شهد الظهير السياسي للجيش السوداني تصدعا إثر انقسام حاد ضرب بنيان الكتلة الديمقراطية، بشأن المشاركة في المشاورات الاستكشافية التي بدأت الأربعاء في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا برعاية الآلية الخماسية الدولية.
وتجسد هذا التصدع في صدور بيانين متناقضين أحدهما يعتذر عن عدم المشاركة والآخر يعلن الحضور والانخراط في الاجتماعات، وهو ما لا يمثلن وفق متابعين، مجرد تباين إجرائي، بل يكشف عن تضعضع “الغطاء السياسي المدني” الذي طالما ناور به القادة العسكريون في الخرطوم لشرعنة تطلعاتهم وإيجاد موازين قوى اصطناعية تحجب انفرادهم بإدارة المشهد العام.
وتأسست الكتلة الديمقراطية، عبر مزيج من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا وقوى عشائرية وجهوية وتقليدية، لتلعب دورا وظيفيا محدداً، وهو توفير ظهير مدني للمؤسسة العسكرية في مواجهة الضغوط الدولية وتطلعات القوى الثورية والمدنية الأخرى.
ومع تطورات النزاع الدامي في البلاد، تحول هذا التحالف إلى الأداة السياسية الأبرز التي يستخدمها الجيش للدفع برؤيته لإنهاء الأزمة بشروطه الخاصة، والادعاء بوجود كتلة عريضة تدعم توجهاته. إلا أن المشهد المرتبك في أديس أبابا اليوم، والمؤتمرات الصحفية المتضاربة لمكونات الكتلة، أثبتا أن هذا الغطاء السياسي هش ومصنوع من توازنات مصلحية قاصرة، وقابل للتشظي بمجرد اصطدامه باستحقاق تفاوضي جاد.
وقبيل انعقاد اجتماعات أديس ابابا، قال مساعد رئيس الكتلة الديمقراطية، مبارك أردول، في مؤتمر صحافي، إن المجموعة المشاركة في الاجتماع تُمثل رسميا الكتلة، وقد تلقت إخطارا بهذا الاجتماع من رئاسة التنظيم.
وشدد أردول على أن الكتلة ملتزمة بالحوار باعتباره المخرج الوحيد للأزمة، ورأى أن الفرصة مناسبة الآن لعقده رغم تباين المواقف، مشيراً إلى أن الحوار من شأنه قيادة البلاد إلى بر الأمان.
الوسطاء الدوليون والإقليميون الذين يبحثون عن توافقات لتشكيل لجنة تحضيرية وإطلاق حوار سوداني شامل، يجدون أنفسهم اليوم أمام وفود منقسمة لا تمثل صوتا واحدا.
وأقرّ أردول بوجود تباين داخل الكتلة حول قضية الحوار، لكنه عاد وأكد أن هياكلها موحدة، وتابع بالقول: “سوف نصل إلى منطقة توافق، وسوف نجلس مع الأعضاء الرافضين للمشاركة في الاجتماع”.
ويقول متابعون إن انقسام الكتلة الديمقراطية أمام الآلية الخماسية – التي تضم الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) – يوجه ضربة موجعة للموقف التفاوضي لمعسكر الجيش.
ويجد الوسطاء الدوليون والإقليميون الذين يبحثون عن توافقات لتشكيل لجنة تحضيرية وإطلاق حوار سوداني شامل، أنفسهم اليوم أمام وفود منقسمة لا تمثل صوتا واحدا، كما أن المشهد الحالي يسقط حجة الجيش بامتلاك حاضنة مدنية متماسكة وقادرة على هندسة حلول سياسية مقبولة، ويُبرز الأزمة البنيوية لتحالفات قامت على المحاصصة وتوزيع النفوذ السلطوي تحت رعاية السلاح.
وتعود جذور الانقسام إلى التباين العميق في طموحات مكونات الكتلة نفسها؛ حيث تبحث الحركات المسلحة عن ضمانات إقليمية تحمي نفوذها ومكتسباتها اللوجستية والميدانية، في حين تخشى فصائل سياسية أخرى داخل التحالف من أن يؤدي المضي أعمق في التماهي التام مع الأجندة العسكرية إلى عزلها دولياً وتبديد مستقبلها السياسي في مرحلة ما بعد الحرب.
ويعكس التنازع الداخلي حول شرعية التمثيل وحجم الوفود المشاركة عجز “الحاضنة المصنوعة” عن الصمود ككيان مستقل، ويظهرها كأدوات تكتيكية تتأثر بأي تغيير في حسابات الربح والخسارة الفردية لقياداتها.
ويترك هذا الانقسام قيادة الجيش في الخرطوم مكشوفة سياسياً أمام المجتمع الدولي في توقيت إقليمي دقيق. فبدلاً من تقديم الكتلة الديمقراطية كبديل متزن وقوي ينافس الكيانات المدنية الأخرى أو التحالفات الموازية، فإن مظهر التشرذم الحالي يمنح القوى الإقليمية والدولية مبرراً إضافياً لتجاوز شروط هذا التحالف وتهميش أطروحاته، بل ويعزز القناعة الدولية بأن الاعتماد على واجهات سياسية مأزومة وموالية للعسكر لا يمكن أن يؤسس لعملية انتقال ديمقراطي حقيقي أو استقرار مستدام في السودان.
وتقدم مجريات اليوم الأول من مشاورات أديس أبابا درسا واضحا حول مصير التحالفات السياسية التي تُبنى لتكون مجرد صدى للمؤسسات العسكرية؛ إذ تؤكد أن غياب الرؤية الوطنية المستقلة والافتراض بوجود غطاء مدني دائم لتمرير الإستراتيجيات العسكرية هما رهانان خاسران.
هذا التفكك لا يضعف شظايا الكتلة الديمقراطية فحسب، بل يسقط القناع المدني عن صراع القوى الحقيقي، واضعاً الوسطاء الدوليين أمام ضرورة التعامل مع المشهد السوداني بجرأة أكبر، تتجاوز الكيانات الواجهية وتبحث عن معايير أكثر شفافية وتوازنا لإنقاذ البلاد من دوامة التفتت المستمر.
العرب
المصدر:
الراكوبة