“الكوادر الطبية تعيش وضعاً مأساوياً، في حين أن الكثير من الأطباء والممرضين غادروا البلاد أو اضطروا لترك العمل بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية، ومن تبقى يعمل في ظروف ضغط نفسي وجسدي هائل من دون دعم حقيقي”.
تصاعدت الإصابات الوبائية في السودان بصورة مخيفة، مما يكشف تردي النظام الصحي نتيجة الحرب المندلعة في البلاد لأكثر من ثلاثة أعوام، وما صاحبها من موجات نزوح كبيرة، وسط تحذيرات من تفشٍ أوسع يهدد بكارثة صحية وشيكة مع غياب الاستجابة الفعالة.
ففي غضون أسبوع واحد فقط، أعلنت وزارة الصحة السودانية تسجيل 132 إصابة بالتهاب الكبد الوبائي في ولايتي الجزيرة والنيل الأزرق، إضافة إلى سبع حالات كوليرا في غرب كردفان وأربع إصابات بضربات الشمس في معبر أرقين الحدودي مع مصر، فيما سجلت البلاد 143 حالة حمى ضنك، في ضوء مؤشرات على تراجع محدود في انتشارها.
هذه الأرقام، على رغم تباينها، تعكس واقعاً صحياً متدهوراً، تتقاطع فيه الأزمات الوبائية مع انهيار البنية التحتية ونقص الكوادر وغياب الاستجابة الفعالة.
قال اختصاصي الصحة العامة محمد عبد الرحيم “ما نشهده الآن ليس مجرد زيادة طبيعية في معدلات الأمراض، بل هو انعكاس مباشر لانهيار منظومة الوقاية بالكامل. فالتهاب الكبد الوبائي، على سبيل المثال، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجودة المياه وسلامة الغذاء، وعندما نتحدث عن مناطق نزوح تفتقر إلى مصادر مياه نظيفة أو تخضع لرقابة صحية، فإننا أمام بيئة مثالية لانتشار المرض”. وتابع عبد الرحيم “المشكلة لا تتوقف عند حدود العدوى نفسها، بل تمتد إلى ضعف القدرة على التشخيص المبكر. فكثير من الحالات لا يجري اكتشافها إلا بعد تفاقم الأعراض، بسبب نقص الفحوصات أو عدم توافر الكوادر المدربة”. وأردف “أما بالنسبة للكوليرا، فهي بمثابة جرس إنذار حقيقي، لأنها لا تظهر إلا في ظروف انهيار شبه كامل للبنية الصحية. فتسجيل حالات لو كانت محدودة يعني أن هناك خللاً عميقاً في نظام الإمداد بالمياه والصرف الصحي”. وواصل “في ما يخص حمى الضنك، صحيح أن هناك انخفاضاً نسبياً، لكنه لا يعكس تحسناً مستداماً، بل ربما يكون نتيجة تدخلات موقتة أو تغيرات موسمية. فالخطر الحقيقي يكمن في غياب استراتيجية طويلة المدى لمكافحة النواقل، مثل البعوض، وهو ما يجعل احتمالية عودة الارتفاع في الإصابات أمراً شبه مؤكد”. ومضى اختصاصي الصحة العامة في القول “إذا لم يجر التعامل مع هذه المؤشرات بجدية، فنحن أمام خطر تحول هذه الأوبئة إلى موجات متزامنة، وهو السيناريو الأسوأ لأي نظام صحي هش مثل الوضع الحالي في السودان”.
لم يعد تدهور النظام الصحي في السودان مجرد أزمة طارئة، بل تحول إلى واقع يومي تعكسه المستشفيات شبه المغلقة ونقص الأدوية وانعدام الكوادر.
أوضح مسؤول صحي فضل عدم ذكر اسمه أنه “حين نتحدث عن انهيار النظام الصحي، فنحن لا نبالغ، إذ إن الواقع على الأرض أكثر قسوة مما تعكسه التقارير الرسمية. ففي كثير من المناطق توقفت المستشفيات عن العمل بالكامل، ليس فقط بسبب نقص التمويل، ولكن نتيجة تعرضها لأضرار مباشرة أو خروج الكوادر منها”. وأردف المسؤول أن “المرافق التي لا تزال تعمل تعاني من ضغط هائل، إذ تستقبل أعداداً تفوق طاقتها الاستيعابية بثلاثة أو أربعة أضعاف، مثلاً مستشفى مصمم لاستقبال 50 مريضاً يومياً يجد نفسه أمام 200 حالة من دون توافر أدوية كافية أو معدات تشخيص أساسية”. واستطرد “الإمدادات الطبية تصل بصورة غير منتظمة، وغالباً ما تكون غير كافية أو غير مناسبة لطبيعة الحالات. فهناك فجوة كبيرة بين ما يُرسل وما يحتاجه الواقع الفعلي”. ولفت إلى أن “الكوادر الطبية تعيش وضعاً مأساوياً، في حين أن الكثير من الأطباء والممرضين غادروا البلاد أو اضطروا لترك العمل بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية، ومن تبقى يعمل في ظروف ضغط نفسي وجسدي هائل من دون دعم حقيقي”. وبين المسؤول أن “الأخطر من ذلك هو غياب التنسيق، إذ لا يوجد نظام مركزي فعال لإدارة الأزمة ولا قاعدة بيانات دقيقة تساعد في اتخاذ القرار. فكل جهة تعمل بطريقة شبه منفصلة، ما يؤدي إلى هدر الموارد في بعض المناطق وحرمان مناطق أخرى بالكامل. باختصار، نحن لا نتعامل مع أزمة صحية فقط، بل مع انهيار مؤسسي شامل، يحتاج إلى إعادة بناء من الأساس وليس مجرد تدخلات إسعافية موقتة”.
وراء الأرقام الرسمية، تختبئ قصص إنسانية تعكس حجم المعاناة اليومية للمواطنين.
أشارت تقوى شريف متطوعة في العمل الإنساني إلى أن “الوضع في مراكز الإيواء يفوق الوصف، نحن لا نتحدث فقط عن نقص في الخدمات، إنما عن غياب شبه كامل لأي شكل من أشكال الحياة الكريمة. فالناس يعيشون في مساحات مكتظة تفتقر للتهوية والنظافة، ما يجعل انتشار الأمراض أمراً حتمياً”.
أضافت شريف أن “في معبر أرقين، رأينا حالات انهيار بسبب ضربات الشمس، بخاصة بين كبار السن والأطفال، فالبعض يصل بعد رحلة طويلة من دون ماء كافٍ، ويضطر للانتظار لساعات تحت الشمس الحارقة. هذه نتائج مباشرة لظروف إنسانية قاسية”. وزادت “في مراكز النزوح، تعاني النساء بصورة خاصة، لا سيما الحوامل والمرضعات، إذ لا تتوافر رعاية صحية مناسبة، فكثير من الحالات يجري التعامل معها بطريقة بدائية، وأحياناً خطيرة. الأطفال أيضاً هم الأكثر تضرراً، خصوصاً من سوء التغذية وبالتالي ضعف المناعة، مما يجعلهم عرضة لأي عدوى. ونرى حالات يمكن علاجها بسهولة في ظروف طبيعية، لكنها تتحول إلى تهديد للحياة هنا”. وختمت المتطوعة في العمل الانساني حديثها قائلة “المشكلة ليست في نقص الموارد فقط، بل في غياب استجابة منظمة وشاملة. هناك جهود فردية ومبادرات، لكنها لا ترقى إلى مستوى الأزمة، إذا استمر الوضع بهذا الشكل، فنحن لا نتحدث عن أزمة موقتة، بل عن جيل كامل قد يتأثر صحياً ونفسياً على المدى الطويل”.
يحذر خبراء من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تفشٍ أوسع للأوبئة، بخاصة مع دخول فصل الخريف.
في هذا الشأن، قال الباحث في السياسات الصحية أحمد الطيب “نحن الآن في مرحلة يمكن وصفها بمرحلة ما قبل الانفجار الصحي. فالمؤشرات الحالية على رغم خطورتها، فإنها لا تزال في حدود يمكن السيطرة عليها، لكن المشكلة تكمن في غياب أي استعداد حقيقي لما هو مقبل، فمثلاً نجد في فصل الخريف تزايد الأمراض المرتبطة بالمياه، مثل الكوليرا، إضافة إلى الأمراض المنقولة عبر البعوض. ومع تدهور البنية التحتية، فإن احتمالية تفشي هذه الأمراض بصورة أوسع تصبح مرتفعة جداً”. واستطرد الطيب أن “ما يقلقني هو غياب التخطيط الاستباقي، إذ لا توجد حملات توعية كافية ولا برامج رش منتظمة ولا تحسين في خدمات المياه. فكل هذه العوامل تجعل من المجتمع بيئة مفتوحة لأي وباء. هناك أيضاً مشكلة في ضعف التنسيق بين الجهات المختلفة، سواء الحكومية أو الدولية. وفي بعض الأحيان، تكون هناك تدخلات متكررة في المنطقة ذاتها، بينما تُترك مناطق أخرى من دون أي دعم”. وخلص الباحث في السياسات الصحية إلى القول “إذا لم يتحرك المعنيون بصورة عاجلة، فقد تشهد البلاد سيناريوهات صعبة، مثل انتشار الكوليرا على نطاق واسع أو عودة قوية لحمى الضنك، وبالتالي فإن الحل يكمن في بناء نظام قادر على الصمود. وهذا يتطلب استثماراً حقيقياً في البنية التحتية وتدريب الكوادر وتحسين نظم المراقبة الصحية، ومن دون ذلك، ستظل البلاد في حالة رد فعل دائم، تنتظر الأزمة التالية بدلاً من منعها”.
اندبندنت عربية
المصدر:
الراكوبة