في تطور لافت على مسار الأزمة، كشفت مصادر مطلعة أن إيران قدمت عبر وسطاء باكستانيين مقترحًا جديدًا إلى الولايات المتحدة يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب، مقابل إرجاء المفاوضات المتعلقة ببرنامجها النووي إلى مرحلة لاحقة، في محاولة واضحة لفصل المسارات التفاوضية.
ويعكس هذا المقترح تحوّلًا مهمًا في التكتيك الإيراني، حيث تسعى طهران إلى تحقيق اختراق سريع في ملف التهدئة عبر التركيز على البعد الاقتصادي والأمني المرتبط بحرية الملاحة، بدلًا من الدخول مباشرة في تعقيدات الملف النووي الذي شكّل لعقود جوهر الخلاف مع واشنطن.
ولم يعد مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، مجرد ممر مائي استراتيجي، بل تحوّل إلى ورقة ضغط مركزية تستخدمها إيران لإعادة تشكيل شروط التفاوض.
وخلال الأسابيع الماضية، أدى إغلاق المضيق إلى اضطرابات كبيرة في الأسواق العالمية، حيث ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ، وتزايدت المخاوف من تعطل سلاسل الإمداد، ما انعكس على معدلات التضخم وتوقعات النمو الاقتصادي عالميًا.
وفي هذا السياق، يبدو أن طهران تحاول توظيف هذه الورقة لتحقيق مكاسب سياسية، عبر تقديم عرض يعيد الاستقرار إلى الأسواق مقابل إنهاء العمليات العسكرية وتخفيف الحصار المفروض على موانئها.
لكن هذا الطرح لا يخلو من حسابات معقدة، إذ تدرك إيران أن استمرار إغلاق المضيق قد يرتد عليها سلبًا، من خلال تعميق عزلتها الاقتصادية والإضرار بعلاقاتها مع شركائها التجاريين، لا سيما في آسيا.
ولذلك، فإن عرض إعادة فتحه يمكن قراءته كمحاولة لإعادة التوازن بين الضغط والتهدئة، دون التخلي عن أدوات النفوذ الأساسية.
وفي المقابل، لم يصدر رد أميركي رسمي حاسم على المقترح، غير أن تصريحات الرئيس دونالد ترامب تعكس تمسكًا واضحًا بشروط أساسية لأي اتفاق، وفي مقدمتها منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
وقد شدد ترامب على أن بلاده مستعدة للتفاوض، لكن ضمن إطار واضح يضمن تحقيق هذا الهدف، معتبرًا أن أي اتفاق لا يتضمن هذا البند “لا جدوى منه”.
طهران تسعى إلى تفكيك الأزمة إلى مراحل. ويُنظر إلى هذا التوجه على أنه مناورة تكتيكية تهدف إلى كسر الجمود ورغبة في كسب الوقت عبر تأجيل الملفات الخلافية الكبرى إلى مرحلة قد تكون فيها موازين القوى مختلفة.
ويضع هذا الموقف المقترح الإيراني أمام اختبار صعب، إذ إن تأجيل الملف النووي – الذي يشكّل جوهر الخلاف – قد لا يكون مقبولًا لدى واشنطن، التي ترى في هذا الملف نقطة الانطلاق لأي تسوية شاملة.
وفي المقابل، تسعى طهران إلى تفكيك الأزمة إلى مراحل، تبدأ بوقف الحرب وفتح المضيق، على أن يتم لاحقًا التفاوض بشأن القضايا الأكثر تعقيدًا، بما في ذلك البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي.
ويُنظر إلى هذا التوجه الإيراني على أنه مناورة تكتيكية تهدف إلى كسر الجمود الحالي، خاصة في ظل فشل جولات سابقة من المحادثات في تحقيق تقدم ملموس. كما أنه يعكس رغبة في كسب الوقت وتخفيف الضغوط الاقتصادية، عبر تأجيل الملفات الخلافية الكبرى إلى مرحلة قد تكون فيها موازين القوى مختلفة.
وفي الأثناء، تتواصل التحركات الدبلوماسية بوتيرة متسارعة، حيث تنقل مسؤولون إيرانيون بين عدة عواصم، شملت سلطنة عمان وباكستان، قبل التوجه إلى روسيا.
وتلعب كل من مسقط وإسلام آباد دورًا محوريًا في الوساطة، مستفيدتين من علاقاتهما المتوازنة مع الطرفين، فيما يضيف الانخراط الروسي بعدًا دوليًا يعكس تعقيد المشهد وتشابك المصالح.
وتشير هذه التحركات إلى وجود إدراك إقليمي ودولي لخطورة استمرار التصعيد، خاصة في ظل التداعيات الاقتصادية الواسعة للحرب. فتعطل الملاحة في الخليج لا يؤثر فقط على الدول المعنية مباشرة، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي بأسره، ما يفسر الاهتمام المتزايد بدعم أي مبادرة قد تفضي إلى تهدئة.
ومع ذلك، تبقى هوة الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران واسعة، إذ لا تقتصر على الملف النووي فحسب، بل تشمل أيضًا قضايا النفوذ الإقليمي ودعم الحلفاء المحليين. فواشنطن تسعى إلى الحد من دور إيران في المنطقة وتقليص قدراتها الصاروخية، بينما تصر طهران على رفع العقوبات ووقف الهجمات الإسرائيلية كشرط أساسي لأي تقدم.
كما يواجه الرئيس الأميركي ضغوطًا داخلية متزايدة لإنهاء الحرب، في ظل تراجع معدلات التأييد الشعبي واستمرار كلفة الصراع اقتصاديًا وسياسيًا.
وفي المقابل، تحاول إيران استثمار قدرتها على التأثير في سوق الطاقة العالمي لتعزيز موقعها التفاوضي، رغم التحديات التي تواجهها داخليًا وخارجيًا.
ويعكس المقترح الإيراني الجديد مزيجًا من البراغماتية السياسية والرهان على عامل الوقت، حيث تسعى طهران إلى تحقيق مكاسب سريعة عبر إعادة فتح مضيق هرمز ووقف الحرب، مع تأجيل الملفات الأكثر تعقيدًا إلى مراحل لاحقة.
وبينما قد يشكل هذا الطرح فرصة لكسر الجمود، فإن نجاحه سيظل مرهونًا بمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة، في صراع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة والاقتصاد، وتبقى نتائجه مفتوحة على جميع الاحتمالات.
العرب
المصدر:
الراكوبة