آخر الأخبار

انتهاك مصري متجدد يطال السيادة السودانية والمعدنين العزّل

شارك

لم تكن الحادثة المأساوية التي استهدفت المعدنين السودانيين التقليديين (الدهّابة)، في مناطق داخل السودان مجرد إجراء أمني عابر لمطاردة متسللين كما تحاول بعض الروايات تسويقه، بل جاءت بمثابة انتهاك صارخ ومتجدد للسيادة السودانية من قِبل الجيش المصري. في عمق الصحراء.

تحولت مهنة البحث الشاقة عن لقمة العيش إلى ساحة مواجهة دامية، حيث نفذت القوات المصرية اعتداءً سافراً داخل العمق السوداني وبمسافة تصل إلى عشرين كيلومتراً بعيداً عن خط الحدود، مما يضع العلاقات الجيوسياسية والاقتصادية بين الخرطوم والقاهرة تحت مجهر فحص عسير وينكأ جرحاً غائراً في الوجدان السوداني.

ينطلق التفسير الأبرز لهذا الانتهاك العسكري من رحم “حمى الذهب” التي تسيطر على المنطقة. فبينما يمثل المعدن النفيس عصب الحياة الأخير للاقتصاد السوداني المنهار بفعل الحرب، تخوض الحكومة المصرية سباقاً محموماً لتعظيم احتياطاتها النقدية لمواجهة أزماتها الاقتصادية الخانقة.

وتأتي هذه الهجمات بالقرب من مناطق واعدة مثل جبل “العيقاد” وجبل “إيقات” الغني بالثروات، حيث تسعى القاهرة عبر آلتها العسكرية إلى إخلاء هذه المساحات الشاعرة داخل الأراضي السودانية من أي نشاط سوداني، لتفسيح المجال كاملاً أمام شركاتها الحكومية وامتيازات التنقيب الدولية لنهب هذه الموارد والاستئثار بها.

هذه المعادلة تعزز شعوراً متنامياً بالمرارة في الأوساط الشعبية السودانية، التي تنظر إلى التحركات المصرية بوصفها عملية استنزاف وفرض أمر واقع بقوة السلاح، مستغلة في ذلك التوقيت الحرج وفترة الفراغ الأمني الراهنة، حيث تنشغل الدولة في الحرب، مما غيّب المظاهر العسكرية النظامية السودانية وحوّل الحدود إلى منطقة رخوة يسهل توغل الجيش المصري فيها دون رادع.

إن التبريرات التي تُساق حول ضبط الحدود لا يمكنها حجب حقيقة أن القصف والاعتقال جرى فوق تراب سوداني خالص، مما يحول السلوك العسكري المصري من حماية وتأمين إلى اعتداء مباشر وتعدٍّ على الجغرافيا وحياة المواطنين العزّل. هذا الردع العنيف يهدف إلى خلق “منطقة عازلة” داخل السودان بقوة الترهيب، لتأمين المطامع الاقتصادية المصرية على حساب دماء البسطاء.

هذا الانتهاك المتجدد لم يمر مرور الكرام على الصعيد الشعبي، إذ تفجرت موجة غضب عارمة ترجمتها مجموعات “ترس الشمال” عبر إغلاق الطرق الشريانية الحدودية وتفتيش الشاحنات المتجهة إلى مصر.

وهذا الحراك الأهلي يبعث برسالة قوية مفادها أن الشارع السوداني لم يعد يحتمل ما يصفه بـ “النهب الممنهج واستباحة الأرض في لحظة الضعف التاريخي”، محولاً قضية المعدنين إلى قضية كرامة وطنية وسيادة منتهكة، تضع السلطات السودانية الحالية في موقف حرج وعجز فاضح أمام تساؤلات مواطنيها حول سر صمتها وتقصيرها في حماية أبنائها ومواردها في وجه الغطرسة العسكرية الخارجية.

د. محمد عثمان- واشنطن

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا