يضرب السودانيين حصار بين حرب لا تنتهي وغلاء يزداد شراسة، حيث أغلق تجار محالهم، وغادر آخرون السوق، مع استمرار تدهور القوة الشرائية وارتفاع الأسعار وفقدان الأسواق كثيراً من السلع الأساسية، عقب قرار منع استيراد بعض السلع إلى السودان. ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه عجلة المصانع متوقفة بسبب انعدام الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه، بالإضافة إلى التضييق الذي تمارسه الحكومة عبر الرسوم والضرائب المرتفعة، ما أدى إلى شلل شبه تام في الأسواق مع تسجيل ارتفاعات يومية في الأسعار. وكشفت موجة الغلاء الأخيرة والمستمرة عن واقع معيشي يزداد قسوة يوماً بعد يوم، ويعكس هذا المشهد، الذي يتكرر في المدن والقرى على حد سواء، حجم التآكل الذي أصاب البنية الاقتصادية والاجتماعية في السودان، حيث باتت القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية رفاهية لا يملكها كثيرون.
وأظهر تقرير حديث لمبادرة الرصد المشترك للأسواق السودانية ارتفاع تكلفة الحد الأدنى للإنفاق في السودان بنسبة 2% خلال شهر مايو/أيار، في ظل استمرار الضغوط التضخمية التي تواجه السودانيين في مختلف الولايات. ووفق البيانات التي اطلعت عليها “العربي الجديد”، ارتفعت قيمة سلة الحد الأدنى للإنفاق على المستوى الوطني من 540,675 جنيهاً في إبريل/نيسان إلى 551,046 جنيهاً في مايو/أيار، من دون احتساب المخصصات الإضافية. وتشير المبادرة إلى أن هذه الزيادة تعكس اتجاهاً تصاعدياً في أسعار السلع الأساسية خلال الأشهر الماضية.
وتعمل مبادرة الرصد المشترك للأسواق، التي تأسست بتوجيه من مجموعة العمل النقدي في السودان، على متابعة أسعار السلع الغذائية وغير الغذائية شهرياً بهدف دعم برامج المساعدات النقدية والاستجابة الإنسانية. وتعتمد المبادرة على بيانات ميدانية تجمعها منظمات إنسانية وبرنامج الأغذية العالمي لرصد توافر السلع واستقرار الأسواق وسلاسل الإمداد.
ووفقاً لتجار في أسواق الخرطوم تحدثوا إلى “العربي الجديد”، فإن الأسعار تشهد حالة من عدم الاستقرار مع تسجيل زيادات يومية نتيجة الارتفاعات الكبيرة في أسعار الوقود، التي أثرت على عمليات النقل. كما أصبحت مدخلات الإنتاج غير متوافرة للمصانع، ما أدى إلى ارتفاع التكاليف، إلى جانب اعتماد معظم الشركات على مصادر الطاقة البديلة، في وقت تفرض فيه المحليات رسوماً إضافية على التجار، الأمر الذي ساهم في إغلاق كثير من المحال التجارية. ويقول التاجر محمد إسحاق إن الأسعار غير ثابتة حتى خلال اليوم الواحد، ما جعل السوق في حالة ارتباك، كما أن بعض التجار أوقفوا عمليات البيع، إذ لم يعد ممكناً تثبيت الأسعار أو معرفة اتجاهاتها.
ويرى اقتصاديون أن ضعف الدخول وارتفاع تكلفة الاستيراد وتقلص الإنتاج المحلي أدت إلى تحول الأزمات المعيشية من ظواهر طارئة إلى اختلالات بنيوية واضحة، كما أن فقدان الجنيه جزءاً كبيراً من قيمته أمام الدولار ساهم بشكل مباشر في تراجع القوة الشرائية للسودانيين، وأصبح المواطنون يسعون فقط إلى تأمين لقمة العيش وضروريات الحياة، ما أدى إلى ركود في الأسواق وعزوف عن الشراء.
وفي المقابل، يعاني المواطنون انقطاع الكهرباء والمياه، وأزمة وقود خانقة، وتراجع الخدمات الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة. ويروي المواطن محمد سعيد لـ”العربي الجديد” أن غياب الخدمات الأساسية ساهم بشكل مباشر في الضائقة المعيشية، إذ تمتد انقطاعات الكهرباء إلى نحو عشر ساعات يومياً، وأحياناً لأيام متواصلة، بالتزامن مع استمرار انقطاع المياه، حيث يباع برميل المياه بنحو سبعة آلاف جنيه داخل ولاية الخرطوم. ويؤكد أن المواطن أصبح ضحية للسياسات الحكومية، وأضحى يبحث عن الخدمات بنفسه، ومع ذلك لا تتركه الجهات الحكومية، إذ تفرض عليه رسوماً وضرائب لا قبل له بها إذا حاول البحث عن مصدر رزقه في الأسواق. وفي الأثناء، شهدت مخابز ولاية الخرطوم زيادات جديدة، وصلت إلى بيع ثلاثة أرغفة بألف جنيه للمواطن، ما دفع مواطنين إلى إطلاق حملات إسفيرية تدعو إلى مقاطعة المخابز احتجاجاً على الزيادات الأخيرة.
كشفت موجة الغلاء الأخيرة والمستمرة عن واقع معيشي يزداد قسوة يوماً بعد يوم، ويعكس هذا المشهد، الذي يتكرر في المدن والقرى على حد سواء، حجم التآكل الذي أصاب البنية الاقتصادية والاجتماعية في السودان
لكن الأمين العام السابق لاتحاد المخابز، بدر الدين الجلال، يقول لـ”العربي الجديد” إن أزمة الارتفاع الكبير في أسعار الخبز ترتبط بشكل مباشر بالقفزات المتتالية في تكاليف مدخلات الإنتاج الأساسية، من دقيق وزيوت وخميرة وأجور عمالة، وهو ما وضع أصحاب المخابز أمام تحديات تشغيلية غير مسبوقة. ويضيف أن سعر جوال الدقيق زنة 25 كيلوغراماً ارتفع بشكل لافت ليصل إلى 83 ألف جنيه، مقارنة بالسعر السابق البالغ 60 ألفاً، فيما شهدت أسعار الزيوت قفزة مماثلة، إذ بلغ سعر جركانة (تنكة) الزيت سعة 36 رطلاً نحو 160 ألف جنيه، بعد أن كان 115 ألفاً فقط، وهو ما ضاعف تكلفة صناعة الخبز وأثر بشكل مباشر في سعره النهائي للمستهلكين.
وشكا أصحاب المصانع والشركات من الرسوم التي تفرضها الجهات المحلية، ما أدى إلى توقف عدد كبير منها، وأحدث شللاً في الأسواق، واختفاء بعض السلع الضرورية، وساهم بشكل مباشر في تعقيد المشهد المعيشي. كما صاحب توقف بعض المصانع تشريد أعداد كبيرة من العمال وزيادة معدلات البطالة مقارنة بما كانت عليه سابقاً. وفي المقابل، أصدرت وزارة الصناعة والتجارة تعميماً إلى اتحاد الغرف الصناعية، طالبت فيه بإيقاف الرسوم والجبايات المفروضة على القطاع الصناعي. وأعلن الجهاز المركزي للإحصاء في السودان تراجع معدل التضخم السنوي خلال شهر مايو/أيار 2026 إلى 44.5%، مقارنة بـ45.84% في إبريل/نيسان الماضي، في مؤشر جديد على تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار على المستوى العام، رغم استمرار الضغوط الاقتصادية التي تشهدها البلاد.
وقال الجهاز، في بيان، إن معدل التغير السنوي في المستوى العام للأسعار بلغ 44.5% خلال مايو/أيار، ما يعني أن أسعار السلع والخدمات ارتفعت بهذا المعدل مقارنة بالشهر نفسه من عام 2025. وأظهرت البيانات انخفاض معدل التضخم في المناطق الحضرية إلى 41.11% خلال مايو/أيار، مقابل 49.70% في إبريل/نيسان، ما يعكس تراجعاً ملموساً في وتيرة ارتفاع الأسعار داخل المدن. في المقابل، سجلت المناطق الريفية ارتفاعاً في معدل التضخم إلى 46.83% مقارنة بـ43.62% خلال الشهر السابق، ما يشير إلى استمرار الضغوط المعيشية خارج المراكز الحضرية واتساع الفجوة بين الريف والمدن.
وأوضح الجهاز المركزي للإحصاء أن التراجع العام في معدل التضخم الذي يرهق السودانيين يعكس تباطؤاً نسبياً في نمو الأسعار على المستوى الوطني، لكنه يأتي وسط تفاوت واضح بين المناطق الحضرية والريفية في معدلات الزيادة السعرية. ويواجه الاقتصاد السوداني تحديات معقدة نتيجة تداعيات الحرب المستمرة، وتراجع النشاط الاقتصادي، وتعطل سلاسل الإمداد في عدد من الولايات، الأمر الذي أبقى مستويات الأسعار عند معدلات مرتفعة، رغم التحسن النسبي المسجل في المؤشرات الرسمية خلال الأشهر الأخيرة.
المصدر:
الراكوبة