آخر الأخبار

شريان الذهب والدم: تشريح «السيادة المجزأة» في السودان تحت الظل المصري

شارك

القاهرة/ بورتسودان: الراكوبة

في قلب العاصمة المصرية القاهرة، وعلى بعد مئات الكيلومترات من خطوط النار المشتعلة في السودان، تُدار إحدى أكثر ملفات حرب السودان تعقيداً.

وتحت سطح الشعارات الدبلوماسية المصرية المعلنة الداعية إلى “وقف إطلاق النار” و”حفظ مؤسسات الدولة السودانية”، تشير تقارير وشواهد ميدانية واقتصادية إلى معادلة أكثر عمقاً: اقتصاد موازٍ ترسمه خطوط سلاسل إمداد الذهب، ونفوذ عسكري يمتد لتشكيل خريطة “السيادة المجزأة” على أرض السودان.

يكشف هذا التحقيق الاستقصائي كيف تحول الذهب والروابط العسكرية التاريخية إلى الشريان الحقيقي الذي يغذي الصراع، وكيف تؤثر الحسابات الجيوستراتيجية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على قرارات رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان.

شريان الذهب

في الوقت الذي تعاني فيه الخرطوم من انهيار بنيتها الاقتصادية والإنتاجية، استمر تدفق المعدن الأصفر عبر الحدود الشمالية للسودان.

وفقاً لتقارير اقتصادية واستقصائية متخصصة، وتحليل بيانات حركة التبادل التجاري وتهريب الموارد، أظهرت الأرقام ارتفاعاً قياسياً في حجم الذهب السوداني المصدّر أو المهرب إلى الأسواق المصرية منذ اندلاع حرب منتصف أبريل 2023.

وتُظهر البيانات أن مناطق سيطرة الجيش السوداني في الشمال والشرق أصبحت المنفذ الرئيسي لتصدير الذهب، حيث يمثل هذا المعدن المورد الأساسي للعملة الصعبة التي تُستخدم لتأمين سلاسل الإمداد، شراء الوقود، وتغطية المجهود الحربي، مقابل تسهيلات تجارية ولوجستية عبر الحدود المصرية.

لا يقف الذهب عند كونه مجرد سلعة تجارية، بل يتحول إلى “عملة سيادية” تُستغل لتثبيت أركان السلطة العسكرية في بورتسودان، ومساندة اقتصاد الجوار الذي يعاني هو الآخر من ضغوط التضخم والبحث عن السيولة الأجنبية.

وتمنح الحكومة المصرية تسهيلات عديدة لتجار يقومون بنقل الذهب السوداني إلى مصر وهو ما أدى إلى ارتفاع احتياطي الذهب لدى البنك المركزي المصري ليصل إلى قرابة 130 طناً (نحو 4.16 مليون أونصة)، مدعوماً بزيادة المشتريات حيث قفزت قيمة أرصدة الذهب ضمن الاحتياطي الأجنبي متجاوزة 20 مليار دولار وفق تقارير رسمية للبنك.

في المقابل، هناك حزمة من التحركات الميدانية مترافقة مع تطورات أمنية متصاعدة على الشريط الحدودي المتاخم لولاية البحر الأحمر، حيث برزت حادثة استهداف المعدّنين التقليديين في منطقتي جبل “العقيدات” وجبل “الأحمر” كمؤشر خطير على طبيعة الصراع على الموارد، إذ تعرضت مواقع التنقيب الأهلية وقرى المعدّنين لقصف جوي وبالمسيّرات اتهم فيه أهالي المنطقة القوات المصرية، ما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا وتدمير للمرافق الخدمية البسيطة ونقل الجرحى إلى نقاط إسعاف بدائية كـ “نقطة الأنصاري”.

ويرى مراقبون أن عمليات القصف والطرد المباشر للمعدّنين الأفراد (“الدهّابة”) لم تكن مجرد إجراءات أمنية عابرة، بل جاءت ضمن إستراتيجية تهدف إلى تفريغ تلك المناطق الحدودية الحساسة وإحكام السيطرة عليها، وذلك لإفساد خطوط التنقيب العشوائي، وإعادة رسم وتأمين المربعات التعدينية الغنية بالذهب لصالح ترتيبات استثمارية وأمنية تضمن تدفق الموارد وتأمين الحدود الممتدة عبر جبال الصحراء الشرقية والبحر الأحمر.

وفي ظل هذا التصعيد، اضطر آلاف العمال السودانيين للفرار جنوباً نحو الداخل، تاركين خلفهم معداتهم وأرزاقهم تحت وطأة التهديد المباشر، وسط حالة من السخط الشعبي والمطالبات المستمرة لحكومة بورتسودان بالتوضيح وحماية مواطنيها؛ مما يعكس عمق الأزمة التي يتعرض لها المواطن البسيط الذي بات يدفّع ثمن الصراعات التكتيكية وتقاطع مصالح النفوذ العسكري والاقتصادي في المنطقة.

وفي أعقاب حادثة القصف الجوي التي استهدفت المنقبين قرب “نقطة الأنصاري” ومناطق التعدين الحدودية، جاء حديث رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، خلال زيارته لمنطقة “الرتج” على الحدود السودانية المصرية، ليزيد من حالة الجدل المحتدمة؛ حيث تحاشى البرهان توجيه اتهام مباشر للجانب المصري، مكتفياً بالدعوة للتحقيق والتحري لمعرفة التفاصيل.

وفي رسالة وجهها للمواطنين، حثّ البرهان المنقبين السودانيين على الالتزام بالحدود الرسمية وعدم تجاوزها نحو أرض الجار الشمالي لتجنب المشاكل، مشدداً على أن الدولة هي المعنية بإدارة ملف الحدود ومتابعة قضايا مواطنيها.

وقد أثارت هذه التصريحات موجة واسعة من السخط والتردد في الشارع والوسط السياسي السوداني؛ إذ اعتبرها مراقبون وقوى مدنية محاولة لتبرئة الجانب المصري وتمييع القضية وتجنب صدام دبلوماسي مع القاهرة لحماية التحالف السياسي والعسكري بينهما، بينما يُترك المواطن السوداني والمعدّنون التقليديون في مواجهة المخاطر دون حماية أو غطاء رسمي.

التابع المحاصر

تقاطعت المصالح بين القيادتين العسكريتين عقب الثورة، حيث تشير القراءات السياسية إلى أن القاهرة قدمت غطاءً دبلوماسياً وسياسياً للخطوات التي اتخذها الجيش السوداني لتهميش المكون المدني (قوى الحرية والتغيير)، وصولاً إلى قرارات 25 أكتوبر 2021 التي أنهت الشراكة بين المدنيين والعسكريين، وأجهضت مسار التحول الديمقراطي للثورة.

وتتجاوز العلاقة بين عبد الفتاح السيسي وعبد الفتاح البرهان أطر العلاقات الدبلوماسية التقليدية إلى مستوى التأثير المباشر وتطابق الخلفيات العسكرية.

ويسعى السيسي لضمان بقاء البرهان على سدة الحكم في السودان لتحقيق جملة من الأهداف المصرية في مقدمتها استمرار تدفق الموارد السودانية لتغذية الدولة المصرية التي تفتقر للموارد وضمان المصالح المائية المصرية بجانب السيطرة على القرار في المنطقة وتغذية المعارضة الداخلية بالدول التي تهدد المصالح المصرية في نهر النيل مثل إثيوبيا كما يرى مراقبين.

أيضاً تعمل القاهرة كصوت للجيش السوداني في المحافل الإقليمية (الاتحاد الأفريقي) والدولية، محاولة شرعنة سلطة البرهان باعتباره الممثل الشرعي الوحيد للدولة، ضد قوى الدعم السريع.

في حين، كشفت تقارير غربية وميدانية عن تقديم مصر تدريبات ومعلومات استخباراتية، فضلاً عن تسهيلات صيانة المعدات العسكرية لإنعاش سلاح الجو السوداني الذي يمثل الورقة الرابحة للجيش في مواجهة التمدد السريع لقوات الدعم السريع.

ويظهر تأثير القاهرة في تشكيل مواقف البرهان من المبادرات الدولية؛ حيث تميل القرارات السودانية للشد والجذب بناءً على مدى توافقها مع الرؤية المصرية التي ترفض أي تسوية قد تُبقي على “الدعم السريع” ككيان موازٍ أو تمنح القوى المدنية اليد العليا.

أدت هذه التوازنات إلى خلق ما يمكن وصفه بـ “السيادة المجزأة”؛ حيث لم تعد الدولة السودانية تسيطر على إقليمها بشكل موحد، بل انقسمت البلاد إلى مناطق نفوذ حيث في شمال وشرق السودان يخضع لسيطرة الجيش بدعم مصري مباشر، ويعتمد اقتصادياً على شريان الذهب والتبادل التجاري الشمالي.

أما في غرب ووسط السودان تخضع أجزاء واسعة منه لقوات الدعم السريع المدعومة من أطراف إقليمية أخرى.

وبينما تُصاغ التحالفات خلف الأبواب المغلقة وتتدفق شحنات الذهب عبر الحدود، يدفع الشعب السوداني ثمن تحول أرضه إلى مسرح لصراع النفوذ. إن الرهان المصري على دعم العسكر لإعادة إنتاج نظام استقرار تقوده المؤسسة العسكرية لم يحقق الأمان المرجو على الحدود الجنوبية، بل ساهم في تعميق أزمة حرب الاستنزاف الممتدة، لتظل ثورة ديسمبر ضحية معادلة جيوستراتيجية تُفضل “الأمن المصنوع” على حساب تطلعات الشعوب في الحرية والكرامة.

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا