رصد وتحليل: إيمان فضل السيد
في منتصف مايو 2025، شكّل مقتل الكاتب الصحفي الطيب محمد الطيب في منطقة الحاج يوسف حدثًا مفصليًا في المشهد العام للحريات الصحفية في السودان، في لحظة كانت فيها بيئة العمل الإعلامي تدخل مرحلة شديدة التعقيد تحت وطأة النزاع المسلح، وتراجع أدوات الحماية، وتفكك مصادر التحقق المهني.
غير أن هذا الحدث، رغم أهميته الرمزية، لا يدخل ضمن نطاق تغطية صحيفة (ديسمبر)، التي كانت في تلك اللحظة في بدايات صدورها. بل يُستخدم هنا على اعتباره مرجعية في سياق قياس المناخ العام الذي تشكلت داخله تجربة الصحيفة خلال عامها الأول.
ومع مرور عام على صدور صحيفة (ديسمبر)، يطرح هذا التقرير سؤالًا مركزيًا يتجاوز مجرد رصد الانتهاكات: كيف عكست الصحيفة واقع الحريات الصحفية خلال الفترة من مايو 2025 إلى مايو 2026؟ وكيف أعادت صياغة هذا الواقع داخل تغطياتها بين الرصد والتحليل والتأطير السردي؟.
خلال هذه الفترة، شهد السودان تصاعدًا متواصلاً في الانتهاكات بحق الصحفيين، شمل القتل والإخفاء القسري والاعتقال والتضييق القانوني والإداري، إضافة إلى حملات التشهير والاستهداف أثناء التغطيات المدنية. غير أن أهمية هذه المرحلة تكمن في كيفية تحويلها إلى مواد صحفية داخل (ديسمبر)، وما إذا كانت قد تعاملت معها كوقائع معزولة أم كمنظومة مترابطة.
العنف المباشر وانكشاف بيئة العمل الصحفي
يتضح من رصد الحالات الموثقة خلال العام أن العنف المباشر ضد الصحفيين ظل أحد أبرز أنماط الانتهاك، حيث سُجلت حالات قتل في سياقات مختلفة من النزاع، أبرزها مقتل الصحفي تاج السر أحمد سليمان في الفاشر في نوفمبر 2025، حيث عُثر عليه داخل منزله في ظل انقطاع الاتصالات وانهيار أدوات التوثيق.
وتكمن خطورة هذا النمط في أنه لا يستهدف فقط الأفراد، بل يُنتج بيئة معلوماتية مشوشة، يصبح فيها التحقق من الوقائع شبه مستحيل، خاصة في المدن التي تشهد عمليات عسكرية متكررة.
في تغطية صحيفة (ديسمبر)، لم تُقدَّم هذه الحالات باعتبارها ملفات مستقلة مكتملة، بل جرى إدراجها ضمن تقارير رصدية عامة تتناول تصاعد العنف ضد الصحفيين، ما يعكس ميلًا نحو “التجميع التحليلي” بدل التوثيق التفصيلي لكل حالة على حدة.
الإخفاء القسري وتحول الانتهاك إلى حالة ممتدة
برز الإخفاء القسري كأحد أكثر الأنماط تعقيدًا خلال العام، خاصة في حالة الإعلامي عصام محمد هارون في أغسطس 2025، الذي شهدت قضيته انتقالات متعددة بين الإخفاء، وتضارب المعلومات حول مكان الاحتجاز، ثم الإفراج المؤقت، يعقبه إعادة اعتقال بعد فترة وجيزة.
هذا النمط يعكس تحول الانتهاك من حدث لحظي إلى حالة زمنية ممتدة، تتغير فيها أوضاع الضحية دون توفر مسار قانوني واضح أو شفافية مؤسسية.
في تغطية (ديسمبر)، أُدرجت هذه الحالة ضمن سياق تجميعي يتعلق بالإخفاء القسري، حيث تم تقديمها إلى جانب حالات أخرى، مع سرد لتطوراتها العامة، دون فصلها كملف مستقل يتابع مسارها حتى نهايته، وهو ما يحدُّ من القدرة على تتبُّع الأثر الكامل للانتهاك.
حرب الروايات وتفكك الحقيقة الإعلامية
تُعد حالة الصحفي معمر إبراهيم في أكتوبر 2025 من أبرز التحولات النوعية في طبيعة الانتهاكات، ليس فقط بسبب اعتقاله، بل بسبب ما رافق قضيته من تضارب معلومات حول مصيره، وصل إلى تداول شائعات عن وفاته داخل المعتقل، قبل نفيها لاحقًا.
هنا تحولت القضية من كونها مجرد انتهاك جسدي أو قانوني، إلى ساحة صراع على “الرواية”، خاصة مع تعدد المصادر وتناقضها في نفس الوقت بشكل يجعل الحقيقة نفسها موضع نزاع.
في تغطية صحيفة (ديسمبر)، تم التعامل مع هذه الحالة بطريقة مختلفة، إذ انطلقت من تحليل الشائعة نفسها، وتتبعت مسار انتشارها ونفيها، ثم ربطتها ببيئة المعلومات الهشة في ظل الحرب، وهو ما يعكس انتقالًا نحو معالجة تفسيرية تتجاوز الخبر التقليدي.
ومع ذلك، لم تستمر التغطية في متابعة الحالة كملف مستقل بعد تفكيكها الأولي، بل ذابت ضمن الإطار العام للرصد.
القمع القانوني وإعادة تعريف الاستهداف
في أبريل 2026، وثّقت صحيفة (ديسمبر) في عددها رقم (52) بلاغات النيابة العامة في بورتسودان ضد عدد من الصحفيين، بينهم رشا عوض، وصباح محمد الحسن، وماهر أبو الجوخ، وشوقي عبد العظيم، بتهم ذات طابع سياسي وأمني.
وقد قُدمت هذه البلاغات ضمن سياق سياسي أوسع يرتبط بتصاعد الملاحقات ضد الأصوات المدنية الرافضة للحرب، مع إيراد موقف نقابة الصحفيين السودانيين الرافض لهذه الإجراءات.
تُظهر هذه الحالة انتقالًا مهمًا في طبيعة الانتهاك، من العنف المباشر إلى استخدام الأدوات القانونية كوسيلة لإعادة ضبط المجال الإعلامي، غير أن التغطية ظلت أقرب إلى عرض الحدث وردود الفعل دون تحليل معمق للأثر البنيوي طويل المدى.
الاستهداف داخل السياق المدني
في مارس 2026، وثّقت الصحيفة حالة اعتقال الصحفية مياه النيل مبارك أثناء تغطيتها لامتحانات المرحلة المتوسطة في محلية جبل أولياء، حيث خضعت لتحقيق استمر 12 ساعة مع تفتيش شخصي وهاتفها المحمول.
وتكمن أهمية هذه الحالة في أنها تكسر الحدود التقليدية لمفهوم “المخاطر المهنية”، حيث لم يعد الاستهداف محصورًا في مناطق النزاع، بل امتد إلى التغطيات المدنية اليومية، ما يعكس اتساع نطاق الاشتباه الأمني تجاه العمل الصحفي.
التدخل الإداري وإعادة التموضع الإعلامي
برزت حالة الصحفية لينا يعقوب، مديرة مكتب قناتي (العربية) و(الحدث)، نموذجاً لتدخل إداري في العمل الإعلامي، إذ صدر قرار بإيقافها قبل أن يتم التراجع عنه في ديسمبر 2025.
وقد تابعت صحيفة (ديسمبر) هذه التطورات في عددها الصادر في 7 ديسمبر 2025، مشيرة إلى إعادة الصحفية إلى عملها بعد تواصل مباشر مع رئيس الوزراء، إلى جانب إبراز التباينات داخل الجهاز التنفيذي حول القرار.
تعكس هذه الحالة تحول القرار الإداري من كونه إجراءً وظيفياً إلى أداة لإدارة العلاقة بين السلطة والإعلام.
الفاشر – مركز الانتهاك المركب في تغطية (ديسمبر)
تمثل مدينة الفاشر المحور الأكثر كثافة في تغطيات صحيفة (ديسمبر) خلال عامها الأول، نجدها خصصت لها تغطيات موسعة في أعدادها الصادرة أواخر 2025 ومطلع 2026، خاصة العدد رقم (32)، الذي تناول تداعيات سقوط المدينة في 26 أكتوبر 2025.
قدمت الصحيفة المدينة بوصفها نموذجًا لانهيار بيئة الحماية المدنية والإعلامية، من خلال الإشارة إلى ما وصفته بـ”مؤشرات إبادة جماعية”، إلى جانب تغطية جلسات مجلس حقوق الإنسان في جنيف، وتقارير بعثة تقصي الحقائق الأممية التي تحدثت عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
على المستوى الإنساني، ركزت التغطية على القصف، واستهداف المستشفيات، وأوضاع النازحين، في سياق انهيار شامل للخدمات.
لكن البعد الأكثر مركزية في تغطية (ديسمبر) تمثل في ملف الصحفيين داخل الفاشر، إذ جرت متابعة اختفاء ما بين 11 إلى 13 صحفيًا، من بينهم معمر إبراهيم، إلى جانب تقارير عن اعتداءات جنسية على صحفيات، ومقتل إعلاميين نتيجة القصف. وفي السياق، وثقت التغطية اغتيال الصحفي الإذاعي أحمد محمد صالح سيدنا، الذي قضى نتيجة القصف المدفعي، في ظل بيئة أمنية متدهورة حالت دون عمليات الإنقاذ أو التوثيق الميداني.
كما سلطت الضوء على حجب الاتصالات والإنترنت باعتباره أداة لإخفاء الجرائم وتعطيل التوثيق، في إطار ما وصفته بمحاولة “إسكات الشهود”.
ويُظهر هذا المحور أن الفاشر لم تُعامل في تغطية (ديسمبر) كحادثة منفصلة، وإنما من منطلق أنها مشهد مركب يجمع بين الانتهاك العسكري والإنساني والإعلامي في آن واحد.
البعد الحقوقي والمطالبة بالتحقيق
دعمت الصحيفة هذا المسار عبر إبراز دعوات نقابة الصحفيين السودانيين والمجتمع الدولي بضرورة فتح تحقيقات عاجلة في الانتهاكات التي طالت المدنيين والصحفيين على حد سواء، مع التركيز على الطابع الممنهج لبعض الجرائم، خاصة تلك المرتبطة بالاستهداف على أسس عرقية أو مهنية.
كما نقلت التغطية مواقف صادرة عن منظمات أممية تؤكد ضرورة التحقيق في الجرائم المحتملة داخل الفاشر، وربطت ذلك بسياق أوسع من المساءلة الدولية حول النزاع في السودان.
قراءة عامة في منهج تغطية صحيفة (ديسمبر)
من خلال النماذج التي تناولها التقرير ونماذج أخرى لم نطرحها، تتكشف مراجعة تغطيات صحيفة (ديسمبر) خلال عامها الأول عن منهج يقوم على المزج بين الرصد التجميعي والتحليل التفسيري، حيث تنطلق الصحيفة غالبًا من حالات فردية قبل توسيعها إلى سياقات عامة.
في حالة معمر إبراهيم ضمن العدد (33) الصادر في 18 ديسمبر 2025، برزت معالجة تحليلية للشائعات وربطها ببيئة “حرب الروايات”.
وفي حالة عصام محمد هارون، ظهر الميل إلى التجميع داخل سياق الإخفاء القسري.
أما في العدد (52)، فقد جرى تناول القمع القانوني ضمن سياق سياسي أوسع مع التركيز على ردود الفعل.
غير أن هذا النهج، رغم قدرته على بناء صورة كلية، ظل محدودًا في جانب المتابعة التفصيلية لكل حالة على حدة، ما يخلق فجوة بين التحليل العام والتوثيق المستمر.
يكشف تحليل تغطيات (ديسمبر) لأحداث الفاشر عن منهج يجمع بين الرصد التجميعي والتحليل التفسيري، حيث تنطلق من الحالات الفردية نحو بناء سياقات عامة.
في بعض الحالات، مثل معمر إبراهيم، اتجهت التغطية إلى التحليل السردي لظاهرة “حرب الروايات”، بينما في حالات أخرى بقيت أقرب إلى العرض الإخباري.
غير أن هذا النهج، رغم قوته في بناء الصورة العامة، يظل محدودًا في المتابعة التفصيلية المستمرة لكل حالة على حدة.
حصيلة العام
تكشف حصيلة العام الأول من صدور صحيفة (ديسمبر) أن الانتهاكات ضد الصحفيين في السودان لم تعد أحداثًا معزولة، بل تحولت إلى بنية متعددة المستويات تشمل العنف المباشر، والإخفاء القسري، والتضييق القانوني، والاستهداف داخل السياقات المدنية، وصولًا إلى إعادة تشكيل الرواية الإعلامية نفسها.
وفي المقابل، تُظهر تغطية (ديسمبر) لهذه الانتهاكات تطورًا واضحًا في المزج بين الرصد والتحليل، وقدرة على ربط الأحداث بسياقاتها السياسية والإعلامية، غير أن هذا التطور ظل في كثير من الأحيان أقرب إلى التأطير العام منه إلى المتابعة التفصيلية المستمرة لكل حالة.
وفي موازاة هذا المشهد، برز حدث رمزي مهم تمثل في فوز نقابة الصحفيين السودانيين بجائزة اليونسكو لحرية الصحافة لعام 2026، والذي تزامن إعلانه مع اليوم العالمي لحرية الصحافة 3 مايو، وهو ما قامت الصحيفة بتغطيته عبر منصاتها الرقمية، إلى جانب نشر برقية تهنئة لنقابة الصحفيين بالمناسبة.
ويطرح هذا التزامن بين الاعتراف الدولي بحرية الصحافة واستمرار الانتهاكات الموثقة ميدانيًا مفارقة أساسية: بين خطاب عالمي يكرّس أهمية حماية الصحافة، وواقع محلي يعيد تعريف حدودها يومًا بعد يوم.
وبذلك، حريٌّ بنا ألا نطرح سؤال مستقبل الحريات الصحفية بشكل بسيط حول التحسن أو التراجع، وإنما بصورة أعمق تعكس قدرة المجال العام نفسه على إنتاج صحافة مستقلة وآمنة في ظل استمرار الصراع وتعدد مراكز القوة.
ديسمبر
المصدر:
الراكوبة