آخر الأخبار

حرب السودان: لعبة "صكوك الغفران" العسكرية.. هل تنجح استراتيجية الانشقاق في تفكيك الدعم السريع؟

شارك

الخرطوم: الراكوبة

في بلدٍ لطالما صِيغت خارطته السياسية ببنادق السياسة وسياسة البنادق، يبدو أن الجيش السوداني وحلفاءه قرروا إشهار سلاحٍ جديد في وجه قوات الدعم السريع؛ سلاح لا يُطلق الرصاص، بل يَعِد بالسلامة والمستقبل. إنها “سياسة الاستقطاب والانشقاق”، المقايضة الأقدم في تاريخ الحروب الأهلية: “تخلَّ عن سلاحك اليوم، لتحتفظ بحياتك، ونفوذك، وثروتك غداً”.

هذه الاستراتيجية البديلة، التي تأتي في وقت تشهد فيه الجبهات جموداً عسكرياً تارة وتصعيداً دامياً تارة أخرى، تطرح تساؤلاً جوهرياً يتردد في أروقة مراكز القرار الدولي: هل يمكن للوعود الأمنية والسياسية أن تفتت تماسك قوة شبه عسكرية بُنيت على الولاء القبلي والمنافع الاقتصادية المشتركة؟

الصفقة المعروضة

تشير مصادر داخل الجيش، وحلفاءه إلى استخدام سياسة جديدة لجذب انتباه وانشقاق قادة الدعم السريع وذلك بنقل وعود الاعفاء التقليدي الذي ظل يطلقه قائد الجيش، ب منح مزيد من الامتيازات مثل منح الأموال واسترداد الممتلكات والانضمام للتحالف بين الجيش والحركات المسلحة.

وفي هذا السياق يقدم جوهر العرض للجيش وحلفاؤه مجرد “العفو العام” التقليدي. إنه أشبه بـ “صك غفران” شامل يرتكز على ثلاثة أعمدة رئيسية تتمثل أولاً في الحماية الأمنية المباشرة: ضمان عدم الملاحقة العسكرية الفورية وتوفير ممرات آمنة للمنشقين وعائلاتهم.

وثانياً توفير الغطاء السياسي عبر وعود بدمج الكتل المنشقة أو القيادات المؤثرة في أي ترتيبات سياسية لمرحلة ما بعد الحرب، مما يضمن لهم مقعداً على طاولة المستقبل بدلاً من الإقصاء.

كما تمنح السياسة الجارية ثالثاً للمنشقين الحصانة المالية والتنظيمية، ولعل هذا هو البند الأكثر جاذبية بحسب المراقبين، حيث يُمنح المنشقون ضمانات بعدم المساس بممتلكاتهم وأصولهم التي تراكمت طوال سنوات النفوذ ، وهي نقطة ضعف جوهرية لعديد من القادة الذين يخشون خسارة ثرواتهم أكثر من خسارة المعركة.

حرب نفسية بامتياز

ويرى مراقبون أن هذه السياسة لا تستهدف فقط زيادة عدد الجنود في صفوف الجيش، بل تهدف بالأساس إلى ضرب الروح المعنوية لقوات الدعم السريع وإحداث شرخ عميق في بنيتها المتماسكة.

وتعتمد قوات الدعم السريع تاريخياً على تحالفات عائلية وقبلية وثيقة. وعندما يرى قائد ميداني أن رفيقه في السلاح قد حسم خياره وحصل على ممر آمن ومستقبل مضمون لممتلكاته، فإن حتمية الولاء للمركز تبدأ في التآكل. الجيش هنا يلعب على وتر “النجاة الفردية” في مواجهة “الهلاك الجماعي”.

ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية سلاح ذو حدين، إذ تقدم وعود بالاحتفاظ بالممتلكات لجهات شاركت في النزاع قد يثير غضب الشارع السوداني والمنظمات الحقوقية التي تطالب بالمحاسبة والعدالة الانتقالية، مما يضع الجيش في مأزق أخلاقي وسياسي أمام حلفائه المدنيين.

هل يبتلع القادة الطُعم؟

ويمثل المحك الحقيقي لنجاح هذه الخطة يكمن في مدى مصداقية هذه الضمانات على المدى الطويل. ففي ظل بيئة أمنية معقدة وتاريخ طويل من الاتفاقيات المنقوضة في السودان، قد يتردد قادة الدعم السريع في تصديق وعود الجيش.

في حين، يبقى السؤال معلقاً في سماء السودان الملبدة بالغيوم: هل ستنجح هذه المقايضة الذكية في تفكيك آلة الحرب وإجبار قادة الميليشيا على التراجع خطوة إلى الوراء؟ أم أن جاذبية السلطة المطلقة والخوف من الغدر سيجعلان جبهات القتال الخيار الوحيد المتبقي لجميع الأطراف؟.

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا