عبد الله مولود
نواكشوط – “القدس العربي”: في منطقةٍ تتقاطع فيها البنادق مع الأزمات الإنسانية، وتتنازعها الانقسامات العرقية والدينية وتحديات التطرف، اختار أساقفة الكنيسة الكاثوليكية في بوركينا فاسو والنيجر، أن يرفعوا من قلب الفاتيكان خطاباً مختلفاً: “السلام عبر الحوار، والتماسك الاجتماعي عبر التقارب الديني، ومواجهة العنف بلغة التعايش لا بلغة السلاح”.
فقد وجّهوا نداءً جديداً من أجل تعزيز السلام في منطقة الساحل الإفريقي، مؤكدين أن الحوار بين الأديان بات ضرورة استراتيجية لإنقاذ المنطقة من دوامة العنف والتفكك الاجتماعي التي تتسع منذ سنوات.
وجاء هذا الموقف عقب زيارة أساقفة، الفاتيكان، حيث التقوا البابا ومسؤولي الكنيسة الكاثوليكية، وعرضوا أمامهم التحديات الأمنية والإنسانية والدينية التي تواجه بلدان الساحل، خاصة بوركينا فاسو والنيجر، اللتين تشهدان تصاعداً في الهجمات المسلحة وأزمات النزوح.
رفع الأساقفة صلوات “من أجل السلام لشعوب الساحل والعالم أجمع”، في رسالة حملت أبعاداً دينية وسياسية وإنسانية في آن واحد
وخلال قداس أقيم في العاصمة الإيطالية روما بحضور مؤمنين ورجال دين ودبلوماسيين معتمدين لدى الكرسي الرسولي، رفع الأساقفة صلوات “من أجل السلام لشعوب الساحل والعالم أجمع”، في رسالة حملت أبعاداً دينية وسياسية وإنسانية في آن واحد.
ودعا رئيس أساقفة واغادوغو، المطران بروسبير كونتييبو، المسيحيين إلى التحول إلى “علامات حية للأمل” وسط الانهيارات الأمنية والتوترات الاجتماعية التي تضرب المنطقة، مشدداً على أن العنف لا يمكن أن يُواجه بخطابات الكراهية أو “النقاشات العقيمة”، بل عبر ثقافة اللاعنف والتسامح والحوار.
ويعكس هذا الخطاب تحوّلاً متزايداً داخل المؤسسات الدينية في الساحل نحو الانخراط المباشر في جهود الوساطة الاجتماعية، بعدما أصبحت الجماعات المتشددة تستغل الهشاشة الاقتصادية والانقسامات المحلية لتوسيع نفوذها، خصوصاً في المناطق الريفية والحدودية.
وفي هذا السياق، شدد المسؤولون الكاثوليك على أهمية تعزيز الحوار مع المسلمين وأتباع الديانات التقليدية الإفريقية، باعتباره شرطاً أساسياً للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والتعايش داخل مجتمعات الساحل متعددة الهويات.
وأكد أسقف مدينة مرادي في النيجر، إغناطيوس كان-موروم أنيبو، أن اللقاءات مع البابا ركزت على “الشراكة مع الجميع”، سواء مع السلطات الرسمية أو مع المكونات الدينية الأخرى، مضيفاً أن “التماسك الاجتماعي وروح التعايش لا يبنيهما سوى الحوار الدائم”.
وتكتسب هذه الدعوات أهمية خاصة في منطقة الساحل التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أكثر بؤر العنف هشاشة في العالم، حيث تواجه حكومات مالي وبوركينا فاسو والنيجر تمردات مسلحة متشابكة، في ظل تراجع الثقة بالمقاربات العسكرية وحدها.
ومن هنا، تبدو الدعوة الدينية إلى السلام محاولة لإعادة الاعتبار إلى “القوة الناعمة” للمؤسسات الروحية والاجتماعية، عبر بناء جسور الثقة بين المكونات المحلية، والحد من خطاب الكراهية، ومواجهة التطرف بخطاب ديني معتدل وعابر للانقسامات.
كما ناقش الأساقفة خلال زيارتهم مبادرة “الساحل من أجل السلام”، وهي منصة إقليمية تدعمها الكنيسة الكاثوليكية وعدد من القادة الدينيين في غرب إفريقيا، وتهدف إلى بلورة استجابة جماعية للأزمات الأمنية والإنسانية التي تضرب المنطقة.
لم تغب الأبعاد الإنسانية عن خطاب الكنيسة، إذ دعا الأساقفة إلى تكثيف الدعم للنازحين المتضررين من أعمال العنف المسلح
وفي هذا الإطار، استعاد المشاركون مخرجات المنتدى الإقليمي الذي انعقد في مارس/ آذار 2026 في العاصمة المالية باماكو، وأسفر عن إصدار “نداء باماكو” الداعي إلى تعزيز السلام والعيش المشترك بين شعوب المنطقة، بمشاركة قيادات دينية من بوركينا فاسو ومالي والنيجر وساحل العاج وغانا.
ولم تغب الأبعاد الإنسانية عن خطاب الكنيسة، إذ دعا الأساقفة إلى تكثيف الدعم للنازحين المتضررين من أعمال العنف المسلح، في وقت تشير فيه بيانات منظمة “أوكاديس كاريتاس بوركينا” إلى أن عدد النازحين داخلياً في بوركينا فاسو تجاوز مليون شخص.
كما أعلنت الكنيسة الكاثوليكية تنظيم النسخة الخامسة من جائزة الصحافة من أجل السلام والتماسك الاجتماعي في يونيو 2026 بواغادوغو، في خطوة تعكس الرهان على الإعلام كشريك في مواجهة التطرف وتعزيز ثقافة السلم الأهلي.
ويكشف الحراك الديني الجاري في الساحل عن قناعة متنامية بأن الأزمة لم تعد أمنية فقط، بل باتت أزمة ثقة وتفكك اجتماعي وهوية مشتركة. ولذلك، فإن بناء السلام في المنطقة قد لا يمر فقط عبر الجيوش والتحالفات العسكرية، بل أيضاً عبر المساجد والكنائس ومنابر الحوار المجتمعي.
وفي ظل تعثر الحلول السياسية وتفاقم الكلفة الإنسانية، تبدو دعوات رجال الدين اليوم محاولة لإحياء مساحة وسطى بين الدولة والمجتمع، عنوانها: “لا استقرار دائماً في الساحل من دون مصالحة اجتماعية، ولا مصالحة ممكنة من دون حوار ديني وثقافة تعايش عابرة للأزمات والانقسامات”.
تبدو دعوات رجال الدين اليوم محاولة لإحياء مساحة وسطى بين الدولة والمجتمع
غير أن الدعوات المتصاعدة إلى الحوار الديني في الساحل تفتح أيضاً باباً واسعاً للتساؤل حول مدى استعداد الجماعات الإسلامية المتطرفة، خصوصاً الناشطة في منطقة “الحدود الثلاثية” بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، لمراجعة خياراتها العقائدية والعسكرية والانفتاح على مقاربات تقوم على التهدئة والتواصل مع المرجعيات الدينية الأخرى، بما فيها الكنيسة الكاثوليكية. تعقيدات المشهد الميداني وتزايد الضغوط العسكرية والانقسامات الداخلية قد تدفع بعض مكونات هذه الجماعات إلى البحث عن صيغ أقل تصادمية، خاصة مع تنامي الأصوات الإسلامية المحلية الداعية إلى استعادة وسطية الإسلام في المنطقة.
كما أن نجاح بعض التجارب الإفريقية في توظيف الزعامات الدينية والروحية لاحتواء العنف يمنح أنصار الحوار أملاً في إمكانية فتح قنوات تواصل غير مباشرة مستقبلاً، حتى وإن ظلت التنظيمات الأكثر تشدداً مرتبطة بأجندات عابرة للحدود تجعل قبولها بحوار ديني مع المرجعيات الكاثوليكية أمراً بالغ التعقيد في المرحلة الحالية.
القدس العربي
المصدر:
الراكوبة