تشير معلومات حصلت عليها”إدراك”، من مصادر سياسية وإعلامية إلى تصاعد تحركات إقليمية تقودها السعودية لإعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري في السودان، في ظل استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل2023، وهي الحرب التي تسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم وفق تقديرات الأمم المتحدة.
ويأتي هذا الحراك بالتزامن مع زيارة أجراها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى تركيا أمس الثلاثاء، حيث التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أنقرة، في خطوة أثارت اهتماماً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإقليمية، خاصة مع تصاعد الحديث عن تنسيق سعودي ـ تركي بشأن الأزمة السودانية.
تساؤلات حول زبارة البرهان
وبحسب مصادر مطلعة، فإن زيارة البرهان إلى تركيا تأتي ضمن ترتيبات دبلوماسية وأمنية أوسع، يجري العمل عليها خلال الأسابيع الأخيرة، وتشمل مشاورات تتعلق بالتعاون العسكري والتنسيق الأمني وإعادة بناء قدرات الجيش في ظل التطورات الميدانية المتسارعة.
ورغم عدم صدور تفاصيل رسمية كاملة حول طبيعة التفاهمات التي نوقشت خلال الزيارة، إلا أن مراقبين يرون أن اللقاء بين البرهان وأردوغان يحمل أبعاداً تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية، خاصة في ظل الدور التركي المتنامي داخل الملف السوداني خلال الفترة الأخيرة.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن أنقرة تسعى إلى تعزيز حضورها في السودان عبر بوابة التعاون العسكري والأمني، في وقت باتت فيه الطائرات المسيّرة التركية عنصراً مؤثراً في سير العمليات العسكرية، وسط تقارير تتحدث عن استخدامها بصورة متزايدة في عدد من جبهات القتال.
المسيّرات التركية والإنتهاكات
ويرى محللون أن دخول الطائرات المسيّرة إلى الحرب السودانية غيّر بشكل واضح طبيعة المواجهات العسكرية، حيث أدى إلى توسيع نطاق العمليات ورفع تكلفتها الإنسانية، خصوصاً مع تزايد الضربات الجوية في مناطق مأهولة بالسكان.كما تحدثت تقارير ميدانية عن تدمير منشآت مدنية وبنى تحتية حيوية في عدة مدن سودانية نتيجة تصاعد العمليات الجوية، الأمر الذي عمّق معاناة المدنيين وفاقم الأزمة الإنسانية المتدهورة أصلاً بسبب النزوح وانهيار الخدمات الأساسية.وفي المقابل، يرى مراقبون أن التطورات العسكرية الأخيرة فتحت الباب أمام اصطفافات إقليمية جديدة، تسعى من خلالها قوى متعددة إلى حماية مصالحها وتعزيز نفوذها في السودان، الذي يمثل موقعاً استراتيجياً بالغ الحساسية على البحر الأحمر وفي منطقة القرن الأفريقي.
لقاء البرهان مع الإخوان في إسطنبول
وفي موازاة التحركات العسكرية، والدبلوماسية، كشفت المصادر عن ترتيبات لعقد لقاءات في إسطنبول قد تجمع البرهان بشخصيات محسوبة على التيار الإسلامي، بما في ذلك قيادات مرتبطة بالحركة الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين.
ويرى مراقبون أن هذه التحركات قد تعكس عودة تدريجية للإسلاميين إلى واجهة المشهد السياسي بعد سنوات من التراجع العلني عقب سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير في عام 2019، رغم استمرار نفوذهم داخل بعض مؤسسات الدولة والأجهزة العسكرية والأمنية بحسب اتهامات خصوم الجيش.
ومنذ اندلاع الحرب، تكررت اتهامات من أطراف سياسية وقوى مدنية بشأن تنامي تأثير التيار الإسلامي داخل المؤسسة العسكرية، بينما ينفي قادة الجيش وجود أي تحالف سياسي مع الإسلاميين، مؤكدين أن هدفهم الأساسي يتمثل في الحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها.
إلا أن التحركات الأخيرة، قد تشير إلى تحولات جديدة في طبيعة التحالفات التي يجري بناؤها خلف الكواليس، بالتزامن مع تعثر جهود التسوية السياسية وتراجع فرص التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار.
تورط السعودية في الحرب
وتعززت خلال الأشهر الأخيرة الاتهامات الموجهة إلى السعودية بالانتقال من موقع “الوسيط” في الحرب إلى موقع الداعم السياسي والدبلوماسي للجيش السوداني، خاصة بعد التصريحات التي أدلى بها القائد المنشق عن قوات الدعم السريع المعروف بـ«السافنا»، والتي تحدث فيها عن وجود تنسيق ودعم غير مباشر يصب في مصلحة الجيش. ويرى مراقبون أن هذه التصريحات أعادت فتح ملف الدور السعودي في السودان، ليس فقط باعتباره دوراً تفاوضياً عبر منبر جدة، وإنما باعتباره جزءاً من شبكة تحركات إقليمية تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل السودان بما يخدم بقاء المؤسسة العسكرية التقليدية في واجهة السلطة.
ويقول متابعون للشأن السوداني إن الرياض، التي رعت جولات تفاوض متعددة بين الجيش وقوات الدعم السريع، أصبحت أكثر ميلاً لدعم الجيش سياسياً.وبحسب هذه القراءات، فإن السعودية باتت تنظر إلى الجيش باعتباره الطرف الأكثر قدرة على حماية مصالحها الاستراتيجية، سواء المرتبطة بأمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية أو بمستقبل الاستثمارات والنفوذ الخليجي في السودان.
كما تتهم قوى سياسية سودانية الرياض بالسعي إلى إعادة هندسة المشهد المدني عبر استقطاب أحزاب وشخصيات من تحالف «صمود» ودفعها نحو التقارب مع الجيش، في محاولة لتكوين حاضنة سياسية جديدة تمنح المؤسسة العسكرية غطاءً مدنياً في أي تسوية مقبلة.
ويرى منتقدون أن هذه التحركات تعكس رغبة سعودية واضحة في ضمان وجود سلطة سودانية حليفة وقريبة من توجهاتها الإقليمية، بما يحد من فرص صعود قوى سياسية قد تقترب من محاور إقليمية أخرى أو تتبنى مواقف أقل انسجاماً مع المصالح السعودية.
وفي هذا السياق، يعتبر مراقبون أن السعودية لم تعد تتحرك فقط بدافع الوساطة ووقف الحرب، بل باتت لاعباً يسعى للتأثير المباشر على شكل السلطة القادمة في السودان، وعلى طبيعة التحالفات السياسية والعسكرية التي ستدير البلاد بعد انتهاء الحرب، وهو ما يثير تساؤلات متزايدة حول حياد منبر جدة وإمكانية استمرار الرياض كوسيط مقبول لدى جميع الأطراف السودانية.
السودان ساحة تنافس إقليمي ودولي
وخلال العامين الماضيين، تحول السودان إلى ساحة تنافس جيوسياسي معقد تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة تسعى إلى تعزيز حضورها العسكري والاقتصادي على ساحل البحر الأحمر وفي العمق الأفريقي.
ويربط محللون بين التقارب السعودي ـ التركي المحتمل وبين محاولات إعادة موازنة النفوذ داخل السودان، خاصة في ظل التغيرات الميدانية الأخيرة وتبدل موازين القوى على الأرض.
في المقابل، يحذر مراقبون من أن أي تقارب بين الجيش والمحور التركي ـ الإسلامي قد يعيد إلى الواجهة تحالفات ارتبطت بفترة حكم الرئيس السابق عمر البشير، وهو ما قد يفاقم الانقسامات الداخلية ويزيد من حدة الاستقطاب السياسي والعسكري.
كما يخشى منتقدون من أن يؤدي تداخل الأجندات الإقليمية مع الصراع الداخلي إلى إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تنهي معاناة ملايين السودانيين.
مرحلة جديدة من الصراع
ومع استمرار المعارك في عدة جبهات، وتفاقم الأزمة الإنسانية التي دفعت ملايين السودانيين إلى النزوح داخل البلاد وخارجها، تبدو التحركات الإقليمية الأخيرة مؤشراً على دخول الحرب السودانية مرحلة جديدة تتجاوز حدود الصراع الداخلي على السلطة.
ويرى مراقبون أن السودان بات اليوم جزءاً من معادلة إقليمية أوسع تتعلق بإعادة تشكيل موازين النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي استمرار الحرب إلى إنتاج واقع سياسي وأمني جديد سيكون من الصعب احتواؤه مستقبلاً.
إدراك نيوز
المصدر:
الراكوبة