آخر الأخبار

العائدون إلى الخرطوم يواجهون واقعاً قاسيًا… تكاليف معيشة مرتفعة وخدمات منهارة

شارك

في مدينة أنهكتها الحرب وغيّرت ملامحها حتى باتت بالكاد تشبه نفسها، تبدو عودة آلاف الأسر إلى الخرطوم محاولة شجاعة لاستعادة ما تبقى من حياة طبيعية، لكنها في الوقت ذاته تكشف حجم الانهيار الذي أصاب البنية الاقتصادية والاجتماعية للعاصمة. فالعائدون، الذين أنهكتهم سنوات النزوح واللجوء، يواجهون اليوم واقعًا لا يقل قسوة عمّا تركوه خلفهم: منازل خالية، اقتصاد متداعٍ، وخدمات أساسية بالكاد تعمل، في مشهد يعكس عمق الأزمة التي يعيشها السودان في عامه الرابع من الحرب.

ويقول أحد العائدين إن “أول ما يواجهك في الصباح هو حساب تكلفة البقاء”، مشيرًا إلى أن شراء الحليب وتأمين وجبتين يوميًا وتجهيز إفطار الأطفال يتطلب نحو 50 ألف جنيه سوداني، وهو مبلغ يلتهم جزءًا كبيرًا من دخل الأسر التي فقدت مصادر رزقها. فقرابة مليوني شخص في الخرطوم خسروا أعمالهم في القطاع الخاص، من الشركات والمصارف إلى الأسواق الشعبية والمطاعم والباعة المتجولين، ما جعل العودة إلى العاصمة خطوة محفوفة بالمخاطر الاقتصادية.

وتتراوح تكاليف المعيشة الشهرية للعائدين بين 700 ألف جنيه لمن يخفضون استهلاكهم إلى الحد الأدنى، وأكثر من 1.5 مليون جنيه للعائلات الكبيرة، بينما تصل تكلفة الإيجار والمعيشة معًا إلى مليوني جنيه شهريًا لمن لا يملكون منازلهم. وتقول إحدى السيدات العائدات إلى حي الصحافة إن “العيش في الخرطوم اليوم لا يشبه ما قبل الحرب… الأسعار تضاعفت، والخدمات تراجعت، وكل شيء أصبح مرهقًا”.

وتبدو آثار الحرب واضحة في قلب العاصمة، حيث تحولت المكاتب التجارية التي كانت تشكل مركز النشاط الاقتصادي إلى مبانٍ شبه مهجورة بعد تعرضها للنهب والتدمير خلال فترات سيطرة قوات الدعم السريع. ومع ذلك، تظهر بوادر خجولة للحياة في بعض المناطق مثل شارع الحرية ومحطة جاكسون، حيث عاد بعض التجار لاستئناف أعمالهم رغم ضعف القوة الشرائية وغياب الكثافة السكانية.

ويرى اقتصاديون أن أي انتعاش محدود في وسط الخرطوم يمكن أن ينعكس إيجابًا على عشرات الآلاف من العاملين في النقل والشحن والبيع بالتجزئة، لكنهم يشيرون إلى أن الاقتصاد الخدمي — الذي كان يشكل 53% من اقتصاد الولاية قبل الحرب — لا يزال بعيدًا عن التعافي. أما القطاع الصناعي، الذي كان يمثل 27% من اقتصاد الخرطوم، فقد تعرض لدمار واسع، خاصة في منطقة بحري التي شهدت نهبًا ممنهجًا للمصانع.

وفي ظل هذا الانهيار، تعتمد فئة كبيرة من العائدين على تحويلات السودانيين في الخارج لتغطية نفقات المعيشة، بينما يحاول آخرون العمل في التجارة الصغيرة أو توريد السلع إلى قلب العاصمة. لكن هذه الجهود الفردية تصطدم بواقع اقتصادي هش، وبنية تحتية مدمرة، وخدمات أساسية بالكاد تعمل.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 4 ملايين شخص عادوا طوعًا إلى مناطقهم خلال الأشهر الماضية، معظمهم إلى الخرطوم والجزيرة، رغم استمرار المخاطر الأمنية. وتقول إحدى المسؤولات الأمميات إن بعض العائدين رجعوا بناءً على تقديرات شخصية بتحسن الوضع، بينما عاد آخرون بسبب تدهور أوضاعهم في مواقع النزوح. لكنها تؤكد أن العائدين يواجهون تحديات كبيرة، أبرزها تضرر المنازل وشبكات المياه والكهرباء.

وفي ولاية الجزيرة، عاد مزارعون إلى أراضٍ تضررت فيها أنظمة الري، ما يهدد الموسم الزراعي المقبل. وتتوقع المنظمة الدولية للهجرة أن يعود أكثر من مليوني شخص إضافي إلى الخرطوم خلال العام الجاري، دون وضوح حول قدرة العاصمة على استيعاب هذا العدد.

لكن التحديات لا تقتصر على الاقتصاد وحده؛ فالعطش أصبح جزءًا من الحياة اليومية للعائدين. فمع الانقطاع الطويل للكهرباء، تعطلت محطات المياه، وتحولت الأحياء الطرفية إلى مناطق تعاني من أزمة عطش حادة. ويقول أحد العاملين في نقل المياه إنه يقضي عشر ساعات للحصول على برميل واحد يشتريه بخمسة آلاف جنيه ويبيعه بأربعة أضعاف السعر لتغطية تكاليف النقل.

وتصف إحدى السيدات الوضع بأنه “معاناة مستمرة”، مشيرة إلى أن الأسر تضطر لشراء المياه يوميًا رغم تدهور أوضاعها المعيشية، بينما تشكو بائعة شاي من أن معظم دخلها يذهب لشراء المياه والفحم. وتقول صاحبة مطعم إنها تعمل “لتغطية التكاليف فقط”، بينما يواجه زوجها المرض وأطفالها الدراسة وسط مصروفات متزايدة.

وفي شرق النيل، يشير أحد السكان إلى أن نحو 60 ألف شخص يعانون من أزمة عطش حادة، في ظل ضعف الاستجابة الرسمية واعتماد بعض المناطق على جهود ذاتية لصيانة الآبار. وتقول السلطات إن الأزمة تفاقمت بسبب تذبذب التيار الكهربائي وارتفاع الاستهلاك، وإنها لجأت إلى تشغيل بعض المحطات بالجازولين، بينما تعمل على حفر آبار جديدة في أم بدة.

ومع دخول الحرب عامها الرابع، لم تعد معاناة السودانيين تقتصر على الخوف والنزوح، بل امتدت إلى أبسط مقومات الحياة: الماء، الكهرباء، والغذاء. وبين محاولات استئناف الحياة في الخرطوم والانهيار الواسع للخدمات، يواصل العائدون صراعهم اليومي من أجل البقاء، في مشهد يعكس حجم التدهور الإنساني الذي تعيشه البلاد، ويطرح سؤالًا مؤلمًا حول قدرة العاصمة — رغم كل محاولات العودة — على احتضان حياة طبيعية من جديد.

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا