تواجه الجامعات السودانية صعوبات في استقبال الطلاب نتيجة للدمار الواسع الذي طاولها، إلى جانب انعدام الخدمات الأساسية، وعدم توفر بيئة تعليمية آمنة، بينما تتجاهل إداراتها هذا الواقع، وتسعى إلى تنفيذ قرار بدء الدراسة حضورياً.
أصدرت إدارة عدد من الجامعات السودانية قرارات أغلقت بموجبها مراكز التعليم التي أنشأتها أثناء الحرب في خارج البلاد، وألزمت هيئات التدريس بمزاولة العملية التعليمية من داخل مقارها، كما أجبرت الطلاب على العودة إلى مقاعد الدراسة حضورياً. في خطوة تتجاهل الواقع الذي يحيط بمؤسسات التعليم العالي السودانية، وأوضاع الطلاب والأساتذة الذين شردتهم الحرب التي دخلت عامها الرابع.
ومن إجمالي 36 جامعة حكومية في السودان، توقفت الدراسة نهائياً في ثماني جامعات واقعة في إقليمَي دارفور وكردفان منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من أربعة أعوام، من بينها جامعات الضعين، ونيالا، والفاشر، وزالنجي، وجامعة الجنينة، بينما تعمل ثماني جامعات حكومية جزئياً في ولاية الخرطوم، هي جامعة الخرطوم التي تُعد أكبر جامعات البلاد، وجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، وجامعة النيلين، وجامعة أم درمان الإسلامية، وجامعة بحري، وجامعة الزعيم الأزهري، وجامعة السودان المفتوحة، وجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية، بينما نقلت جامعات خاصة أنشطتها إلى خارج السودان، مثل جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا التي انتقلت إلى رواندا.
وتتابع منال: “غالبية طلاب دارفور حالياً لاجئون أو نازحون، ولا تملك أسرهم إمكانات مالية لإرسالهم إلى الخرطوم لمتابعة الدراسة، خصوصاً مع عدم وجود داخليات يقيمون فيها، لذلك سيخسرون فرصهم في التعليم إذا أصرت الجامعات على إغلاق المراكز الخارجية، ووقف الدراسة عبر الإنترنت لإلزام الطلاب بالعودة إلى السودان”.
ويقول أحمد السيد، وهو طالب بجامعة السودان، إن “القرارات الأخيرة لا تراعي الأوضاع الناتجة عن الحرب، وتأثيراتها على الطلاب وأسرهم، وحتى على الأساتذة الذين اضطروا إلى النزوح أو اللجوء كغيرهم من المتضررين. أنا حالياً لاجئ في أوغندا، وكانت الدراسة عبر الإنترنت الحل الأمثل لمشكلتي، بينما إجبار الطلاب والأساتذة على العودة إلى البلاد ليست موفقة، والجامعات تعرف أن الكثير من الطلاب والأساتذة لن يعودوا”.
يدرس محمد أحمد في جامعة الخرطوم، ويقول لـ”العربي الجديد”: “قرار إغلاق المراكز الخارجية وإيقاف الدراسة عبر الإنترنت يفترض أن يسبقه إصلاح الدمار الحاصل، وترميم مباني الجامعات وداخليات الطلاب، ومن ثم استئناف الدراسة حضورياً، لكن مع الأسف تتجاهل الجامعات والحكومة هذا، وترغب في وضع العربة أمام الحصان عبر بدء الدراسة قبل الصيانة، وهذا لا يمكن اعتباره قراراً إدارياً مدروساً، إذ لا يراعي أوضاع الجامعات، ولا أحوال الأسر والطلاب ولا حتى الأساتذة أنفسهم، وسوف يكون كارثياً على التعليم العالي، إذ يحرم الكثير من الطلاب من العودة إلى الجامعة لأن الكثير من الأسر لا تستطيع العودة، ما يجعل الطلاب بين خيارين، إما تجميد العام الدراسي، أو ترك الجامعة نهائياً”.
يقول مدير جامعة النيلين، الهادي آدم لـ”العربي الجديد”: “تعرضت الجامعات لتدمير كبير فقدت على إثره محتويات القاعات والمعامل والمكتبات ومكاتب الأساتذة وداخليات الطلاب، ولا يمكن أن تستعيد قدرتها الكاملة على العمل إلا إذا تلقت دعماً مالياً سخياً من الدولة، لكن هذا الدعم غير متوفر في الوقت الراهن، ما يجعل الجامعات تعتمد على مواردها الشحيحة التي بددتها الحرب”.
ويصف الأستاذ بكلية الآداب في جامعة الخرطوم، ممدوح محمد الحسن، قرار بدء الدراسة من داخل المقر بعد إغلاق المراكز الخارجية بأنه غير منطقي، وقد تترتب عليه نتائج سلبية تمس الجامعة وأعضاء هيئة التدريس والطلاب. ويقول لـ”العربي الجديد”: “تعرضت جامعة الخرطوم التي تضم 17 كلية لأضرار بليغة، وجرى تدمير أجزاء مهمة فيها مثل القاعات الدراسية والمعامل ومكاتب الأساتذة وداخليات الطلاب، كما نهبت الحواسيب، وأتلف الأثاث، وتحولت بعض المباني إلى هياكل تحتاج إلى إعادة بناء، ما يجعل فكرة بدء العملية التعليمية من داخل الحرم الجامعي قبل توفير متطلبات الدراسة الأكاديمية مجازفة لا ترقى إلى القرار المدروس”.
ويوضح: “الأضرار واضحة في كل كليات جامعة الخرطوم، وهي الأكبر بين كل الجامعات السودانية، فقد جرى تدمير كلية الطب في وسط الخرطوم، وتدمير مجمع شمبات الذي يضم كلية الزراعة والإنتاج الحيواني، ومجمع سوبا الذي يضم كلية المختبرات الطبية، مع عدم إجراء أي صيانة في داخليات الطلاب أو سكن الأساتذة. كل ما في الأمر أنهم يقولون إنّ الجامعة تعمل حالياً”.
ويقول مصدر في وزارة التعليم العالي بالسودان لـ”العربي الجديد”، إن “التقييم الأولي الذي وضعته الوزارة يؤكد أن قيمة صيانة الجامعات في مدينة الخرطوم وحدها يكلف نحو 130 مليون دولار، في الوقت الذي تقف فيه الوزارة عاجزة عن توفير مليون دولار واحد”، ويتابع المصدر الذي طلب حجب هويته، أن “الوزارة تركت مهمة الصيانة والتأهيل للجامعات من حساب مواردها الخاصة رغم معرفتها بعدم وجود موارد لدى تلك الجامعات”.
ويؤكد الأستاذ الجامعي آدم يعقوب أن تدهور أوضاع التعليم العالي دفع الكثير من الأساتذة إلى البحث عن فرص عمل خارج السودان، وغالبيتهم ليست لديهم رغبة في العودة بعدما ارتبطوا مهنياً بجامعات عربية أو أجنبية. ويقول لـ”العربي الجديد”: “مرتب الأستاذ الجامعي السوداني لا يكفيه لمدة أسبوع واحد في الشهر، إذ يحصل حامل درجة البروفيسور على أقل من 200 دولار شهرياً، وهو مبلغ لا يساوي قيمة البنزين الذي تستهلكه سيارته للذهاب إلى الجامعة والعودة منها، ومن أجل تحسين هذه الأوضاع دخل الأساتذة في إضراب مفتوح قبل شهرين، وما زالوا في إضرابهم الذي لم تستجب له السلطات الحكومية”.
ويضيف الأكاديمي السوداني: “بدلاً من تحسين أوضاع الأساتذة وتأهيل الجامعات ومراعاة ظروف الأسر والطلاب، صدر القرار بإنهاء النشاط الأكاديمي في الخارج، وإجبار الطلاب على الدراسة حضورياً داخل مقار الجامعات، ما يدلل على أن قرارات الجامعات تصدر بمعزل عن الواقع الاجتماعي والإنساني الذي يعيشه السودانيون، لأن عدداً معتبراً منهم لا يملك القدرة المادية أو الإمكانات التي تتيح له الانتقال إلى الخرطوم أو غيرها من المدن لمواصلة الدراسة حضورياً. متطلبات الجامعات ليست أموراً بسيطة يمكن حلها بيسر، بل هي متطلبات مكلفة للغاية، وتشمل صيانة الداخليات كي تكون جاهزة لاستقبال آلاف الطلاب، وتوفير وسائل النقل، ومواد الإعاشة، وغيرها من المتطلبات التي لا تقبل التأجيل قبل بدء الدراسة”.
وتتفاقم أزمة التعليم العالي نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية والخدمية، ورغم عودة الآلاف من النازحين واللاجئين خلال الأشهر الأخيرة، لكن آلاف الطلاب ما زالوا في عداد اللاجئين والنازحين، وبعضهم يرفضون العودة بسبب الهشاشة الأمنية وانعدام الخدمات، فضلاً عن انتشار العنف المسلح في أجزاء من البلاد، ما يدفع الخبراء إلى اعتبار أن أزمة التعليم العالي السوداني أكبر من الحلول الجزئية، وتحتاج إلى مشروع واضح لاستعادتها عقب توقف الحرب نهائياً.
العربي الجديد
المصدر:
الراكوبة