آخر الأخبار

دبلوماسية البرهان القائمة على السلاح تطيل حربا لا يمكن كسبها

شارك

تتزايد المؤشرات على أن قائد الجيش السوداني الفريق أول عبدالفتاح البرهان لا يتعامل مع الحرب الدائرة في بلاده باعتبارها أزمة ينبغي إنهاؤها عبر تسوية سياسية، بقدر ما ينظر إليها باعتبارها معركة وجود تتطلب إطالة أمد الصراع ومنع أي نتائج قد تفضي إلى تقليص نفوذ المؤسسة العسكرية أو إعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة.

وفي هذا السياق بدت تحركاته الدبلوماسية الخارجية خلال الأشهر الماضية جزءا من إستراتيجية أوسع تقوم على تأمين السلاح والدعم السياسي والمالي، أكثر من كونها سعيا جادا لفتح طريق نحو السلام.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تعاقبت المبادرات الإقليمية والدولية الهادفة إلى وقف القتال وإطلاق عملية سياسية شاملة. غير أن معظم هذه الجهود انتهى إلى الفشل أو الجمود، وسط اتهامات متبادلة بين طرفي النزاع بعرقلة المفاوضات.

لكن مراقبين يرون أن أحد أبرز أسباب تعثر التسوية يعود إلى قناعة متجذرة لدى القيادة العسكرية بأن أي اتفاق سياسي حقيقي قد يفتح الباب أمام ترتيبات جديدة تهدد مواقع القوى التقليدية التي سيطرت على الدولة السودانية لعقود.

◄ البيئة الإقليمية والدولية الهشة تمنح البرهان مساحة للمناورة والاستمرار في إستراتيجيته كسب الوقت وتعزيز القدرات العسكرية

ومن هذا المنطلق تبدو الزيارات المتكررة التي قام بها البرهان إلى عدد من العواصم العربية والإقليمية خلال العام الأخير ذات دلالات تتجاوز الخطاب الرسمي الذي يركز على دعم الاستقرار أو البحث عن حلول للأزمة.

وتزامنت هذه التحركات في الكثير من الأحيان مع جهود مكثفة لتأمين احتياجات الجيش العسكرية واللوجستية، سواء عبر الحصول على أسلحة ومعدات أو عبر ضمان استمرار تدفق الدعم المالي والسياسي الذي يسمح بمواصلة الحرب.

وقد نجح البرهان في بناء شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية مع أطراف تختلف مصالحها وحساباتها، لكنها تتقاطع عند نقطة دعم المؤسسة العسكرية السودانية أو منع انهيارها.

وبينما يحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع دول عربية مؤثرة، عمل أيضا على توسيع خياراته الخارجية من خلال تعزيز العلاقات مع قوى إقليمية ودولية أخرى قادرة على توفير بدائل في مجال التسليح والدعم اللوجستي.

ويعكس هذا النهج قناعة متزايدة لدى القيادة العسكرية بأن الحرب قد تستمر لفترة طويلة، وأن الأولوية لم تعد تحقيق انتصار سريع وحاسم، بل منع الهزيمة والحفاظ على القدرة على الصمود.

وبعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، لم يتمكن أي من الطرفين من فرض سيطرة كاملة على البلاد أو تحقيق اختراق إستراتيجي ينهي الصراع.

وبدلاً من ذلك تحول السودان إلى ساحة حرب مفتوحة تستنزف موارده البشرية والاقتصادية وتعمق أزمته الإنسانية.

◄ خبراء يحذرون من أن استمرار الرهان على الحلول العسكرية سيجعل إعادة بناء الدولة السودانية أكثر صعوبة في المستقبل

وفي ظل هذا الواقع يبدو أن البرهان يراهن على عامل الزمن. فالحفاظ على تدفق السلاح والتمويل يمنح الجيش القدرة على مواصلة القتال، حتى في غياب أفق واضح للنصر. كما أن استمرار الحرب يسمح بتأجيل الأسئلة الصعبة المتعلقة بمستقبل السلطة وترتيبات ما بعد النزاع، وهي أسئلة قد تضع المؤسسة العسكرية أمام استحقاقات لا ترغب في مواجهتها حاليا.

ويلاحظ مراقبون أن الخطاب الرسمي للجيش لا يزال يركز على ضرورة تفكيك قوات الدعم السريع وإنهاء وجودها العسكري كشرط مسبق لأي عملية سياسية. غير أن هذا المطلب، رغم أهميته بالنسبة إلى القيادة العسكرية، يبدو بعيد المنال في ظل موازين القوى الحالية على الأرض.

ولذلك يرى كثيرون أن التمسك بالشروط القصوى يساهم عمليا في إطالة أمد الحرب، لأنه يجعل الوصول إلى تسوية تفاوضية أمرا أكثر صعوبة.

كما أن تعامل البرهان مع المبادرات التفاوضية يعزز هذه الانطباعات. ففي كل مرة يزداد فيها الضغط الدولي من أجل استئناف المحادثات، تعلن القيادة العسكرية استعدادها للمشاركة، لكنها غالبا ما تطرح شروطا معقدة أو تتمسك بمواقف يصعب على الطرف الآخر قبولها.

والنتيجة هي جولات متكررة من المفاوضات غير الحاسمة التي تمنح الأطراف مزيدا من الوقت دون أن تقربها فعليا من اتفاق نهائي.

وبالنسبة إلى البرهان، فإن هذه المقاربة تحقق عدة أهداف في آن واحد. فهي تساعد على تخفيف الضغوط الدولية عبر إظهار الاستعداد للحوار، كما تمنحه فرصة للحفاظ على الدعم الخارجي من الحلفاء الذين يفضلون رؤية مسار سياسي قائم ولو شكلياً. وفي الوقت نفسه تسمح له بمواصلة تعزيز قدرات الجيش والاستعداد لجولات جديدة من القتال.

غير أن المشكلة الأساسية في هذه الإستراتيجية تكمن في أنها لا تقدم مخرجا حقيقيا للأزمة السودانية. فحرب الاستنزاف بطبيعتها لا تنتج منتصرا واضحا، بل تؤدي إلى تآكل قدرات جميع الأطراف وتفاقم معاناة المدنيين.

وقد دفع السودان بالفعل ثمنا باهظا لهذا الصراع، من خلال انهيار أجزاء واسعة من البنية التحتية، وتراجع الاقتصاد، واتساع رقعة النزوح واللجوء، إضافة إلى تدهور الأوضاع الإنسانية في مناطق عديدة.

◄ تحركات البرهان الدبلوماسية تبدو جزءا من إستراتيجية أوسع تقوم على تأمين السلاح والدعم السياسي والمالي، أكثر من كونها سعيا جادا لفتح طريق نحو السلام

ويحذر خبراء من أن استمرار الرهان على الحلول العسكرية سيجعل إعادة بناء الدولة السودانية أكثر صعوبة في المستقبل. فكلما طال أمد الحرب، ازدادت الانقسامات الاجتماعية والسياسية، وتعمقت حالة التفكك التي تعاني منها مؤسسات الدولة. كما أن استمرار تدفق السلاح إلى أطراف النزاع يرفع من احتمالات تحول الصراع إلى أزمة مزمنة يصعب احتواؤها حتى بعد توقف العمليات العسكرية.

وفي الوقت ذاته، لا تبدو البيئة الإقليمية والدولية قادرة على فرض تسوية شاملة في المدى المنظور. فالقوى الخارجية المنخرطة في الملف السوداني تمتلك أجندات ومصالح متباينة، كما أن انشغال المجتمع الدولي بأزمات أخرى يقلل من فرص ممارسة ضغط حاسم على أطراف النزاع.

ويمنح هذا الواقع البرهان مساحة أوسع للمناورة والاستمرار في إستراتيجيته القائمة على كسب الوقت وتعزيز القدرات العسكرية.

لكن الرهان على الوقت لا يعني بالضرورة الاقتراب من النصر. فبعد سنوات من الحرب، بات واضحا أن أيا من الطرفين غير قادر على حسم المعركة عسكريا.

ولذلك يرى عدد من المراقبين أن الدبلوماسية القائمة على تأمين السلاح والدعم الخارجي قد تساعد في إطالة أمد الصراع، لكنها لا تستطيع تغيير حقيقة أساسية مفادها أن الحرب الحالية لا تبدو قابلة للكسب من قبل أي طرف.

وفي نهاية المطاف، يجد السودان نفسه عالقا بين معادلتين متناقضتين: قيادة عسكرية ترى في استمرار الحرب وسيلة للحفاظ على نفوذها ومنع سيناريوهات تعتبرها خطرا وجوديا، وواقع ميداني وسياسي يؤكد أن الحل العسكري بات أكثر بعداً من أي وقت مضى. وبين هذين المسارين تستمر حرب الاستنزاف في استهلاك الدولة والمجتمع، بينما تتراجع فرص السلام الحقيقي كلما تقدمت دبلوماسية السلاح على دبلوماسية التسوية.

العرب

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك

الأكثر تداولا أمريكا حزب الله إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا