تبدو الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان وكأنها تتحرك داخل حلقة مفرغة، إذ تتركز أغلب المبادرات على وقف إطلاق النار وترتيبات تقاسم السلطة، بينما تظل الأزمة الأعمق خارج دائرة المعالجة. فالسودان لا يعيش مجرد صراع عسكري بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل يواجه أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة الدولة نفسها، وبالسؤال الذي ظل معلقا منذ الاستقلال: هل يكون السودان دولة مواطنة مدنية، أم دولة تُدار بمنطق الهيمنة الدينية والعرقية والقبلية؟ وهل تطبيق الشريعة كان حلا أم جزءا من الأزمة؟
ولهذا تبدو كل اللقاءات التي تُعقد برعاية إقليمية أو دولية أقرب إلى محاولات لإنتاج هدنة مؤقتة، لا تسوية حقيقية. فحتى لو جرى التوصل إلى اتفاق سياسي ببنود واضحة، فإن أطراف الصراع ستجد دائما مصلحة في خرقه أو تعطيله، لأن استمرار الحرب يمنح القوى العسكرية شرعية الأمر الواقع، ويُبقي السلاح أداة للنفوذ والزعامة وخطف الأضواء.
المشكلة في السودان ليست تقنية حتى تُحل عبر وثيقة سياسية أو ترتيبات أمنية، بل هي أزمة دولة تشكلت تاريخيا على أساس اختلالات عميقة في مفهوم الهوية والسلطة. ولهذا يمكن الحديث عن تهدئة عسكرية أو هدنة أمنية، لكن من الصعب الحديث عن نهاية فعلية للحرب ما لم تُعالج الجذور التي أنتجت الصراع وأبقت البلاد رهينة دورات متتالية من العنف والانقلابات والانقسامات.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن أي نظام حكم يقوم على الامتيازات الدينية أو العرقية أو اللغوية سينتهي إلى إعادة إنتاج الحرب بأشكال مختلفة. فالعقود الماضية كرست شعورا واسعا لدى مكونات عديدة بأن الدولة لم تكن إطارا جامعا للمواطنين، بل أداة لفرض تصور أحادي للهوية يقوم على وهم التفوق العربي والديني واللغوي. وهذا ما فتح الباب أمام جرائم أخلاقية وعنصرية، ورسخ الإحساس بالتهميش لدى قطاعات واسعة من السودانيين.
ومن هنا يصبح الحديث عن الدولة المدنية ليس ترفا فكريا أو شعارا سياسيا عابرا، بل ضرورة وجودية لبقاء السودان نفسه. فالدولة المدنية وحدها القادرة على بناء منظومة حقوق عادلة على قاعدة المواطنة، بعيدا عن الانتماءات العرقية أو القبلية أو الدينية. وهي وحدها التي تستطيع مداواة جراح الحروب الطويلة وإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس المساواة لا الامتياز.
يمكن لوثيقة جامعة يتم تبنيها في منصة من منصات التفاوض سواء في جدة أو فيينا أو أديس أبابا أن تكسر حالة الاستقطاب العسكري والسياسي والإثني الحاد في البلاد. طبعا شرط أن تكون الجهة الراعية للحوار محايدة وراغبة في إنجاح تسوية سودانية دائمة، وأن تعالج عمق الأزمة، وتحوز على ثقة الشارع السوداني الذي بات مقسما ومفتتا.
الانحياز للتيار المدني أو تصعيده للحكم لقطع الطريق على الحركة الإسلامية أو على قوات الدعم السريع، ليس هو الحل، بل عامل إضافي في تأجيج الأزمة وإدامتها. المطلوب منصة جامعة لمختلف القوى والفعاليات السياسية والقبلية والعسكرية دون استثناء أو تهميش أو إقصاء حتى تكون التسوية ذات مصداقية ومقبولية. والأهم أن المعارضين لهذه التسوية لن يجدوا مبررات أو مزاعم لتبرير عدم التزامهم.
ما جرى قبل أسبوع من تفاهمات في أديس أبابا، مهم ولكنه منقوص، ويفترض توسيع قاعدة المشاركة لتشمل مؤسسة الجيش السوداني والقوى المتحالفة معها والقريبة منها، كما تشمل حضورا مباشرا لقوات الدعم السريع، وليس قريبين منها أو محسوبين عليها، من اجل صيغة للتسوية تنتج مصالح وطنية حقيقية ولا تكون غطاء أو مظلة لتحالف سياسي أو عسكري لأن ذلك يعني الاستمرار في المغالبة.
العقود الماضية كرست شعورا واسعا لدى مكونات عديدة بأن الدولة لم تكن إطارا جامعا بل أداة لفرض تصور أحادي للهوية يقوم على وهم التفوق العربي والديني واللغوي
وفي المقابل، فإن العودة إلى أي صيغة حكم تستند إلى “شريعة الإنقاذ” أو إلى مفهوم الدولة الدينية ستعني عمليا إعادة إنتاج المأساة القديمة بواجهة جديدة. فالتجربة التي عاشها السودان خلال حكم الحركة الإسلامية لم تُقدِّم الشريعة باعتبارها منظومة عدل ومواطنة، بل باعتبارها أداة للهيمنة السياسية وإضفاء القداسة على السلطة. ولهذا ارتبط مفهوم الشريعة في الوعي الجمعي السوداني، خصوصا لدى القوى القبلية والمهمشة، بفكرة الاستغلال وشرعنة التفوق الديني والثقافي.
ولا يتعلق الأمر هنا بالحركة الإسلامية وحدها أو بنظام عمر البشير فقط، فثمة تيارات واسعة داخل المشهد السوداني، بما فيها أطراف وقواعد اجتماعية قريبة من الدعم السريع، تتبنى أيضا خطاب تطبيق الشريعة. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تُطبق الشريعة أم لا؟ بل: أي شريعة يُراد تطبيقها؟ هل المقصود بناء منظومة حكم عادلة تحفظ الحقوق وتحقق المساواة، أم استخدام الدين كأداة للسيطرة السياسية وفرض الإرادة بالقوة؟ الدين كواجهة للسلام أم أداة من أدوات إذكاء الصراع؟
حتى الآن، وبسبب تراكمات تجربة حكم الإنقاذ، تبدو الشريعة في المخيال السياسي السوداني أقرب إلى الحكم بقوة الدين، لا إلى إقامة العدل باسم الدين. فهي ارتبطت تاريخيا بأجهزة القمع، وبفرض أنماط اجتماعية وثقافية بالقوة، وباستخدام النصوص الدينية لتبرير احتكار السلطة وإقصاء الخصوم. كما أن الحركات الإسلامية في المنطقة ككل، سواء الإخوانية أو السلفية، تعاملت مع الشريعة باعتبارها أداة لتطويع المجتمع وتأويل النصوص بما يخدم بقاءها السياسي، أكثر من كونها إطارا لبناء دولة حديثة تتساوى فيها الحقوق والواجبات.
ولهذا فإن أي تسوية حقيقية في السودان لا يمكن أن تقوم على إعادة تدوير خطاب “التمكين” بصيغ جديدة، لأن ذلك سيعيد إنتاج الانقسام الأهلي ويغذي النزعات الانتقامية والعرقية. فالسودان يحتاج إلى عقد سياسي جديد يؤسس لدولة محايدة تجاه الانتماءات، دولة لا تمنح الشرعية على أساس الدين أو القبيلة أو اللغة، بل على أساس المواطنة والقانون.
لكن الدولة المدنية لا تعني بالضرورة إقصاء الإسلاميين أو التنكيل بأنصار الحركة الإسلامية، لأن منطق الانتقام هو نفسه أحد أسباب انهيار الدولة السودانية. المطلوب ليس نقل مظلة الشرعية من “الشريعة” إلى “الدولة المدنية” بطريقة انتقامية أو إقصائية، بل بناء منظومة عدالة نزيهة تُحاسب على الجرائم والانتهاكات وفق القانون، بعيدا عن الثأر والمحسوبية والإذلال السياسي.
هل يمكن بناء دولة مدنية دون محاسبة أو عدالة انتقالية في بلد مثل السودان شهد جرائم خطيرة تحت مسوغات عرقية ودينية. فكرة شطب الماضي دون معالجة الأزمات العميقة وتفكيكها سيعني الحفاظ على مبررات الانتقام والتشفي، وبالنتيجة العودة إلى الحرب في أي لحظة.
الدولة المدنية الحقيقية ليست مشروع غلبة علمانية مضادة، بل مشروع إنقاذ للسودان من دوامة الهيمنة المتبادلة. وهي ليست حربا على الدين، بل محاولة لتحرير الدين من التوظيف السياسي، وتحرير الدولة من احتكار الحقيقة باسم المقدس. الدين لم يفرض شكلا محددا من الحكم يجب اتباعه ولا يهب تفويضا لجهة ما للحكم باسمه، كما أن الشريعة نفسها هي تأويل للدين يمكن أن يتطور ويتغير بالتفاعل مع التغييرات الكبرى التي يعيشها الناس والمجتمعات.
فهل يمكن أن يعارض الدين دولة مدنية جامعة تحقق المساواة وتؤسس للعيش المشترك ويقبل بنظام حكم عسكري مستبد وظالم؟
وما لم يُحسم هذا السؤال الجوهري، ستظل كل التسويات مجرد استراحات قصيرة بين حرب وأخرى، وسيبقى السودان معلقا بين الاستبداد وشعار الشريعة، فيما تتآكل فكرة الوطن نفسها تحت وطأة الانقسامات والصراعات المفتوحة.
العرب
المصدر:
الراكوبة