تقضي عشرات الأسر في كثير من الأحيان أياماً كاملة من دون أي طعام، مما أجبرهم على اللجوء إلى أكل أوراق الأشجار وأعلاف الحيوانات من أجل البقاء على قيد الحياة.
تزايدت في الآونة الأخيرة مستويات الجوع وسط المجتمعات السودانية بسبب أزمة نقص الغذاء نتيجة تراجع الإنتاج الزراعي في مناطق البلاد كافة، إضافة إلى توقف الأعمال اليومية لآلاف الأسر في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار، وكذلك لم يعد حتى كبار الموظفين في القطاعين العام والخاص قادرين على تلبية حاجاتهم المعيشية الأساس اليومية، بعدما فقدت رواتبهم أكثر من 80 في المئة من قوتها الشرائية.
وتشهد أوضاع سكان مناطق النزاع النشطة في السودان تدهوراً مخيفاً بات فيها شبح الموت جوعاً يطارد الآلاف، إذ يحصد سوء التغذية المزمن أرواح المئات نتيجة انعدام الغذاء وإغلاق الطرق، وكذلك نفاد المدخرات المالية وعدم وصول المساعدات الإنسانية. وجراء هذه الأوضاع تقضي عشرات الأسر في كثير من الأحيان أياماً كاملة من دون أي طعام، مما أجبرهم على اللجوء إلى أكل أوراق الأشجار وأعلاف الحيوانات من أجل البقاء على قيد الحياة.
يقول المواطن فيصل أبو إدريس أحد الموجودين في منطقة الصالحة بأم درمان إن “وضع السكان فاق حدود الاحتمال بسبب أزمة توفير الغذاء للأطفال والمسنين، وللأسف كل يوم يمر علينا نصبح أكثر إحباطاً لسوء أحوالنا المعيشية، فكل ما نملكه قمنا بصرفه، وبات شبح الجوع يحاصر مئات الأسر بعد نفاد المدخرات المالية وعدم وجود فرص عمل في الوقت الحالي”.
وأضاف أبو إدريس أن “معظم الجيران وخلال يوم كامل لا يتناولون وجبة واحدة، وبات صعباً عليهم تدبير الحد الأدنى من متطلبات الحياة لأسرهم”.
وأوضح “إن استمر الوضع الحالي لمئات العائلات مع ما سببه من عدم توافر فرص العمل، فإن شظف العيش الذي يهدد الناس حالياً سيتحول قريباً إلى موجة من الجوع”.
من جانبها أشارت مريم عباس التي تسكن مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة إلى أن “آلاف المواطنين يواجهون نقصاً حاداً في الطعام بسبب ارتفاع الأسعار بنسبة تصل إلى 400 في المئة وانهيار سبل العيش، وكذلك نفاد المدخرات المالية، مما جعلهم يبيعون ما تبقى لديهم من ممتلكات للبقاء على قيد الحياة”.
ولفتت عباس إلى أن “عدداً من السكان فقدوا جزءاً كبيراً من أوزانهم بسبب تناولهم وجبة واحدة في اليوم، تُطهى على الفحم في الغالب من العدس أو الفول، ويصعب الحصول عليها يومياً”.
وتابعت “باتت مئات الأسر التي تعتمد كلياً في تدبير سبل عيشها على الرواتب الشهرية مواجهة ومثقلة بالديون، ولم يعد بإمكان أفرادها توفير وتلبية حاجاتهم الضرورية من الغذاء”.
على نحو متصل، أوضح المواطن جمال الفاتح الذي يسكن مدينة الفولة أن “ولاية غرب كردفان يحاصرها الجوع بسبب توقف الأنشطة الزراعية والرعوية، إضافة إلى انقطاع التبادل التجاري مع الولايات الحدودية بسبب إغلاق الطرق وانعدام الأمن، إلى جانب صعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين الذين يتضورون جوعاً بسبب قلة الغذاء”.
ونوه بأن “انعدام الغذاء وارتفاع مستويات الجوع أديا إلى انتشار أمراض سوء التغذية الحاد وسط الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل، مما خلف وفيات عدة”.
ولفت الفاتح إلى أن “السكان يشعرون بالعجز لعدم قدرتهم على توفير الطعام لأطفالهم الذين يستيقظون ليلاً من النوم بسبب الجوع، مما أدى إلى تدهور صحتهم، إضافة إلى نقص المناعة ومشكلة تغذية الأمهات المرضعات”.
على الصعيد نفسه، وصف بشير مختار، وهو أحد الموجودين في منطقة الكرقل بولاية جنوب كردفان الوضع الإنساني بـ”الكارثي”، نظراً إلى فشل الموسم الزراعي وتفشي البطالة وارتفاع معدلات الفقر، مما ترتبت عليه أزمات غذائية وغياب للحلول في الوقت الراهن”.
وبين مختار أن “ضعف إنتاج المحاصيل وعدم توافر الأموال أديا إلى تفاقم الأوضاع المعيشية والإنسانية، وداهم الجوع مناطق عدة في الإقليم وبات من الصعب الحصول على وجبة واحدة في اليوم”.
ونوه بأن “بعض الناس اضطروا إلى أكل أوراق الأشجار المغلية في الماء مع بعض البهارات من أجل سد الرمق، بسبب ارتفاع أسعار الذرة لأرقام قياسية بخلاف الحاجات اليومية الأخرى”.
وناشد المواطن السوداني منظمات الأمم المتحدة العاملة في البلاد بضرورة الانتباه لخطورة الوضع الحالي، والتدخل العاجل لتوفير الإغاثة الإنسانية والمواد الغذائية بصورة خاصة للمواطنين المحاصرين في ولاية جنوب كردفان”.
في غضون ذلك، وصف برنامج الأغذية العالمي الأوضاع في السودان بأنها “أكبر أزمة جوع إنسانية في العالم”، مشيراً إلى أن أكثر من 19 مليون شخص من أصل نحو 45 مليون نسمة يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، في ظل استمرار النزاع وتداعياته الاقتصادية والإنسانية.
وأضاف أن “واحداً من كل أربعة سودانيين يعيش في فقر مدقع بأقل من دولارين في اليوم.
وتضاعفت معدلات الفقر في السودان منذ اندلاع الحرب قبل ثلاثة أعوام، بحيث بات 70 في المئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، بحسب ما أفاد الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان لوكا ريندا.
وأكد ريندا أن معدلات الفقر ترتفع إلى نحو 75 في المئة في مناطق تركز النزاع مثل إقليمي دارفور وكردفان.
وأفاد تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بتراجع متوسط الدخل في السودان إلى مستوى لم يسجل منذ عام 1992، “بينما تجاوزت معدلات الفقر المدقع ما كانت عليه في ثمانينيات القرن الماضي”.
وبحسب التقرير الذي أُعد بالتعاون مع معهد الدراسات الأمنية “قد تعيد الحرب اقتصاد السودان إلى مستويات ستينيات القرن الماضي”، مع احتمال ارتفاع معدلات الفقر المدقع إلى أكثر من 60 في المئة لتشمل 34 مليون شخص إضافي، في حال استمرار النزاع الحالي حتى عام 2030.
ووفق التقرير، خسر السودان ما يقدر بـ6.4 مليار دولار من ناتجه المحلي الإجمالي في عام 2023 وحده، مع شمول الفقر المدقع في العام نفسه نحو 7 ملايين شخص.
في المنحى ذاته، قال المتخصص في الشأن الاقتصادي حسن محيي الدين إن “استمرار الحرب أسهم في تراجع الإنتاج الزراعي وتوقف أنشطة الرعي، وكذلك تسببت سياسات الحكومة الاقتصادية في ارتفاع نسب الفقر والبطالة، مع قفزات كبيرة في أسعار السلع والخدمات، مما جعل الأعباء تقع بصورة أكبر على الشرائح محدودة الدخل”.
وأضاف أن “الصراع المسلح في مناطق النزاع دفع السكان لأتون المجاعة، نتيجة تعطل الزراعة، فضلاً عن استخدام التجويع سلاحاً في الحرب، بما في ذلك التدمير المتعمد للمزارع والأسواق”.
وأوضح محيي الدين أن “المطابخ الخيرية التي يعتمد عليها القادمون من مناطق النزوح وسكان معسكرات الإيواء، باتت عاجزة بصورة متزايدة عن تلبية الحاجات المتنامية، خلال وقت تعوق فيه الخفوض الكبيرة في تمويل الجهات المانحة قدرة وكالات الإغاثة على الاستجابة للحالات الطارئة في إقليمي دارفور وكردفان”.
على صعيد متصل، أظهر تقرير نشرته مجموعة من المنظمات غير الحكومية أن “ملايين في السودان يعيشون على وجبة واحدة فقط يومياً، خلال وقت تتفاقم فيه أزمة الغذاء داخل البلاد وتتزايد المخاوف من انتشارها”.
وقال التقرير الصادر عن منظمة العمل ضد الجوع وهيئة “كير” الدولية ولجنة الإنقاذ الدولية ومنظمة “ميرسي كور” والمجلس النرويجي للاجئين، “في المنطقتين الأكثر نكبة بالصراع، شمال دارفور وجنوب كردفان، لا تتناول ملايين العائلات إلا وجبة واحدة في اليوم”.
وأضاف التقرير “في كثير من الأحيان يمضون أياماً كاملة من دون أي طعام”، مشيراً إلى أن كثراً لجأوا إلى أكل أوراق الشجر وأعلاف الحيوانات من أجل البقاء على قيد الحياة.
اندبندنت عربية
المصدر:
الراكوبة