آخر الأخبار

“استهداف العقل السوداني”… صحافيون ومحامون وأطباء في دوامة القتل والاعتقال والإخفاء

شارك

مع دخول الحرب السودانية عامها الرابع، تتزايد المخاوف داخل الأوساط المهنية والحقوقية من تحول الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري إلى أحد أكثر ملامح الصراع قسوة واتساعاً، في ظل تزايد أعداد الصحافيين والأطباء والمحامين والمعلمين والعديد من المهنيين الآخرين، الذين اختفوا داخل سجون ومقار احتجاز غير معلومة، دون محاكمات أو إجراءات قانونية واضحة.

وفي أحدث مواقفها، أطلقت تنسيقية النقابات والمهنيين السودانيين نداءً حمل عنوان: “أين الزملاء؟ الحرية لرهائن الكلمة والقانون”، متهمة الأطراف المتقاتلة في السودان بالمسؤولية عن تغييب عشرات المهنيين والنقابيين، ومعتبرة أن استهداف الكوادر المدنية يمثل محاولة لإسكات الأصوات القادرة على التوثيق وكشف الانتهاكات.

أطلقت تنسيقية النقابات والمهنيين السودانيين نداءً حمل عنوان: “أين الزملاء؟ الحرية لرهائن الكلمة والقانون”

ووفق التنسيقية، الحرب لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية، بل امتدت إلى “استهداف العقل السوداني”، عبر احتجاز الصحافيين والمحامين والمعلمين والنشطاء النقابيين في ظروف مجهولة، بما يهدد ما تبقى من مؤسسات المجتمع المدني في البلاد.

الانتهاكات ضد الصحافيين

وتبعاً لنقابة الصحافيين السودانيين، فإن “الوسط الإعلامي كان من أكثر القطاعات تضرراً منذ اندلاع الحرب في أبريل/ نيسان 2023”.

ففي تقرير الحريات الصحافية لعام 2025، أعلنت النقابة توثيق نحو 590 انتهاكاً بحق الصحافيين والمؤسسات الإعلامية منذ بداية الحرب السودانية، بينها حالات قتل واحتجاز واختفاء قسري واعتداءات مباشرة أثناء التغطية.

وحسب التقرير، قتل 32 صحافياً وعاملاً في الإعلام منذ اندلاع الحرب السودانية، 14 منهم خلال عام 2025 وحده، بينما وثقت النقابة 6 حالات اختفاء قسري و9 حالات اعتقال واحتجاز تعسفي، بالإضافة إلى عشرات حالات التهديد والملاحقة والنزوح القسري.

وتقول النقابة إن الصحافيين باتوا يعملون في بيئة “عدائية وخطرة”، خصوصاً في مناطق دارفور والخرطوم والجزيرة، حيث تحولت التغطية الميدانية إلى مخاطرة قد تنتهي بالاختفاء أو القتل.

وخلال الأشهر الماضية، وثقت منظمات إعلامية دولية حالات اختطاف واحتجاز لصحافيين على يد قوات “الدعم السريع”، إلى جانب اعتقالات نفذتها جهات أمنية مرتبطة بالجيش السوداني، وسط غياب أي معلومات دقيقة عن أوضاع بعض المحتجزين.

تعرض الصحافي علاء الدين أبو حربة، للاختطاف من منزله في شرق النيل في الخرطوم، قبل احتجازه في مكان مجهول

وفي واحدة من القضايا التي أثارت اهتماماً واسعاً، تعرض الصحافي علاء الدين أبو حربة، للاختطاف من منزله في شرق النيل في الخرطوم، قبل احتجازه في مكان مجهول والمطالبة بفدية مالية مقابل إطلاق سراحه، وفق ما أعلنته لجنة حماية الصحافيين الدولية.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قلق واسع على سلامة الصحافي معمر إبراهيم، بعد اعتقاله على يد قوات “الدعم” في مدينة الفاشر منذ 27 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

واعتقلت قوات “الدعم” معمر، بعد سيطرة قواتها على الفاشر، حيث بث منسوبوها مقطعاً مصوراً يظهر لحظة احتجازه. وبعدها نشرت مقطعاً آخر يظهر المتحدث باسم قوات “حميدتي” يجري معه ما وصفه بـ”التحقيق” متهماً إياه بتسمية الدعم السريع “ميليشيا”. وما يزال معمر و15 إعلامياً وصحافياً معتقلاً ومختفياً قسرياً في الفاشر، مجهولي المصير، وسط مخاوف على سلامتهم.

الأطباء

ولم تكن الكوادر الطبية بعيدة عن دائرة الانتهاكات. فقد أعلنت اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان ومنظمات حقوقية عن تزايد حالات احتجاز الأطباء والعاملين في القطاع الصحي، سواء داخل المستشفيات أو في منازلهم.

وأوضحت شبكة أطباء السودان أن القطاع الصحي يعد من أكثر القطاعات تضرراً جراء النزاع، حيث أصيب 511 من العاملين في المجال الصحي منذ اندلاع الحرب، فيما لا يزال 84 من الكوادر الطبية رهن الاعتقال، من بينهم 20 محتجزون في سجون بمدينة الفاشر شمال دارفور، بينهم أربع طبيبات، و64 آخرون في سجون مدينة نيالا جنوب دارفور.

أثارت قضية الطبيب عبد الحميد خميس، مدير طبي حوادث مستشفى جبل أولياء، مخاوف واسعة

كما أثارت قضية الطبيب عبد الحميد خميس، مدير طبي حوادث مستشفى جبل أولياء، مخاوف واسعة داخل الوسط الطبي، بعدما ظل مفقوداً لعدة أشهر قبل التأكد من وجوده داخل أحد مراكز الاحتجاز التابعة لقوات “الدعم السريع” في منطقة سوبا جنوبي الخرطوم.

وفي مارس/ آذار 2025، أعلنت منظمة “لجنة العدالة” الحقوقية اعتقال الطبيب والناشط الإغاثي موسى شلعي، الذي كان يعد الطبيب الوحيد المتبقي في محلية القطينة جنوب الخرطوم، محذرة من أن استهداف الكوادر الطبية يفاقم الانهيار الصحي ويترك آلاف المدنيين دون رعاية.

ولم تتوقف الانتهاكات عند الاحتجاز فقط، إذ أعلنت اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان مقتل طبيب الأطفال محمد أحمد علي الصديق داخل منزله في مدينة نيالا، بعد اقتحامه بواسطة قوة مسلحة تتبع لـ”الدعم السريع”، حسب بيان النقابة.

استهداف المدافعين عن الضحايا

وفي القطاع القانوني، تحدثت منظمات حقوقية عن تصاعد استهداف المحامين والنشطاء القانونيين، خصوصاً أولئك الذين يعملون في توثيق الانتهاكات أو تقديم الدعم القانوني للضحايا وأسر المعتقلين.

وأعربت عشر منظمات حقوقية دولية، بينها لجنة العدالة، في بيان مشترك، عن قلقها من الاختفاء القسري للمحامي السوداني خالد عمر الصادق منذ ديسمبر/ كانون 2024، معتبرة أن قضيته تعكس “نمطاً خطيراً” من استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان في السودان.

المحامون يواجهون تهديدات متزايدة تشمل الاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري

وقد أعلنت في فبراير/ شباط 2025 توثيق اختطافه واختفائه منذ 22 ديسمبر/ كانون الأول 2024 بعد اقتياده من أمام منزله في الخرطوم بواسطة عناصر يشتبه بانتمائها لقوات “الدعم السريع”، مطالبة بالكشف الفوري عن مصيره والإفراج عنه دون قيد أو شرط.

وأشارت المنظمات إلى أن المحامي المختفي يعاني من مرض السكري ويحتاج إلى رعاية طبية مستمرة، ما ضاعف المخاوف بشأن سلامته داخل أماكن الاحتجاز غير المعلومة.

وحسب المنظمات، فإن المحامين السودانيين يواجهون تهديدات متزايدة تشمل الاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري، في ظل انهيار مؤسسات العدالة وصعوبة الوصول إلى أماكن الاحتجاز.

من الفصول إلى المعتقلات

أما قطاع التعليم، فقد شهد هو الآخر سلسلة من الانتهاكات التي طالت المعلمين والعاملين في المؤسسات التعليمية، خاصة في مناطق العمليات العسكرية المباشرة.

ووثقت منظمة “لجنة العدالة” اعتقال خمسة معلمين في جنوب دارفور بواسطة قوات الدعم السريع، على خلفية استمرار تلقيهم رواتب من وزارة التربية التابعة للحكومة السودانية.

وثقت منظمة “لجنة العدالة” اعتقال خمسة معلمين في جنوب دارفور بواسطة “الدعم السريع”

وفي حادثة أثارت صدمة واسعة داخل السودان، قتلت المعلمة نادية بلال في منطقة السقاي السروراب شمال الخرطوم، بعد احتجازها بواسطة عناصر من قوات “الدعم السريع”. حيث قامت القوة المسلحة باحتجاز نجلها في وقت سابق، وعندما حاولت الاعتراض على ذلك جرى احتجازها أيضاً، قبل العثور على جثمانها معلقاً على باب منزلها، في حادثة اعتبرها ناشطون واحدة من أبشع الجرائم التي استهدفت الكوادر التعليمية خلال الحرب.

كما أعلنت لجنة المعلمين السودانيين وفاة القيادي التعليمي يوسف الصديق داخل أحد مراكز الاحتجاز بعد شهور من الاعتقال، وسط اتهامات بتعرضه للتعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الرعاية الصحية.

إفراغ السودان من كوادره

وتحذر النقابات السودانية من أن استهداف المهنيين لم يعد مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل أصبح جزءاً من واقع أوسع يهدد البنية المدنية والمهنية في السودان.

وتقول تنسيقية النقابات والمهنيين السودانيين إن تغييب الكوادر المهنية يعني عملياً تغييب الشهود على الانتهاكات، وإضعاف المؤسسات التي يعتمد عليها المجتمع في التعليم والعلاج والتوثيق والدفاع القانوني.

تحذير أممي من تزايد حالات الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري داخل مراكز احتجاز سرية يديرها أطراف الحرب

كما حذرت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن السودان من تزايد حالات الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري داخل مراكز احتجاز سرية يديرها أطراف الحرب، مشيرة إلى تلقيها شهادات تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة وحرمان المحتجزين من التواصل مع أسرهم.

ومع استمرار الحرب واتساع رقعة النزوح والانهيار المؤسسي، تتزايد المخاوف من تحول الاختفاء القسري إلى أداة دائمة لترهيب المجتمع المدني في السودان، وسط مطالب النقابات المهنية المستمرة بالكشف عن مصير المفقودين والمحتجزين، تحت شعار بات يتردد على نطاق واسع داخل الأوساط النقابية: “أين الزملاء؟”.

القدس العربي

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا