراف المتصارعة. ومع استمرار تدفق السلاح النوعي وتقاطع المصالح الإقليمية في المساحة السودانية، تظل الهدن المقترحة مجرد استراحات محارب يستغلها كل طرف لإعادة ترتيب صفوفه وتعديل موازين القوى على الأرض.
ويهدد استمرار الوضع الراهن بتحويل السودان إلى نموذج للحرب الأهلية المزمنة، حيث تتلاشى فرص الحل السياسي الشامل لصالح صراعات محلية متفرقة، تتغذى على الاستقطاب الاجتماعي وتفتيت البنية الاقتصادية، مما يجعل حسم الأزمة عبر المسارات التقليدية أمراً خارج حسابات الواقع المنظور.
المصدر:
الراكوبة