آخر الأخبار

بيع المواقف.. حينما تتحول صحافة الحرب إلى أقلام مستأجرة

شارك

تقرير: رندا علي

تواجه الصحافة السودانية في ظروف الحرب الراهنة اختباراً عسيراً يهدد استقلاليتها وأعرافها المهنية، عقب تصاعد الاتهامات المتبادلة بالارتزاق السياسي وتفشي ظاهرة الأقلام المستأجرة لخدمة سرديات أطراف الصراع.

وفيما تسببت موجة الاستقطاب الحاد وانهيار المؤسسات الإعلامية في صعود دخلاء حققوا مكاسب سريعة على حساب المهنة، أثارت التراشقات اللفظية الأخيرة بين وزارة الإعلام وبعض الأقلام الصحفية انقساماً واسعاً حول التمييز بين الانحيازات الوطنية المبدئية والتوظيف المادي، وسط تحذيرات نقابية من تآكل مصداقية الرسالة الإعلامية أمام الجمهور وضياع معركة الوعي والتنوير.

مفهوم قديم متجدد

لم تعد عبارة “الأقلام المستأجرة” مجرد وصف عابر في السجال السياسي السوداني، بل تحولت إلى اتهام يتكرر كلما تصاعدت الخلافات السياسية واشتد الاستقطاب.

وبينما يرى البعض أن الظاهرة قديمة صاحبت الحياة السياسية والإعلامية لعقود، يعتبر آخرون أنها اكتسبت أبعاداً جديدة خلال الحرب الحالية، حيث أصبحت ترتبط بالتعبئة الإعلامية والترويج لروايات أطراف الصراع.

ومع كل أزمة سياسية أو انتقاد يوجه إلى السلطة أو الفاعلين السياسيين، تتجدد الاتهامات لصحفيين وكتاب بالعمل لخدمة أجندات محددة مقابل مكاسب مادية أو سياسية.

وفي المقابل، يرى آخرون أن هذا الوصف يُستخدم أحياناً كسلاح لتشويه الخصوم وإسكات الأصوات الناقدة.

وبين الاتهام والنفي، يبرز سؤال جوهري: هل أصبحت “الأقلام المستأجرة” ظاهرة حقيقية تهدد استقلالية الصحافة ومهنيتها؟

تصريحات تثير الجدل

ومما أعاد الجدل إلى الواجهة، تصريح وزير الثقافة والإعلام خالد الإعيسر، الذي تحدث عن وجود “أقلام مستأجرة” أو “مشتراة” تدافع عن الجيش مقابل أموال، معتبراً أن بعض الأشخاص يربطون مواقفهم الداعمة للدولة والقوات المسلحة بمقابل مادي.

إلا أن هذا النوع من الاتهامات ليس جديداً على الساحة السودانية، إذ ارتبط في فترات سابقة بانتقادات طالت صحفيين ووسائل إعلام محسوبة على السلطة أو على قوى سياسية بعينها، قبل أن يتطور مع انتشار وسائل الدفع الإلكتروني ليظهر مصطلح “صحفيو بنكك” في التداول العام.

استقطاب يشوه المواقف

وترى الصحفية سعاد الخضر أن الاتهام بالأقلام المستأجرة يبرز عادة في أجواء الاستقطاب السياسي الحاد، مشيرة إلى أن الظاهرة – إن وجدت – لا تقتصر على المجال الإعلامي وحده.

وتفرق الخضر بين تبني الصحفي لموقف سياسي أو رؤية فكرية وبين الارتزاق، معتبرة أن الخلافات السياسية كثيراً ما تتحول إلى حملات تشويه متبادلة.

كما وصفت تصريحات وزير الإعلام بأنها غير موفقة، إذ أطلقت اتهامات عامة دون تسمية جهات أو أشخاص محددين، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على الصحفيين الداعمين للجيش وعلى الحكومة نفسها.

سلاح للتخوين السياسي

أما الصحفي الأصمعي باشري فيرى أن الظاهرة موجودة بالفعل في بعض الحالات باعتبارها إشكالاً مهنياً، لكنه يؤكد أن الاتهام بها يُستخدم أيضاً كسلاح سياسي.

ويعتبر أن التحدي الحقيقي يكمن في التمييز بين النقد القائم على الأدلة والتخوين المبني على الاختلاف السياسي، مشيراً إلى أن بعض المنصات أو الكتّاب قد يتأثرون بعوامل اقتصادية أو سياسية تدفعهم إلى تبني مواقف محددة مقابل مصالح مادية، بينما يُتهم آخرون دون أدلة كافية.

إثبات صعب التحقق

ويذهب الصحفي أحمد جبارة إلى أن الجزم بوجود صحفيين يتلقون مقابلاً مادياً نظير ما يكتبون أمر يصعب التحقق منه بصورة قاطعة.

غير أنه يؤكد أن ثبوت مثل هذه الممارسات يمثل خطراً بالغاً على المهنة لما يسببه من إضعاف لمصداقية الصحافة وتشويه صورتها أمام الجمهور.

توظيف غير مهني

وفي المقابل، يقر الصحفي محمد عبد الباقي بوجود أشكال من التوظيف غير المهني للأصوات الإعلامية خلال الحرب، معتبراً أن الأمر لا يقتصر على الصحفيين وحدهم، بل يشمل ناشطين وشخصيات عامة وأصواتاً تعمل على الترويج لسرديات أطراف الصراع.

ويرى أن استمرار الحرب يوفر بيئة خصبة لازدهار هذه الممارسات، فيما تتراجع حدتها كلما انحسر الصراع.

صناعة السرديات الزائفة

ويشير الكاتب الصحفي والمحلل السياسي فائز السليك إلى أن المعلومة أصبحت إحدى ساحات الحرب الرئيسية، حيث تتنافس الأطراف المتصارعة على صناعة السرديات والتأثير على الرأي العام.

ويؤكد أن الاستقطاب السياسي يؤثر بصورة مباشرة على حرية الإعلام واستقلاليته، إذ تدفع الأجندات السياسية بعض العاملين في المجال الإعلامي إلى تغليب الانحيازات على حساب التحقق من المعلومات والالتزام المهني.

انهيار المؤسسات الإعلامية

كما يربط السليك بين تنامي هذه الظواهر والتراجع الكبير الذي أصاب المؤسسات الإعلامية السودانية خلال الحرب، بعد توقف العديد من الصحف والإذاعات والقنوات، وخروج أعداد كبيرة من الصحفيين من المهنة أو اضطرارهم للبحث عن مصادر دخل بديلة.

ووفقاً لتقديرات نقابة الصحفيين السودانيين، فقد خسر أكثر من 90% من العاملين في القطاع وظائفهم خلال الحرب، وهو ما خلق بيئة أكثر هشاشة أمام محاولات الاستقطاب والتأثير.

واجهات ومكاسب سريعة

وفي السياق، يرى الصحفي طارق عبد الله أن وصف “الأقلام المستأجرة” لا يمكن اعتباره ظاهرة بالمعنى الدقيق، لكنه يشير إلى بروز أشخاص وزملاء على السطح بصورة لافتة خلال الفترة الأخيرة.

ويقول إن ما يمكن اعتباره ظاهرة حقيقية هو صعود مجموعة من الأشخاص غير المعروفين في الوسط الصحفي، وبعضهم لا ينتمي أصلاً إلى المهنة، مستفيدين من الظروف السائدة وحالة الاضطراب التي صاحبت الحرب.

اتهامات تهشم الصورة

ويضيف طارق عبد الله أن هذه الظاهرة خلقت إشكاليات داخل الوسط الصحفي، إذ أصبحت الاتهامات المتبادلة بالاستفادة أو الارتزاق لا تقتصر على أفراد بعينهم، بل تنعكس سلباً على صورة الوسط الصحفي بأكمله.

ويرى أن مثل هذه الاتهامات غالباً ما تظهر في سياق التنافس على مصادر المعلومات أو الموارد المالية، وأن أطرافاً مختلفة قد توظفها سياسياً لتحقيق مصالح أو مكاسب معينة.

بين المهنية والدخلاء

ويخلص طارق عبد الله إلى أن ما يشهده الوسط الإعلامي يمثل ظاهرة جديدة لها تأثير واضح على المهنة، وأسهمت في خلق تمايز بين الصحفيين الحقيقيين أو المهنيين من جهة، وبين ممارسين جدد للعمل الإعلامي من جهة أخرى.

ولفت إلى أن بعض الوجوه البارزة حالياً لا تمتلك خلفية صحفية أو معرفة كافية بطبيعة العمل الصحفي وأعرافه المهنية.

تقلّب المواقف والمصالح

من ناحيتها، تقر رئيس تحرير صحيفة “الحياة اليوم” الأستاذة هويدا حمزة بأن الاستقطاب المادي موجود في كل المجالات، بما فيها الوسط الصحفي، حيث تدفع بعض الجهات لأشخاص يكتبون وفق أهوائها.

وأوضحت أن هؤلاء قلة لا يملكون مواقف ثابتة، ويتنقلون بين الحكومة والمعارضة حسب المصلحة، مشبهة حالهم بالأحزاب السياسية المتقلبة التي لا تملك برامج واضحة.

قناعات وخلفيات الاصطفاف

وبشأن وصف وزير الإعلام لإحدى الصحفيات بـ”النائحة المستأجرة”، أكدت هويدا حمزة أن الاتهام غير صحيح وغير منصف.

وأضافت أن دعم الصحفية المقصودة في خلافها مع الوزير نابع من قناعة وطنية، مشيرة إلى أن غالبية السودانيين يدعمون الجيش في هذه المرحلة.

وتساءلت: “لو لم تتلق دعماً مادياً، هل كانت ستقف ضد الجيش؟ بالتأكيد لا”.

انزلاق رسمي إلى الأسافير

وانتقدت هويدا حمزة بشدة رد وزير الإعلام على زميلته عبر فيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي، ووصفته بأنه لا يليق بمنصب وزير.

وقالت إن من واجب الوزير الرد بطريقة محترمة تتناسب مع موقعه الرسمي، بدلاً من النزول إلى مستوى المهاترات والتراشق اللفظي الذي يشبه حديث الناشطين في الأسافير.

وأضافت أن الصحفي من حقه الدفاع عن نفسه مثلما يدافع عن حقوق الناس، أما الوزير فموقعه يلزمه ضبط الخطاب والالتزام بالمهنية.

وتابعت: “إذا كان الوزير يتهم زميلتنا بأنها مستأجرة، فنحن كصحفيين أيضاً يمكننا اتهامه بأنه يدافع عن الجيش من أجل منصب، لكننا لا نشك في وطنيته”.

ملاسنات تبدد معركة الوعي

وختمت هويدا حمزة قائلة إن الرد على الإساءة يكون بضبط النفس واحترام المنصب، مستشهدة بالمثل السوداني: “اللي بيشرط دمورك شرط حريرو”.

وأكدت أن الاتهامات المتبادلة بهذا الشكل غير صحيحة ولا تخدم المصلحة العامة، وتبعد الإعلام عن دوره في الوعي والتنوير، خاصة في هذه المرحلة الحرجة التي تتطلب وحدة الصف الوطني، طالما أن المتشاكسين جميعهم يدعمون الجيش والبلد.

انقسام غرف الأخبار

وفي حديثها عن تأثير الحرب على غرف الأخبار، تقول سعاد الخضر إن الاستقطاب السياسي انعكس بصورة واضحة على التغطيات الإعلامية، حيث انقسمت المؤسسات والعاملون فيها بين مؤيد لهذا الطرف أو ذاك.

وأدى ذلك إلى التركيز على أخبار طرف واحد وإهمال الروايات الأخرى.

ومع ذلك، تنفي وجود توجيهات مباشرة للصحفيين، لكنها تشير إلى وجود ضوابط تتعلق بعدم نشر معلومات عسكرية قد تؤثر على مجريات الحرب أو الأمن القومي.

وهم الحياد المطلق

وترى الخضر أن تجربة الحرب أثبتت أن الحياد الكامل في الإعلام أمر يصعب تحقيقه، إذ إن المؤسسات الإعلامية تتأثر بطبيعة ملاكها ومموليها وسياساتهم.

لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن المطلوب هو الالتزام بالموضوعية والمهنية، وليس الادعاء بوجود حياد مطلق.

تهديد أخلاقيات المهنة

من جانبه، يعتبر الصحفي خالد سعد أن تحول الصحافة إلى أداة لخدمة أجندات سياسية مقابل المال يشكل تهديداً مباشراً لأخلاقيات المهنة ورسالتها الأساسية.

ويرى أن ذلك يقود إلى تراجع ثقة الجمهور في وسائل الإعلام وإضعاف الدور الرقابي والتنويري للصحافة.

ويقترح مواجهة هذه الظاهرة عبر تعزيز الرقابة على المال العام، وتفعيل مواثيق الشرف المهنية، وتوفير التدريب اللازم للصحفيين بما يحصنهم من الوقوع تحت تأثير الضغوط السياسية والاقتصادية.

حملات إلكترونية منظمة

وفي السياق نفسه، يشير صانع المحتوى حاتم علي إلى وجود حملات إلكترونية منظمة على منصات التواصل الاجتماعي تعتمد على حسابات مخصصة لزيادة التفاعل أو مهاجمة أشخاص وجهات بعينها.

كما تعتمد على حسابات وهمية تُدار بأسماء مستعارة.

ويؤكد أن هذه الحملات تستفيد من مجموعات تنسيق موازية عبر تطبيقات المراسلة لتحديد الأهداف وآليات التنفيذ، لافتاً إلى أن بعض الصحفيين والإعلاميين تُوجه إليهم اتهامات بالمشاركة في مثل هذه الأنشطة أو التنسيق معها.

تاريخ الصحافة الصفراء

أما السكرتير الاجتماعي بنقابة الصحفيين السودانيين، وليد النور، فيؤكد أن الاتهامات المتعلقة بالأقلام المستأجرة ليست جديدة.

إذ عُرفت سابقاً بمسميات مثل “الصحافة الصفراء” أو الصحافة التي تخدم أجندات محددة، وهي ممارسات تتعارض مع جوهر العمل الصحفي القائم على خدمة الحقيقة ونقل الوقائع والدفاع عن مصالح المواطنين.

دعاية الحروب والبروباغندا

ويشير النور إلى أن الحروب عادة ما تشهد نشاطاً واسعاً للدعاية والبروباغندا الإعلامية من مختلف الأطراف.

بينما يتمثل الدور الحقيقي للصحافة في الانحياز للحقيقة وللضحايا المدنيين، بعيداً عن الاصطفاف السياسي أو العسكري.

ويضيف أن حالة الاستقطاب الحادة دفعت بعض الإعلاميين إلى مغادرة مربع المهنية والانخراط في معسكرات الصراع، كما أجبرت آخرين على التواري خشية التصنيف والتخوين.

رصد التجاوزات المهنية

وأوضح النور أن النقابة تواصل رصد التجاوزات المهنية عبر سكرتارية الحريات ومكتبها التنفيذي، رغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.

كما نظمت ثماني دورات تدريبية متخصصة في التغطية الصحفية أثناء النزاعات، استفاد منها أكثر من 180 صحفياً وصحفية، بهدف تعزيز مبادئ التحقق من المعلومات والالتزام بالمعايير المهنية.

مداميك

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا