آخر الأخبار

السودان بين تمدد الإسلاميين وتوازنات الحرب: اختبار حاسم لخيارات البرهان والعلاقة مع إيران

شارك

تتضاعف مخاطر تغلغل وتوغل جماعة الإخوان في السودان والسيطرة على عدة قطاعات حيوية واستراتيجية، لا سيّما الهيمنة الواضحة في الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، إذ إنّ هذا التحالف البراغماتي، تبدو معه نذر انقلاب إخواني محتمل داخل الجيش، الأمر الذي يفاقم من الأوضاع السياسية التي تصل إلى درجة الانسداد بفعل إفشال الجماعة الأم للإسلام السياسي لكافة الحلول السياسية ورفض التسوية، من جهة، واستمرار عسكرة المجال العام وإطالة أمد النزاع، من جهة أخرى، فضلاً عن الوضع الإنساني الصعب والمعقد.

ولم يعد خافياً أنّ الإسناد الإيراني لجماعة الإخوان في السودان ودورها المتنامي في الحرب التي اندلعت بين الجيش وقوات الدعم السريع، تسبب في أزمات عديدة ومتباينة، حيث إنّ الدعم العسكري واللوجستي والتدريب الذي تضطلع به ميليشيا “الحرس الثوري” لكتائب الإخوان المصنفة على قوائم الإرهاب وتزويدها الجيش بالمسيّرات، قد تسبب في جرائم إنسانية بالحرب بفعل استهداف البنى والمنشآت المدنية، الأمر الذي جعل السودان يعيش واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية والحقوقية في العالم خلال السنوات الأخيرة، بحسب توصيف تقارير حقوقية، منها “هيومان رايتس ووتش” والأمم المتحدة.

صراع متعدد الأبعاد

مع استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ نيسان/أبريل 2023 تحولت الأزمة إلى صراع شامل متعدد الأبعاد، امتدت تداعياته إلى المدنيين والبنية التحتية والاقتصاد، وقد نجم عن ذلك ارتكاب انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب. وتشير تقارير صادرة عن منظمات دولية إلى أنّ النزاع في السودان لم يعد مجرد صراع عسكري على السلطة، بل تحول إلى أزمة إنسانية مُركّبة تهدد استقرار الدولة ومصير ملايين المدنيين.

وفق تقديرات الأمم المتحدة، أدى استمرار القتال إلى نزوح ملايين السودانيين داخلياً وخارجياً، في واحدة من أكبر موجات النزوح في العالم حالياً. وقد فرّت عائلات كاملة من مناطق القتال في الخرطوم ودارفور وكردفان، بينما لجأ آخرون إلى دول الجوار في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة. وتُحذر التقارير من أنّ أكثر من 24 مليون شخص داخل السودان يواجهون مستويات متفاوتة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل انهيار سلاسل الإمداد، وتدهور الإنتاج الزراعي، وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة.

ووثّقت منظمات حقوقية دولية نمطاً واسعاً من الانتهاكات بفعل الاعتماد المتزايد على المسيّرات الإيرانية التي تسببت في حدوث القصف العشوائي للمناطق السكنية، واستهداف البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك المستشفيات ومحطات الكهرباء ومخازن الغذاء.

وكشف تقرير حقوقي صادر عن مرصد جبال النوبة لحقوق الإنسان عمّا وصفه بعمليات استيلاء واسعة وممنهجة على ممتلكات المدنيين في مدينة كادوقلي، تم خلالها تحويل مئات المنازل العائدة لنازحين إلى مقار وثكنات لعناصر عسكرية ومجموعات مسلحة.

وبحسب التقرير الذي رصد الانتهاكات الممتدة منذ اندلاع الحرب في نيسان/أبريل 2023 حتى نيسان/أبريل 2026، جرى الاستيلاء على 864 منزلاً واستخدامها مساكن لعناصر عسكرية، إلى جانب مصادرة 219 منزلاً بدوافع سياسية، وتعرّض 96 منزلاً للنهب أو التدمير.

وأوضح المرصد أنّ هذه العمليات نُفذت عبر ما يعرف بـ “الخلية الأمنية”، وهي مجموعة قال إنّها تضم عناصر من الحركة الإسلامية وميليشيات متحالفة معها إلى جانب أفراد من الاستخبارات العسكرية والمخابرات العامة والجيش، مشيراً إلى أنّ هذه الجهات استغلت نزوح السكان بسبب الحرب والمجاعة للاستيلاء على ممتلكاتهم دون إجراءات قانونية.

وأشار التقرير إلى أنّ عمليات نزع الملكية تمّت تحت غطاء “الصالح العام”، واستهدفت بصورة أساسية مدنيين يُشتبه في انتمائهم إلى قوى معارضة، حيث جرى تحويل ممتلكاتهم لصالح عناصر مرتبطة بالفرقة “14 كادوقلي” ومجموعات مسلحة من بينها ميليشيا “البراء بن مالك”.

وأضاف التقرير أنّ هذه المجموعات باتت تفرض نفوذاً واسعاً داخل أحياء في القطاعات الشرقية والغربية والشمالية من المدينة، في وقت أصبحت فيه مساحات واسعة من كادوقلي خالية من سكانها الأصليين نتيجة النزوح المستمر.

واعتبر المرصد أنّ ما يحدث يعكس نمطاً ممنهجاً لمعاقبة السكان وإعادة تشكيل الواقع السكاني في المدينة، محذراً من تداعيات خطيرة على حقوق الملكية والاستقرار المجتمعي في المنطقة.

وأكد التقرير أنّ هذه الانتهاكات تجري في ظل غياب المساءلة القانونية والرقابة المؤسسية، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة لدى المنظمات الحقوقية بشأن استغلال الحرب لترسيخ النفوذ الميداني والسيطرة على ممتلكات المدنيين.

ولم يصدر حتى الآن تعليق رسمي من الجيش السوداني أو الجهات المذكورة في التقرير بشأن الاتهامات الواردة فيه، بينما تتواصل التحذيرات الحقوقية من تفاقم الأوضاع الإنسانية والأمنية في ولاية جنوب كردفان مع استمرار النزاع المسلح في البلاد.

مأساة إنسانية

تصف الأمم المتحدة الوضع في السودان بأنّه “أكبر أزمة نزوح وجوع في العالم”، مع انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم والمياه النظيفة. وقد أدت الهجمات المستمرة بالمسيّرات إلى خروج عدد كبير من المستشفيات عن الخدمة، في وقت تعاني فيه المناطق المتضررة من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، وغياب شبه كامل للطواقم الصحية.

ولذلك، لا يبدو مباغتاً أن تتسع دائرة التململ بين السياسيين والحواضن الاجتماعية والشعبية في السودان ضد الإخوان واستمرار الحرب، وقد ألح التحالف المدني الديمقراطي السوداني “صمود”، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، على ضرورة إنهاء ما وصفه بـ “اختطاف” جماعة الإخوان الإرهابية، ممثلة في حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، لمؤسسات الدولة السودانية، مشدداً على أهمية تفكيك شبكات نفوذها بصورة كاملة وتامة نهائية، ثم مواجهة ما وصفه بـ “مشروع إرهابي تقسيمي” يهدد وحدة البلاد.

وقال التحالف في بيان تزامن مع دخول الحرب السودانية عامها الرابع: إنّ القوى التي تراهن على تفتيت السودان من أجل الوصول إلى السلطة “تراهن على السراب”، مؤكداً أنّ مخططات التقسيم الجارية تقف وراءها “الجهات نفسها التي قادت إلى تقسيم البلاد سابقاً”، في إشارة إلى انفصال جنوب السودان عام 2011 خلال حكم الرئيس السابق عمر البشير.

وشدد التحالف على رفضه أيّ مشاريع تستهدف تمزيق النسيج الاجتماعي أو فرض رؤى إيديولوجية مغلقة قال إنّ الشعب السوداني أسقطها عبر “ثورة ديسمبر”، معتبراً أنّ التنوع الثقافي والاجتماعي في السودان يمثل عقبة أمام ما وصفه بالمشروع السلطوي الضيق للجماعة. في حين طرح البيان مجموعة من المرتكزات للخروج من الأزمة الراهنة، في مقدمتها تأسيس جيش وطني مهني موحد يخضع للسلطة المدنية، ويبتعد عن النشاط السياسي والاقتصادي، ولا يدين بالولاء لأيّ حزب أو فرد. ودعا التحالف إلى وقف فوري وشامل لإطلاق النار، مدعوم بآليات رقابة إقليمية ودولية فعالة، إلى جانب تبنّي مسار شامل للعدالة الانتقالية، يتضمن تسليم المطلوبين إلى المحكمة الجنائية الدولية، وإنصاف الضحايا وتعويضهم.

وفي الوقت ذاته أكد البيان أنّ الحل السلمي والحوار الوطني الشامل يمثلان المخرج الوحيد من دوامة النزاعات، وصولاً إلى “عقد اجتماعي جديد” يقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، بعيداً عن هيمنة أيّ جماعة على مؤسسات الدولة. وختم تحالف “صمود” بيانه بالتأكيد على مواصلة العمل مع القوى المدنية المناهضة للحرب لاستكمال أهداف “ثورة ديسمبر”، ومنع ما وصفه بـ “مشاريع الحرب والتفتيت” التي تهدد بقاء الدولة السودانية، محذراً من انزلاق البلاد إلى سيناريو شبيه بالصومال إذا استمرت الأجندات الإيديولوجية في التحكم بالقرارين العسكري والسياسي.

وفي حديثه لـ (حفريات) يقول المحلل السياسي السوداني محمد المختار: إنّ التحالف الانتهازي بين الإخوان وإيران، وهو تخادم بات واضحاً على المستويين السياسي والميداني في السوداني، باتت أهدافه واضحة و”مفضوحة” على حدّ توصيفه، فالتوجيه الإيديولوجي لنظام الولي الفقيه للصراع في السودان إنّما يعكس رغبته المحمومة في إبقاء الوضع في حالة فراغ وسيولة يحقق من خلالها مصالحه خصوصاً المستجدة والطارئة بعد الحرب في نهاية شباط/فبراير الماضي، لافتاً إلى أنّ دعم الحرس الثوري للإخوان بالجيش السوداني بالمسيّرات وتولي عملية التدريب هو لإحداث تفوق في مواجهة قوات الدعم السريع، غير أنّ واقع الحال يكشف عن جرائم تكبد ثمنها المدنيون، بما يعني نتيجة واحدة هي إطالة أمد الصراع.

ويشير المحلل السياسي السوداني إلى أنّ الحرب في إيران بعد الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإيران وتبعات الحرب المتمثلة في الحصار البحري بمضيق هرمز وامتداداتها على أسعار الطاقة والتجارة الدولية، كشفت عن موقع السودان الطارئ بالنسبة إلى إيران كونها مساحة جيوسياسية شديدة الأهمية والأولوية ضمن حسابات النفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، ليس فقط باعتباره دولة أفريقية بعيدة جغرافياً، بل باعتبارها نقطة تقاطع بين 3 مسارات استراتيجية كبرى: البحر الأحمر، والقرن الأفريقي، ومداخل شرق المتوسط عبر قناة السويس. ويردف: “يُنظر إلى السودان كفرصة جيوسياسية وهي حلقة وصل محتملة في شبكة أوسع من النفوذ الإيراني غير المباشر، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على التموضع الميليشياوي من خلال وكلائها بالمنطقة”.

وتكمن الأهمية الأساسية للسودان في موقعه على الساحل الغربي للبحر الأحمر، مقابل السواحل اليمنية التي تشهد حضوراً قوياً لميليشيا “الحوثي”، بحسب المصدر ذاته، موضحاً أنّ هذا التماثل الجغرافي بين ضفتي البحر الأحمر يمنح السودان قيمة إضافية في أيّ تصور يتعلق بتأمين أو تهديد خطوط الملاحة البحرية الممتدة من مضيق باب المندب جنوباً حتى قناة السويس شمالاً، التي تُعدّ واحدة من أكثر الممرات البحرية حيوية في العالم، حيث يمرّ عبرها جزء كبير من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.

وبالتالي، فالسودان، والحال كذلك، بمثابة مركز لإعادة تشكيل التوازنات البحرية في البحر الأحمر، إذ إنّ السيطرة غير المباشرة على بعض الموانئ أو نقاط العبور اللوجستي يمكن أن تمنح إيران أوراق ضغط استراتيجية في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين، سواء عبر التأثير على أمن الملاحة أو عبر خلق نقاط نفوذ قريبة من مسارات التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.

ويختتم المحلل السياسي السوداني حديثه قائلاً: إنّه “لا يمكن فصل هذه المقاربة عن طبيعة التنافس الإقليمي الأوسع في المنطقة، حيث تتداخل حسابات إيران مع أدوار قوى أخرى فاعلة في السودان والبحر الأحمر، مثل إسرائيل وقوى إقليمية وغربية أخرى، بما يجعل الساحة السودانية ضمن شبكة معقدة من التوازنات لا تقتصر على البُعد العسكري فقط، بل تمتد إلى النفوذ السياسي والاقتصادي وشبكات التحالفات غير الرسمية. وبناءً على ذلك، فإنّ أهمية السودان في الرؤية الجيوسياسية الإيرانية لا تنبع من كونه ساحة منفردة، بل من كونه عقدة ارتباط داخل منظومة أوسع من الجغرافيا السياسية الممتدة من الخليج إلى القرن الأفريقي، مروراً بالبحر الأحمر، وهي منظومة تُعدّ مفصلية وحاسمة على مستوى الأمن الدولي والتجارة العالمية والتنافس بين القوى الكبرى، خصوصاً بعد ما ظهر من نتائج فادحة بفعل أزمة مضيق هرمز”.

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا