لم يعد الصراع في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين قوى متنازعة، ولا حتى أزمة سياسية قابلة للحل عبر تسويات تقليدية، بل تحوّل إلى اختبار عميق لبنية الدولة نفسها وحدود قدرتها على الانفصال عن إرثها الأيديولوجي. فكلما اقتربت الأطراف من طاولة التفاوض، برزت حقيقة أكثر تعقيدا: جذور الأزمة لا تكمن فقط في من يسيطر على السلطة، بل في طبيعة هذه السلطة ومن يتحكم في مفاصلها غير المعلنة.
وفي ظل استمرار الحرب في السودان وتعقّد مسارات التسوية السياسية، يبرز عامل بنيوي بات يُنظر إليه بشكل متزايد بوصفه عقدة مركزية في أي حل مستقبلي، وهو نفوذ جماعة الإخوان المسلمين داخل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية.
ويذهب هذا التوجه إلى أن دفع مسار السلام لم يعد مرتبطا فقط بوقف إطلاق النار أو التوافق بين الأطراف المتحاربة، بل بات مشروطا بإعادة هيكلة موازين القوى الداخلية، وفكّ التشابك بين الدولة والشبكات الأيديولوجية التي تراكمت خلال عقود.
مسار السلام في السودان، في صورته الحالية، لا يمكن فصله عن سؤال بنيوي أعمق يتعلق بطبيعة الدولة نفسها
ويعكس هذا التحول في المقاربة إدراكا متناميا لدى فاعلين دوليين وإقليميين بأن الأزمة السودانية ليست مجرد صراع عسكري بين قوات متنافسة، بل هي أيضا صراع على شكل الدولة وطبيعة بنيتها العميقة. فالمؤسسة العسكرية، التي يُفترض أن تكون ركيزة الاستقرار، تعاني من تداخلات سياسية وتنظيمية معقدة، جعلت عملية اتخاذ القرار الأمني والعسكري خاضعة لتوازنات داخلية غير معلنة، تتداخل فيها الولاءات المهنية مع الانتماءات الأيديولوجية.
وفي هذا السياق يأتي تصنيف الولايات المتحدة لجماعة الإخوان المسلمين في السودان كمنظمة إرهابية أجنبية، ليضيف طبقة جديدة من الضغط السياسي والدبلوماسي على الأطراف الفاعلة.
ولا يمكن قراءة هذا القرار فقط بوصفه إجراءً قانونيا أو أمنيا، بل كإعادة تعريف لطبيعة الفاعلين المؤثرين في الحرب، ومحاولة لتضييق هامش الحركة أمام شبكات تعتبرها واشنطن جزءا من معادلة عدم الاستقرار. ومن هنا يصبح ملف الإخوان جزءا من هندسة الحل السياسي، وليس مجرد ملف جانبي.
غير أن الإشكالية الأساسية تكمن في أن نفوذ هذه الجماعة، أو الشبكات المرتبطة بها، لا يقتصر على المجال السياسي العلني، بل يمتد إلى البنية المؤسسية للدولة، بما في ذلك قطاعات داخل الجيش، والأجهزة الإدارية، والاقتصاد الموازي.
ويجعل هذا الامتداد التاريخي عملية الفصل بين الدولة وهذه الشبكات شديدة التعقيد، وتتجاوز بكثير مجرد قرارات سياسية أو إدارية.
ومنذ عقود شهد السودان تداخلاً بين السلطة السياسية والمشروع الأيديولوجي الإسلامي، ما أدى إلى إعادة تشكيل جزء من النخبة العسكرية والإدارية وفق اعتبارات الولاء التنظيمي، إلى جانب، أو بدلاً من، معايير الكفاءة المؤسسية.
ومع تعاقب التحولات السياسية والانقلابات والصراعات، لم يُفكَّك هذا الإرث بشكل جذري، بل أُعيد إنتاجه بصيغ مختلفة، ما جعل تأثيره ممتداً حتى اللحظة الراهنة.
تفكيك التشابك بين المؤسسة العسكرية والشبكات الأيديولوجية لا يُعد خيارا سياسيا قابلا للمساومة، بل شرطا بنيويا لأي استقرار مستدام
ومع اندلاع الحرب الحالية أعادت هذه الشبكات التموضع داخل سياق الصراع، مستفيدة من حالة الفراغ المؤسسي وتعدد مراكز القرار.
وفي ظل غياب سلطة مركزية موحدة داخل الدولة، أصبحت بعض هذه المكونات قادرة على التأثير في مسار العمليات العسكرية، وفي إدارة الموارد، وفي تشكيل التحالفات الميدانية، بما يجعلها جزءا من ديناميكيات الحرب نفسها، وليس مجرد فاعل خارجي عنها.
ويطرح هذا الواقع تحديا مباشرا أمام أي عملية سلام. فالتجارب المقارنة تشير إلى أن وقف النزاعات في حالات مشابهة لا ينجح إذا اقتصر على الترتيبات العسكرية، دون معالجة البنية السياسية والاجتماعية التي تغذي الصراع. وفي الحالة السودانية، يبدو أن أي اتفاق لا يتضمن معالجة مسألة النفوذ الأيديولوجي داخل الدولة سيظل هشا وقابلا للانهيار.
ومن ناحية أخرى، يفرض هذا الملف حساسية عالية على القيادة العسكرية الحالية، التي تجد نفسها أمام معادلة معقدة. فمن جهة هناك ضغوط دولية وإقليمية تدفع نحو إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وفصلها عن أي ارتباطات تنظيمية أو أيديولوجية، ومن جهة أخرى هناك واقع داخلي يتسم بتداخل هذه الشبكات مع بنية الجيش، ما يجعل أي محاولة للفصل السريع محفوفة بمخاطر تفكك أو انقسام داخل المؤسسة نفسها.
وهذا التوازن الهش يفسر جزئيا التردد في اتخاذ خطوات جذرية في ملف الإصلاح المؤسسي، رغم إدراك حجم التحديات. فإعادة هيكلة الجيش في ظل الحرب قد تؤدي إلى فتح جبهات داخلية إضافية، في وقت تعاني فيه الدولة أصلاً من تعدد جبهات القتال والانهيار الاقتصادي.
وعلى المستوى الإقليمي، يزداد المشهد تعقيدا بسبب تباين مواقف القوى الفاعلة تجاه هذا الملف. فبعض الدول ترى أن تفكيك نفوذ الإخوان داخل السودان شرط أساسي للاستقرار، بينما تتعامل أطراف أخرى مع الأزمة من زاوية براغماتية ترتبط بإدارة الحرب وتوازنات النفوذ، وليس بإعادة هندسة الدولة.
وينعكس هذا التباين على صعوبة بلورة موقف دولي موحد يدعم مسار إصلاح شامل.
تفكيك نفوذ الإخوان لا يُطرح كهدف سياسي ضيق، بل كجزء من عملية أوسع لإعادة تأسيس الدولة على أسس مؤسسية جديدة
كما أن وجود علاقات متشابكة بين أطراف إقليمية مختلفة ومكونات داخل السودان يزيد من صعوبة الفصل بين المحلي والإقليمي، ويجعل من الحرب السودانية ساحة تتقاطع فيها مصالح متعددة، بعضها مرتبط بالأمن الإقليمي، وبعضها الآخر مرتبط بصراعات نفوذ أوسع.
وفي ضوء ذلك، يصبح الحديث عن السلام في السودان حديثا عن عملية إعادة بناء عميقة للدولة، وليس مجرد تسوية سياسية بين أطراف متنازعة. فالمسألة تتعلق بإعادة تعريف طبيعة المؤسسات، وإعادة ضبط العلاقة بين الجيش والسياسة، وبين الدولة والتنظيمات الأيديولوجية، وبين الداخل والخارج.
ومن هذا المنظور، فإن تفكيك نفوذ الإخوان لا يُطرح كهدف سياسي ضيق، بل كجزء من عملية أوسع لإعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس مؤسسية جديدة. غير أن تحقيق ذلك يتطلب توازنا دقيقا بين الضغوط الخارجية والقدرة الداخلية على التغيير، وهو توازن لم يتحقق بعد.
ويمكن القول إن مسار السلام في السودان، في صورته الحالية، لا يمكن فصله عن سؤال بنيوي أعمق يتعلق بطبيعة الدولة نفسها. فطالما استمر تداخل السلطة مع الشبكات الأيديولوجية، سيظل أي اتفاق سياسي عرضة للهشاشة.
أما إذا تم الدفع نحو تفكيك هذا التشابك، فقد يفتح ذلك الباب أمام تحول أكثر استقرارا، وإن كان طريقه طويلا ومعقدا ومليئا بالمخاطر السياسية والأمنية.
وفي المحصلة، لا يبدو أن السودان يقف فقط أمام خيار وقف الحرب، بل أمام مفترق طرق تاريخي يتعلق بإعادة تعريف دولته من الأساس. فالتجارب أثبتت أن التسويات التي تتجاهل البنية العميقة للسلطة لا تصنع سلاما دائما، بل تؤجل الانفجار.
ومن هنا، فإن تفكيك التشابك بين المؤسسة العسكرية والشبكات الأيديولوجية لا يُعد خيارا سياسيا قابلا للمساومة، بل شرطا بنيويا لأي استقرار مستدام. غير أن السير في هذا المسار يظل محفوفا بتحديات داخلية وضغوط خارجية متناقضة، ما يجعل السلام في السودان عملية طويلة ومعقدة، تتطلب أكثر من اتفاق… بل تتطلب إرادة لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، قادرة على كسر الحلقة المفرغة بين الحرب والسلطة والأيديولوجيا.
العرب
المصدر:
الراكوبة