تتصاعد المخاوف في شرق السودان من تنامي التوترات القبلية، وسط اتهامات لسلطات بورتسودان بتغذية الانقسامات الاجتماعية.
وتحدثت وسائل إعلام محلية بينها موقع “سودان تريبيون” عن تحذيرات من استقطاب قبلي يشهده شرق السودان منذ أسابيع، وسط مخاوف من تصعيد الأوضاع مستقبلا.
جاء ذلك على خلفية تصريحات مثيرة للجدل أطلقها ناظر عموم قبائل الهدندوة، رئيس المجلس الأعلى نظارات البجا، سيد محمد الأمين ترك، مطلع الشهر الحالي، بعد مطالبته بمراجعة المكونات الفعلية لهوية “البجا” وترسيم الحدود بين النظارات، وهو ما اعتبرته مكونات محلية واسعة مساسا بهويتها وتأجيجا لخطاب الكراهية في الإقليم المضطرب.
وفي هذا الصدد، اتهم والي كسلا السابق صالح عمار، السلطة التي يديرها الجيش في بورتسودان بالتربص بأهل الشرق.
وقال للموقع إن السلطة التي يقودها قائد الجيش عبدالفتاح البرهان، “ليس لها من مورد ينقذها سوى رهن أراضي الشرق الشاسعة والخصبة والغنية بالمعادن، وذلك من أجل سداد ديونها للخارج والحصول على المزيد من السلاح وتغطية نفقات الفساد الهائلة داخلها”.
سياسة فرق تسد
ويرى محللون سياسيون أن سلطات بورتسودان تتبع سياسة “فرق تسد” من خلال تعميق الانقسامات الإثنية والقبلية بهدف الحفاظ على نفوذها السياسي.
وفي تعقيبه على ما يحدث، اتهم محمد التيجاني سليمان، الأمين السياسي لتحالف القوى المدنية لشرق السودان، الجيش بـ”العمل على استخدام سياسة فرق تسد بين المكونات السودانية في سبيل الحفاظ على سلطته”.
واعتبر في حديثه لـ”العين الإخبارية”، أن “سياسات الجيش الحالية في شرق السودان هي امتداد لهذا الإرث في التعامل مع القضية الوطنية المتعلقة بإعادة بناء الدولة على قاعدة المواطنة المتساوية”.
وأوضح السياسي السوداني أن سلطات بورتسودان “تعمد إلى تقسيم المكونات الاجتماعية في البلاد على أساس اثني واستغلال التقسيم لتمديد أمد حكمها، في ممارسة ستؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي”.
سلطات بورتسودان وإثارة النعرات القبلية في الشرق.. بوابة جديدة للفوضى (خاص) – صورة 1
في السياق نفسه، يرى حسب النبي عضو الهيئة القيادية لتحالف تأسيس، أن “سلطات بورتسودان اعتمدت على إدارة الأزمات من خلال تعميق الانقسامات الداخلية بدلا من معالجة جذور المشكلات الوطنية، في محاولات لم تقتصر على شرق السودان، بل ظهرت كذلك في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق”.
واتهم سلطات بورتسودان بالسعي إلى إدارة المشهد الشرقي عبر مجموعات يقودها زعماء محليون مرتبطون بالنظام السابق، في محاولة لإبقاء الإقليم في حالة من الانقسام والتهميش، ومنع أهله من الاستفادة الكاملة من موارده.
ولفت عضو الهيئة القيادية لتحالف تأسيس، في حديثه مع “العين الإخبارية”، إلى أن الجيش والأجهزة الأمنية والاستخباراتية يعملون على تقسيم مكونات شرق السودان إلى فئات متباينة على أساس مواقفها السياسية، عبر سياسة “فرق تسد” التي تعتبر إحدى أبرز الأدوات المستخدمة من قبل سلطات بورتسودان.
وأكد أن الأجهزة الأمنية كانت ولا زالت تلعب أدواراً مؤثرة في إدارة العلاقات القبلية والاجتماعية عبر آليات مختلفة، إلا أن استغلال التنوع القبلي والإثني في السودان ظل أحد الأساليب المستخدمة لإدارة الصراعات الداخلية.
الأسباب والدوافع
وفيما تتعدد الاتهامات بشأن تأجيج التوترات القبلية، يربط محللون وسياسيون هذه الممارسات بجملة من الدوافع السياسية والاقتصادية المرتبطة بتداعيات الحرب.
بالنسبة للأمين السياسي لتحالف القوى المدنية لشرق السودان محمد التجاني سليمان، فإن حكومة بورتسودان تعاني من ضعف اقتصادي كبير حيث أثّرت الحرب على الناتج المحلي الإجمالي، فيما خرجت أقاليم دارفور وكردفان من دائرة الإنتاج وهي ولايات منتجة في قطاع النفط والمعادن والثروة الحيوانية والزراعية، وتبقى للجيش فقط وسط وشرق البلاد.
وأشار إلى أن الجيش “يعمل على أيضا على إثارة الفتن بين المكونات الاجتماعية تمهيدا لإبعاد السكان من أراضيهم، واستخدام تلك الأراضي كورقة نظير التسليح، بعد أن تسبب إصراره على الاستمرار في الحرب، في عزل حكومته على المستوى الدولي”.
سلطات بورتسودان وإثارة النعرات القبلية في الشرق.. بوابة جديدة للفوضى (خاص) – صورة 2
وهو ما ذهب إليه أيضا حسب النبي، الذي رأى أن “الصراع على الموارد يمثل أحد الدوافع الأساسية وراء ما يجري في شرق السودان، وخاصة بعد أن تسببت الحرب التي أشعلها الجيش والإخوان، في أعباء مالية كبيرة، في الوقت الذي تراجعت فيه موارد أخرى كانت تعتمد عليها الدولة”.
عواقب وخيمة
وفي قراءة لتداعيات المشهد الراهن، يرى مراقبون أن هذه الممارسات ليست جديدة، بل تمثل امتدادا لأساليب استخدمت سابقا في إدارة الأزمات والصراعات داخل السودان.
وهو ما تطرق له محمد التجاني سليمان، مشيرا إلي أن استخدام خطاب الخيانة ضد قبائل الشرق وإثارة النعرات القبلية، سيؤدي إلى إطالة عمر النزاع وتمزيق وإضعاف البنى الاجتماعية والسياسية ورفع تكلفة الإصلاح السياسي وعملية السلام.
كما حذر من أنه إذا استمر الجيش في ممارساته، فإن دخول الحرب إلى إقليم الشرق، سيكون واقعا أليما، مما سينعكس سلبا على مجمل الأوضاع في السودان وعلى استقرار الدولة وإحلال السلام والحكم المدني.
وأشار إلى أن سلطات بورتسودان تعمد إلى افتعال الأزمات للسيطرة على الموارد الاقتصادية (أراض زراعية، نفط، معادن نفيسة، محاصيل زراعية).
وبحسب الأمين السياسي لتحالف القوى المدنية، فإن سلطات بورتسودان تستخدم سلاح الجيش في تجييش القبائل، والعمل على إثارة الفتن بينها عن طريق تقسيم السودانيين”.
وطالب التجاني سليمان بالتصدي لخطاب الإقصاء وتقسيم المكونات الاجتماعية، والعمل على توعية الجماهير في السودان بشكل عام وشرق السودان بشكل خاص.
الأمر نفسه، حذر منه عضو الهيئة القيادية لتحالف تأسيس السودان حسب النبي، معتبراً أن استمراره قد يقود إلى صراعات واسعة بين المكونات الاجتماعية في الإقليم.
تداعيات لا تقتصر على شرق السودان فحسب، بل ستكون له عواقب مختلفة وأكثر تعقيداً مقارنة بصراعات شهدتها أقاليم أخرى، نظراً لحساسية موقع الإقليم وأهميته الاقتصادية والاستراتيجية، بحسب عضو الهيئة القيادية لتحالف تأسيس السودان.
وأكد أن استمرار حالة الاستقطاب الحالية قد يفتح الباب أمام نزاعات مسلحة جديدة، لا تقتصر آثارها على شرق السودان فحسب، بل تمتد إلى مجمل الأوضاع في البلاد، محذراً من انعكاسات ذلك على وحدة السودان ومستقبل الدولة الوطنية.
كما حذر من أن أي صراع جديد في شرق السودان سيؤدي إلى تعقيد الأزمة السودانية بشكل أكبر، مؤكداً ضرورة الحفاظ على السلم الاجتماعي ووحدة المكونات المحلية باعتباره أولوية قصوى.
وشدد على أن الانتماء السياسي لا يجب أن يرتبط بالانتماء القبلي أو الإثني، مطالبًا أبناء شرق السودان بضرورة أن يصبحوا أكثر وعياً بهذه القضايا، وعدم السماح لأي جهة بالاستحواذ على قرارهم السياسي أو مواردهم الطبيعية.
واختتم تصريحاته، بالتأكيد على ضرورة إبعاد إقليم شرق السودان عن أي محاولة لتصفية الحسابات السياسية أو إعادة إنتاج الانقسامات الاجتماعية.
حيل النظام السابق
في السياق نفسه، يقول المحلل السياسي السوداني سيبويه يوسف، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إنه “بعد طول أمد الحرب وتآكل الإمكانيات المادية والموارد، لجأت سلطات بورتسودان إلى حيل كان النظام البائد ( في إشارة لنظام عمر البشير) يستخدمها”.
وأوضح المحلل السياسي السوداني، أن سلطات بورتسودان عمدت إلى إثارة الفتن القبلية، عبر “شراء ذمم قيادات إدارات الأهلية لضرب النسيج الاجتماعي، وتسهيل عملية بيع أراضي الشرق”، مشيرًا إلى أن “تلك الحيلة من الألاعيب التي تلجأ إليها الحركة الإسلامية (الإخوان) سواء في شرق السودان أو في دارفور أو كردفان”.
وأشار إلى أن تلك المحاولات، «ما هي إلا مساعِ لتمويل الجيش المتعثر، خاصة بعد تصاعد العمليات العسكرية في كردفان».
وحذر من آثار تلك المحاولات على النسيج المجتمعي، ومن تداعياتها التي قد تتسبب في موجة انفجارات كبيرة جدا، قد تؤثر على سلام واستقرار السودان بشكل عام.
العين الاخبارية
المصدر:
الراكوبة