تواجه دول منطقة وسط أفريقيا أزمات متشابكة، فبينما تلقي الحرب السودانية بظلالها القاتمة على تشاد وتنذر بتوسع إقليمي للصراع، تعود الجماعات المسلحة في حوض بحيرة تشاد لبسط نفوذها مستغلة الفراغ الأمني، فيما تحذر الأمم المتحدة من أن التضييق على الحريات يزيد من احتمالات الانفجار في عدة دول بالإقليم.
ورغم تسجيل بعض التقدم في المسارات المؤسسية وإجراء الانتخابات، إلا أن المؤشرات الميدانية والسياسية تؤكد أن الإنجازات تبقى هشة أمام زحف الأزمات المتلاحقة بدول وسط القارة السمراء.
تشكل الحدود الشرقية لجمهورية تشاد في الوقت الراهن إحدى أخطر بؤر التوتر والاشتعال في وسط القارة الأفريقية، فقد أدى النزاع الدامي والمستمر في السودان إلى موجات نزوح جماعية هائلة نحو الأراضي التشادية، التي وجدت نفسها مضطرة لاستقبال أكثر من 900 ألف لاجئ سوداني، إلى جانب عودة قسرية لنحو 300 ألف مواطن تشادي كانوا يقيمون في السودان، وذلك منذ اندلاع شرارة الحرب في منتصف أبريل 2023.
لكن التهديد لم يعد مقتصرا على الجانب الإنساني؛ فقد أخذت الأزمة بعدا عسكريا متصاعدا، إذ كشفت تقارير ميدانية عن سلسلة من التوغلات العابرة للحدود، بلغت ذروتها خلال الأشهر الأخيرة عبر هجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت مواقع عسكرية وتجمعات مدنية داخل الأراضي التشادية.
وحذرت مساعدة الأمين العام لشؤون أفريقيا مارثا بوبي، من أن التوغلات العابرة للحدود والهجمات بالطائرات المسيّرة على المواقع العسكرية التشادية من داخل الأراضي السودانية قد تزيد إضفاء الطابع الإقليمي على النزاع، داعية المجتمع الدولي إلى تكثيف جهوده لإنهاء الحرب في السودان ودعم تشاد في مواجهة تداعياتها.
وأوضح في تصريح لـ”عربي21″ أن استمرار هذه الهجمات، قد يفرض على القيادة العسكرية في نجامينا الرد العسكري المباشر، وهو ما يعني عمليا فتح جبهة حرب إقليمية جديدة ستكون تكلفتها باهظة على دول المنطقة.
وأضاف أن هشاشة الوضع الداخلي في تشاد، والضغط الاقتصادي والاجتماعي الهائل الناجم عن استضافة مئات الآلاف من اللاجئين السودانيين، تجعل من أي انزلاق نحو مواجهة عسكرية مباشرة شرارة كافية لتهديد الاستقرار الهش في بقية دول وسط أفريقيا، ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في القارة برمتها.
وفي منطقة حوض بحيرة تشاد، لا يزال المدنيون في الكاميرون وتشاد والنيجر ونيجيريا يدفعون ثمن الفشل في استئصال التنظيمات المسلحة.
وفي هذا السياق أكدت المسؤولة الأممية أن الجماعات المرتبطة بتنظيم “بوكو حرام” لا تزال تشن هجمات عشوائية وبشكل مستمر، ما يفاقم الوضع الأمني.
ويرى الصحفي المتابع للشأن الأفريقي أحمد محمد فال أنه ورغم الترحيب الأممي بتجديد الالتزام بالتعاون الأمني بين دول الإقليم، إلا أن الجميع بات يدرك أن “الحل الأمني وحده أثبت فشله” مالم ترافقه إجراءات اقتصادية تحد من انتشار البطالة في صفوف الشباب وخلق مشاريع اقتصادية لصالح السكان المحليين.
ويعد “تنظيم الدولة الإسلامية- ولاية غرب أفريقيا” الفصيل الأقوى والأكثر تنظيما وتكتيكا حاليا بمنطقة بحيرة تشاد وهي أكثر مناطق وسط أفريقيا توترا، وتتركز سيطرته الفعلية في الجزر النائية للبحيرة والمناطق الحدودية الرخوة.
وثانيا تأتي “جماعة بوكو حرام” فرغم تراجع قوتها وانشقاق العديد من مقاتليها، إلا أنها لا تزال تحتفظ بجيوب قوية في غابات سامبيسا والمناطق الجبلية.
وتعتمد هذه الجماعة على تكتيكات دفاعية تشمل الهجمات السريعة، وعمليات الاختطاف الجماعي لابتزاز الحكومات.
وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، تتصدر البلاد قائمة الأزمات الأكثر إهمالا في العالم للعام، حيث تتفاقم التوترات الأمنية في هذا البلد، جراء تصاعد النزاع المسلح جراء الهجمات التي تشنها من حين لآخر حركة “23 مارس” (M23) المتمردة والمدعومة من رواندا.
وما يزيد المشهد تعقيدا في هذا البلد هو تفشي فيروس “إيبولا” وخروجه عن السيطرة، مما يفاقم نقاط الضعف في البيئة الأمنية الهشة شرق البلاد، في وقت تتجاوز فيه الأزمة قدرة آليات حفظ السلام الإقليمية على إدارتها.
ووفق آخر الإحصائيات ارتفع عدد الإصابات المؤكدة بفيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى 635 فيما سجلت نحو 200 حالة وفاة، وسط تأكيد بأن تفشي الفيروس بات خارج السيطرة.
أما في جمهورية أفريقيا الوسطى، فقد حذرت تقارير دولية من أن البلاد معرضة لأن تصبح مركزا للجريمة المنظمة، بسبب ضعف جهاز الدولة.
وحذرت المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود (GI-TOC) من أن جمهورية وسط أفريقيا معرضة لأن تصبح مركزا للجريمة المنظمة، موضحة أن الأسباب الرئيسية لذلك هي ضعف حضور الدولة وأجهزتها.
ولفتت المنظمة في تقرير لها إلى أن العنف بات يُستخدم كأداة رئيسية للسيطرة على الأسواق، والقضاء على المنافسين، وحماية طرق التهريب.
ويشير تقرير منظمة التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب (GI-TOC) إلى أن الجماعات المسلحة غير الحكومية تحافظ على نفوذها من خلال الاستغلال المستمر للموارد وتحويل العائدات إلى الأسواق الدولية، مما يُفاقم حالة عدم الاستقرار في البلاد.
المصدر:
الراكوبة