آخر الأخبار

ثروة السودان المهدورة.. شبكات التهريب تحوِّل الصمغ العربي من ثروة قومية إلى وقود للحرب في السودان

شارك

جاء في تقرير لصحيفة “لوس أنجلوس تايمز” نشرته في 31 مايو الماضي أن تجارة الصمغ العربي في السودان دخلت مرحلة جديدة من الاضطراب بعدما تحولت من قطاع تصديري رسمي، كان يدر عائدات مهمة على الدولة ويوفر دخلاً لملايين المزارعين، إلى جزء من اقتصاد الحرب تتحكم فيه مسارات التهريب والجبايات المسلحة ونقاط العبور غير النظامية. وذكرت الصحيفة أن حركة هذه السلعة الممتدة من كردفان إلى الموانئ الأفريقية والأسواق الغربية تكشف كيف أصبحت الموارد الزراعية إحدى أدوات تمويل الصراع السوداني.

وجاء في التقرير إن الصمغ العربي المستخرج من عصارة أشجار الهشاب والطلح يُعد مكوناً أساسياً في صناعات غذائية ودوائية وتجميلية متعددة ومكوناً حيوياً في مئات المنتجات. مضيفاً أن السودان كان قبل الحرب من أكبر موردي هذه المادة عالمياً، إذ حققت صادراته منها نحو 183 مليون دولار في عام 2022، وتشكل مصدر الدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة لنحو خمسة ملايين شخص في السودان. وقالت الصحيفة إن الحرب، التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أعادت تشكيل خريطة الإنتاج والنقل والتصدير، ودفعت جانباً كبيراً من التجارة إلى قنوات موازية خارج رقابة الدولة.

وأفاد التقرير بأن الأزمة تتركز في إقليم كردفان؛ قلب ما يعرف بـ”حزام الصمغ العربي”، حيث تُنتج أجود أنواعه، مشيراً إلى أنه مع تمدد قوات الدعم السريع في أجزاء من دارفور وكردفان وسيطرتها على طرق إمداد رئيسية تعرضت التجارة التقليدية بين مناطق الإنتاج وسوق الأبيض؛ أحد أبرز مراكز تداول الصمغ في العالم، لضربة كبيرة.

ونقلت الصحيفة عن مصادرها أن قيوداً فُرضت على نقل المحاصيل إلى المناطق الخاضعة للحكومة، كما جرى استحداث رسوم مرتفعة على الشاحنات ومصادرة الشحنات في حال عدم الدفع أو الاشتباه في ارتباط أصحابها بالطرف الآخر. وقالت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة في تقرير صدر عام 2025 إن قادة قوات الدعم السريع لا يمانعون في عمليات النهب كتعويض للمقاتلين.

وأشار التقرير إلى أن طرق تهريب بديلة قد نشطت بسبب هذه الإجراءات تبدأ من المناطق الواقعة تحت نفوذ الجماعات المسلحة وتمر عبر مسارات صحراوية وريفية طويلة لتفادي نقاط التفتيش، مؤكداً أن المزارعين والتجار لم يعودوا قادرين على نقل الكميات المعتادة إلى الأسواق الرسمية، بل بات كثيرون يكتفون بشحنات صغيرة تنقل بوسائل محدودة، وسط مخاطر الاعتقال أو الابتزاز أو فقدان البضاعة.

وكشفت “لوس أنجلوس تايمز”، استناداً إلى إفادات عاملين في القطاع، أن التهريب لم يعد يقتصر على تجاوز الرسوم أو الحظر، بل ارتبط أيضاً بعمليات نهب واسعة، موضحة أن مخازن وشركات معالجة في مدينة النهود، وهي مركز مهم لإنتاج الصمغ، تعرضت لسرقة نحو 3 آلاف طن من مخزون الصمغ العربي، إضافة إلى سرقة الشاحنات والجرارات ومعدات التشغيل. وقدَّر التقرير قيمة الصمغ المنهوب بأكثر من 125 مليون دولار.

وذكرت الصحيفة أن كميات من الصمغ المنهوب أو المفروض عليه إتاوات تتجه إلى دول مجاورة أبرزها تشاد وليبيا وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى، مشيرة إلى أن تجاراً سودانيين أكدوا خلط الصمغ السوداني هناك مع إنتاج محلي لإخفاء مصدره ثم إعادة تصديره بوصفه سلعة غير سودانية. وأضافت أن هذه العملية تسمح بالالتفاف على سياسات الشركات الدولية التي تقول إنها تتجنب شراء المنتجات القادمة من مناطق النزاع.

وسلط التقرير الضوء على تشاد، كإحدى المحطات الرئيسية في هذا المسار، حيث يُباع الصمغ بأسعار أدنى بكثير من قيمته في الأسواق النظامية، لأن جزءاً كبيراً منه وصل عبر النهب أو الجباية القسرية، لافتاً إلى أن الشحنات تتحرك بعد ذلك نحو موانئ إقليمية بينها ميناء دوالا في الكاميرون قبل أن تصل إلى مصانع وشركات في أوروبا وآسيا والولايات المتحدة.

وأضافت الصحيفة إنه رغم تأكيد شركات دولية أنها لا تشتري إلا الصمغ المعتمد من الحكومة السودانية في بورتسودان، فإن الزيادة اللافتة في صادرات بعض الدول المجاورة منذ اندلاع الحرب تثير شكوكاً واسعة داخل القطاع، موضحة أن تجاراً سودانيين يرون أن هذه الزيادة لا يمكن تفسيرها بالإنتاج المحلي وحده، بل تعكس انتقال جزء من الصمغ السوداني عبر قنوات تهريب منظمة.

وخلص التقرير إلى أن سلعة زراعية كان يُفترض أن تشكل رافعة للاقتصاد السوداني تحولت إلى مورد تتقاسمه أطراف مسلحة ومهربون ووسطاء إقليميون، مؤكداً أنه فيما تتراجع عائدات الدولة وتتضرر الأسواق الرسمية يبقى المزارعون الحلقة الأضعف في سلسلة تجارية باتت الأرباح الكبرى فيها تذهب إلى شبكات الحرب بدلاً من المنتجين المحليين. ويقدّر مراقبون أن قوات الدعم السريع تجني ما بين نحو مليار وملياري دولار سنوياً من بيع سلع وموارد مختلفة. وتُستخدم هذه العائدات، إلى جانب حصيلة النهب، في دفع رواتب المقاتلين وتزويد قوات الدعم السريع بترسانة من الطائرات المسيّرة المتقدمة تقنياً.

كما أن استمرار هذه الشبكات في العمل دون رادع يمثل إنذاراً خطيراً لمستقبل القطاع الزراعي في السودان إذ إن تدمير البنى التقليدية للتجارة وإحلالها باقتصاد موازٍ تحت سيطرة الجماعات المسلحة يهدد بفقدان السودان لميزته التنافسية في سوق الصمغ العالمي لصالح دول مجاورة بدأت تستحوذ على حصته. فمنذ اندلاع الحرب، تُظهر بيانات الجمارك الرسمية في تشاد وفرنسا أن تشاد تجاوزت السودان لتصبح أكبر مورد للصمغ العربي إلى الولايات المتحدة كما ضاعفت تقريباً صادراتها إلى فرنسا، في زيادة يعزوها كثيرون إلى نهب الصمغ من السودان أكثر مما يعزونها إلى طفرة في الإنتاج.

واختتمت “لوس أنجلوس تايمز” تقريرها بتحذير من أن الحرب لا تسرق الأرواح فقط بل تنهب مقدرات الأجيال القادمة، مشيرة إلى أنه ما لم تُتخذ إجراءات دولية ومحلية جادة لوقف تهريب الصمغ العربي وحماية المزارعين فإن هذه الثروة الوطنية التي ظلت لعقود مصدر فخر للسودان قد تتحول إلى ذكرى مؤلمة في تاريخه الاقتصادي.

ديسمبر

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك

الأكثر تداولا اسرائيل أمريكا إيران لبنان

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا