✍🏼أحمد عثمان محمد المبارك
بينما تشتعل نيران الحروب وتتصاعد لغة التخوين في السودان، تبرز شخصية الدكتور عبد الله حمدوك كنموذج يثير الكثير من التأمل، لا كصانع للأزمات، بل كباحث دؤوب عن مخارج للأزمة وسط ركام الدولة المنهكة.
وإذا كان التاريخ يذكر الرئيس المصري الراحل أنور السادات بجرأته في كسر الجمود عندما قال بصوته الجهور حينها سأذهب إلى (آخر الدنيا) من أجل مصلحة مصر وشعب مصر، فإن الراهن السوداني يرى في حمدوك الرجل الذي يحاول ممارسة السياسة بأخلاق الدولة من اجل شعبه وسط غابة من المصالح الضيقة والانقسامات الحادة.
إن توصيف الدكتور حمدوك كرجل دولة بلا منازع ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لمواقف صلبة سجلها التاريخ إبان توليه رئاسة الوزراء في الفترة الانتقالية. ولا تزال الذاكرة السياسية تحفظ له تلك الزيارة الفارقة إلى القاهرة، حين وقف بوضوح وثبات أمام مراكز اتخاذ القرار المصري، متحدثاً بلغة الدولة الواثقة والندية، ومقدماً مصالح السودان العليا برؤية استراتيجية لم تعرف المهادنة في الحقوق الوطنية. تلك اللحظة كانت البرهان العملي على أننا أمام قائد لا يستمد قوته من الصراخ، بل من قدرته على مخاطبة الآخرين بمنطق رجل الدولة الذي يفرض الاحترام ويصنع التغيير.
واليوم، تتجلى هذه الملامح مجدداً في تحركات حمدوك الدبلوماسية، لا سيما بعد مؤتمر برلين وما تبعه من جولات مكوكية لم تتوقف عن طرق أبواب المجتمع الدولي والإقليمي. ولم تكن مجرد تحركات بروتوكولية عابرة، بل محاولة واعية لربط السودان بالعالم مجدداً، ومنع انزلاقه نحو مصير الدولة الفاشلة المنسية. وهنا ظهرت قدرته على صياغة خطاب عقلاني متزن وسط ضجيج الرصاص، انطلاقاً من إدراكه العميق بأن استعادة الوطن لا تبدأ من خنادق القتال، بل من منصات التفاوض التي توفر الغطاء السياسي والمالي اللازم لإعادة الإعمار.
إن ما يميز أسلوب حمدوك الفريد هو تقديمه لمصلحة الوطن على بريق الكاريزما الزائف، فهو لا يبحث عن الهتاف اللحظي بقدر ما يبحث عن الحلول العملية، ويمارس رصانة سياسية ترفض الانجرار إلى المعارك الجانبية. في مشهد سوداني متشظي، ليظل حمدوك هو الشخصية القادرة على مخاطبة كافة الأطراف بلغة واحدة، لإيمانه الراسخ بأن السودان لن يُحكم بعقلية الإقصاء، بل عبر بناء توافقات واسعة تجمع القوى الوطنية حول هدف مشترك، حتى لو كلفه ذلك تحمل سهام التخوين والتشكيك في نواياه.
فالسودان اليوم لا يبحث عن مجرد اسم، بل يبحث عن صفة القيادة التي تمتلك شجاعة القرار وحكمة التوقيت. وفي ظل الدمار الذي طال المؤسسات، تصبح الحاجة إلى عقلية مؤسسية قادرة على كسر المألوف ضرورة وجودية لا ترفاً سياسياً، وقد أثبتت التجربة، من القاهرة إلى برلين، أن الرجل مستعد لأن يكون جسر العبور للمستقبل، واضعاً مستقبله السياسي على المحك في سبيل استقرار السودان وفاهية شعبه، وهو ما يجعله الشخصية الأكثر تأهيلاً ليتوافق حولها السودانيون جميعا في مرحلة ما بعد الحرب.
واخير أقول إن لقب (رجل دولة) لا يُمنح كجائزة، بل يُنتزع بالثبات على المبادئ الوطنية وسط العواصف. وما يقوم به حمدوك اليوم هو إعادة تعريف للمسؤولية الوطنية التاريخية؛ مبرهنت على أن الشجاعة الحقيقية تكمن في القدرة على الذهاب إلى (أي مكان) إذا كان ذلك يضمن توقف النزيف ويحفظ كرامة الشعب السوداني ويعود السودان إلى مكانه الطبيعي بين الأمم.
سكاي سودان
المصدر:
الراكوبة