لم يكن التاجر وليد أمين يتوقع أن يتعرض للاختطاف داخل نيالا بولاية جنوب دارفور على يد مجموعة مسلحة، غير أن الأمر وقع سريعًا على غرار عشرات الحوادث الأخرى.
قال التاجر وليد أمين لـ”دارفور24″ إن مجموعة تتكون من أربعة أشخاص استدرجته من مخيم كلمة شرقي نيالا بحجة شراء سيارة.
وأوضح أن المجموعة أخبرته بأن السيارة المراد شراؤها توجد في حي الرياض شمالي نيالا، مضيفًا: “طلبوا مني أن نستقل سيارة ونذهب إلى هناك، وعقب وصولنا تحوّل حديثهم من شراء السيارة إلى اقتيادي داخل منزل مهجور، حيث اتهموني بالانتماء لحركة جيش تحرير السودان بقيادة مصطفى طمبور”.
وأفاد بأن المجموعة المسلحة سمحت له بالتواصل مع أسرته، وطالبت بمبلغ 15 مليون جنيه مقابل الإفراج عنه، مع التهديد بالقتل في حال عدم الدفع. وتزامنًا مع ذلك، تمكّن أفراد المجموعة تحت التهديد من الاستيلاء على 12 مليون جنيه من حسابه المصرفي.
لا تُعدّ حادثة اختطاف التاجر وليد أمين استثناءً، إذ نشطت شبكات إجرامية متخصصة في عمليات ممنهجة تستهدف اختطاف التجار ونقلهم بين بلدات ومدن دارفور المختلفة بهدف ابتزازهم بدفع فدية مالية مقابل الإفراج عنهم؛ ولكل عصابة أسلوبها وبصمتها المحددة في تنفيذ عملياتها، من حيث وسائل النقل ومناطق احتجاز المختطَفين.
ووثّقت “دارفور24” أكثر من 12 حالة اختطاف خلال الفترة الممتدة بين أبريل 2025 وأبريل 2026، من بينها ست حالات خلال الأشهر الأربعة الأخيرة.
ترحيل إلى مناطق أخرى
ويُعدّ نقل الضحايا من مدينة إلى أخرى أحد أبرز سمات العصابات الإجرامية التي باتت دليلًا على تطور عمليات الاختطاف التي استهدفت التجار في دارفور.
وهذا ما أكده المواطن موسى آدم من مدينة نيالا لـ”دارفور24″، حيث أشار إلى أن عمليات الاختطاف التي وقعت في المدينة خلال الفترة الماضية نفّذتها عصابات إجرامية ذات أساليب محددة.
وذكر أن بعض العصابات تراقب الضحية بعناية من مكان عمله إلى الحي الذي يقطن فيه، كما تستخدم مركبات دفع رباعي في عمليات الاختطاف، فيما وقعت بعض الحالات بسيارات باص صغير ومركبات صالون.
دفتر شهادات
تحدّث حسين، أحد ضحايا الاختطاف، لـ”دارفور24″ قائلًا إنه يمتلك عددًا من المخابز إلى جانب عمله موزعًا لدقيق الخبز، قبل أن يتعرض لاختطاف.
ويصف ما جرى: “في صباح أحد أيام السبت من شهر مايو الماضي، وقفت مجموعة من المسلحين تستقل سيارة دفع رباعي أمام مخبزي، ونزل أربعة منهم وتوجهوا مباشرةً إلى منزلي المجاور، واقتحموه، فما أن خرجتُ عليهم حتى انهالوا عليّ بالضرب، وأطلقوا وابلًا من الرصاص في الهواء ترويعًا لأسرتي، قبل أن يُقتادوني إلى السيارة بعد تغطية وجهي بقطعة من القماش”.
وأضاف: “نُقلتُ إلى منطقة كبكابية بولاية شمال دارفور، ولم أعرف ذلك إلا بعد فترة من الزمن. ولم يُفرج عني إلا بعد التوصل إلى تسوية مالية؛ فقد طلبوا في البداية 60 مليونًا، وبعد مفاوضات مع أسرتي استقر الأمر على 45 مليون جنيه. وعقب دفع المبلغ نُقلتُ مجددًا إلى نيالا وأُطلق سراحي ليلًا قرب سوق المواشي، وكنتُ في حالة من اللاوعي جراء مضاعفات مرض السكري”.
وفي السياق، تحدّث ضحيةٌ آخر فضّل عدم الإفصاح عن اسمه لدواعٍ أمنية، مشيرًا إلى أن قوةً مسلحة ترتدي زيًّا مدنيًّا اختطفته من أحد أسواق نيالا قبل عشرة أيام واقتادته إلى جهة مجهولة.
وأوضح أن القوة المسلحة اختطفته مع خمسة آخرين في سيارة صالون بعد تغطية وجوههم بقطع من القماش، ولمدة تقارب الساعتين، قبل تبديل السيارة بأخرى قتالية. وعند وصولهم إلى مكان الاحتجاز في أحد الأودية المحاطة بغابات وجبال، أُدخلوا في خيمة وقُيِّدت أرجلهم بالسلاسل.
وأشار إلى أنهم وجدوا هناك أكثر من عشرة أشخاص آخرين مختطَفين، وطُولبوا جميعًا بدفع فدية مالية مقابل إطلاق سراحهم.
وأفاد أن الخاطفين نهبوا أكثر من 20 مليون جنيه من حسابه البنكي، ثم طلبوا منهم الاتصال بذويهم لإرسال مبالغ إضافية. وأكد أنهم أطلقوا سراحه بعد تحويل المبلغ، فانطلق عشوائيًّا حتى وصل إلى الطريق الرابط بين نيالا وزالنجي بولاية وسط دارفور.
بدوره، قال التاجر عماد يحيى، الذي اختُطف مطلع أبريل الجاري من مكان عمله في كمائن الطوب بمحلية بليل شرق نيالا، إن مسلحين يستقلون سيارة دفع رباعي استدرجوه من مقر عمله بحجة أن شخصًا يعرفه في انتظاره، فلما وصل اقتادوه داخل السيارة وفرّوا به شرقًا باتجاه نيالا، ثم نقلوه إلى إحدى القرى القريبة من وادي أزوم بولاية وسط دارفور، وأُفرج عنه عقب دفع فدية تقدّر بنحو 26 مليون جنيه.
وأوضح أنه تحرّك من القرية إلى أن وصل مدينة زالنجي، ثم تواصل مع أسرته التي حوّلت له مبلغ السفر إلى نيالا.
ومن جهتها، كشفت أسرة التاجر عبدالله خليل لـ”دارفور24″ أن مسلحين يستقلون سيارة دفع رباعي اختطفوه من منزله بحي الدريج شمال شرق نيالا، واتجهوا به نحو جبال أبو عضام وعشمة.
وذكرت أن الخاطفين حين أحسّوا بأنهم مطاردون نقلوا عبدالله إلى إحدى القرى القريبة من مدينة الفاشر، ثم أطلقوا سراحه هناك، فمضى ماشيًا على قدميه إلى أن وصل الفاشر.
تتشابه حالات الاختطاف
بحسب شهادات ضحايا الاختطافات وذويهم ومصادر محلية متطابقة تحدّثت لـ”دارفور24″، فإن الشبكات المنفِّذة لعمليات الاختطاف تتوزع على عدة محاور داخل مدينة نيالا، وتشترك في استخدام سيارات الدفع الرباعي والمركبات القتالية، التي لا تتوفر وفق إفاداتهم إلا لدى عناصر قوات الدعم السريع، وسط اتهامات يوجهها الضحايا للسلطات المحلية متمثلةً في الشرطة الفيدرالية وقوات الدعم السريع، التي عجزت عن تحرير مختطَف واحد من بين جملة البلاغات المقدَّمة في فترات سابقة، ولم تعلّق على هذه الاتهامات.
وتتمركز عدد من هذه العصابات في الجهة الشمالية الشرقية من نيالا، وتتخصص في اختطاف التجار من محلية بليل وأحياء مخيم كلمة وشرق نيالا، وغالبًا ما يُقتاد الضحايا ويُحتجزون في جبال أبو عضام وعشمة بمحلية بليل، ثم يُتواصل مع ذويهم طلبًا للفدية، كما جرى في حادثتَي اختطاف التاجرين حمد وعبدالله خليل في فبراير الماضي.
وأفاد ناجون ومصادر متطابقة لـ”دارفور24″ بوجود عصابات إجرامية في شمال نيالا، وتحديدًا في أحياء الرياض والتضامن، تعمل على استدراج الضحايا واحتجازهم في تلك الأحياء، وأحيانًا تنقلهم إلى مناطق كبكابية وكتم. وهذا النوع من العصابات هو الذي اختطف التجار: وليد أمين في مارس، وكمال الدين يحيى إبراهيم (50 عامًا)، وبدرالدين ود البصير، والحاج آدم يحيى، وعبدالله عبدالرحيم، ومحمد عزالدين دقل.
وتُعدّ هذه العصابات الأكثر نشاطًا في عمليات الاختطاف، ووفقًا لشهادات الضحايا ومصادر محلية، ، حيث تستخدم سيارات دفع رباعي ومركبات قتالية، وتبدأ في الغالب بطلب فدية تصل إلى 100 مليون جنيه، ثم تتراجع عبر المفاوضات إلى ما بين 45 و60 مليونًا، وتُستلم هذه المبالغ عبر التحويل المصرفي بخدمة “بنكك” التابعة لبنك الخرطوم.
وتنشط عصابة في شمال غرب نيالا تنفّذ عمليات الاختطاف داخل المدينة ومحلية بليل، وتنقل الضحايا إلى بلدات ولاية وسط دارفور. وهذه الوقائع تكررت مع التجار: عماد يحيى، وناصر، وبخيت نور الدين آدم، وتاجر آخر يُدعى حسن.
وتتشابه حالات الاختطاف خلال هذه الفترة من حيث أساليب الاستدراج ونهب الحسابات المصرفية، وتتباين في أماكن الاحتجاز ومقادير الفدية؛ فقد دفع التاجران وليد أمين وعماد يحيى فدية في حدود 30 مليون جنيه، بينما دفع مختطَفون آخرون ما بين 45 و60 مليون جنيه.
دارفور 24
المصدر:
الراكوبة