✍🏼بقادي أحمد عبدالرحيم
استقالة الرفيق الدكتور عبدالباقي شحتو من عضوية المجلس العدلي المختص بتكوين السلطة القضائية لحكومة السلام والوحدة لا يمكن اعتباره حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه ببيان توضيحي بارد وهذا إن وجد اصلا!! ، أو بتبريرات إدارية مستهلكة، ولكن يمكن اعتباره جرس إنذار عالٍ(ومجلجل) يكشف عن خلل بنيوي يتسرب بهدوء إلى جسد مشروع التأسيس، ويهدد بتحويله من مشروع جامع إلى منصة مغلقة تُدار *بعقلية الشلليات والمحاصصات الضيقة*
هذه الممارسة القديمة المتجددة (كثقافة المدارس الدكتاتورية التي نشأوا داخلها وتعلموا منها) تطرح سؤالًا اتمنى أن يجيب عليها (الشلة إياها) *كيف يمكن لمشروع يسعى إلى تفكيك دولة التمكين وإعادة بناء مؤسسات على أسس العدالة والكفاءة، أن يقع في ذات فخ المحاباة والانفراد بالقرار؟ (ولا دي بلطجة سياسية منكم ساي وقلة تأدب مع الشعب الهامشكاوي)*
إن أخطر ما في الأمر ليس فقط إقصاء الكفاءات، بل ضرب مبدأ الشفافية في الصميم فالترشيحات التي يفترض أن تُبنى على معايير واضحة ومعلنة، أصبحت تُدار في غرف مغلقة، وفق توازنات شخصية وعلاقات داخلية، ما يفتح الباب واسعًا أمام إعادة إنتاج نفس الأزمة التي خرج الناس ضدها في ثورة ديسمبر وقبلها قاتل رجال كثر عبر دروب نضالية شتى لإعادة صياغة المفاهيم المغلوطة والتخلص من دولة الاحتكار والفصل العنصري وربائبهم لبناء سودان لجميع السودانيين.
*فاستقالة الرفيق الدكتور شحتو، ،لم يكن انسحابًا فرديًا كما عبرها عنها هو في بيانه الصادر يوم أمس ، بل أجده موقفاً سياسياً وأخلاقياً يفضح هذا الانحراف بوضوح* لا يمكن أن نؤسس لعدالة عبر أدوات غير عادلة، ولا أن نبني سلطة قضائية مستقلة عبر قرارات مسيسة ومحتكرة(في ناس بتحترم انفسها وبتقدر شعوبها ولن تلهس وراء مناصب ويكونوا عويش ساي وفترينات لتمرير تعيناتكم وإدخال ناسكم الاخترتوهم في جلسات سمر)… .
لكن الأزمة لا تقف عند حدود السلوك التنظيمي داخل التحالف، بل تمتد إلى النصوص المؤسسة نفسها(وقد انتقدتها من قبل عبر تسجيل صوتي لم يسعفني فيه الزمن لشرحه بصورة أوسع ولن اشرحه) ، وعلى رأسها مشروع الدستور الانتقالي. فالصلاحيات الواسعة الممنوحة لرئيس الوزراء، دون ضوابط كافية أو توازنات مؤسسية حقيقية، تخلق بيئة مثالية لتغوّل السلطة التنفيذية، وتحويلها إلى مركز احتكار القرار، حتى داخل التحالف وكإشارة طفيفة حتى أنجز ما تبقى من الورقه النقدية؛ إن أي دستور انتقالي لا يضع حدودًا واضحة للسلطات، ولا يؤسس لعلاقة متوازنة بين مؤسسات الحكم، إنما يزرع بذور الاستبداد في تربة المرحلة الانتقالية نفسها ناهيك عن المرحلة ما قبل الانتقالية المفتوحة تلك وما نشهده اليوم هو أحد تجليات هذا الخلل، حيث تتقاطع السلطة التنفيذية و التشريعية(المكونتان بنفس عقلية الفرض وزول الزول) مع البنية التنظيمية للتحالف، لتنتج مركز قرار غير خاضع للمساءلة.
ومن هنا تبرز ضرورة لا تحتمل التأجيل لإنشاء لجنة سياسية نزيهة داخل التحالف، تكون بمثابة العقل الجمعي الضابط لمسار القرار، لا أداة تكميلية لشرعنة ما يُتخذ سلفًا بالمحاباة والشلليات، لجنة تُبنى على معايير الكفاءة والاستقلالية، وتُمثل فيها مختلف مكونات التحالف دون إقصاء، وتُمنح صلاحيات حقيقية في مراجعة السياسات، واعتماد الترشيحات، ومراقبة الأداء التنفيذي للسلطة التشغيلية (يا حبيبنا التعايشي).
*إن وجود لجنة سياسية بهذا الوصف اعلاه شرط أساسي لمنع الانزلاق نحو الفردانية، وكبح تغوّل مراكز القوى غير الرسمية فهي الجهة التي يمكن أن تعيد الاعتبار للمؤسسية، وتضمن أن لا تُختطف القرارات باسم التحالف بينما تُصاغ فعليًا في دوائر ضيقة*.
المطلوب الآن ليس احتواء الأزمة إعلاميًا، بل مواجهتها سياسيًا وتنظيميًا وهذا يقتضي:
*أولًا* فتح ملف الترشيحات داخل التحالف بشفافية كاملة، ومراجعة كل التعيينات التي تمت خارج الأطر المؤسسية.
*ثانيًا* إعادة تعريف دور المقرر وحدود صلاحياته خصوصا بعد أن تم اختياره او اختار نفسه في مجلس الاقاليم، بما يمنع تحول الموقع إلى مركز سلطة فوقي.
*ثالثًا* مراجعة مشروع الدستور الانتقالي، خصوصًا فيما يتعلق بصلاحيات رئيس الوزراء، ووضع آليات توازن ورقابة حقيقية(وفي هذا الصدد شرعنا مع اخرين سلفًا)
*رابعًا* إنشاء لجنة سياسية نزيهة وفاعلة تكون مرجعية حقيقية لصنع القرار داخل التحالف.
*خامسًا* إعادة الاعتبار لمبدأ المشاركة الواسعة داخل التحالف، وكسر احتكار القرار من قبل مجموعات محدودة(ما تقفلوها على 4 تنظيمات وبعض الأفراد العمل ليهم ضلف من أفراد اسرهم) .
إن مشروع التأسيس لا يُقاس بشعاراته وتتحولوا لتجار كلمة، بل بطريقة إدارته وإذا لم تُحسم هذه التناقضات الآن، فإننا لا نؤسس لدولة جديدة، بل نعيد تدوير الأزمة والتربية السياسية القديمة وثقافتها بأدوات جديدة فقط.
استقالة الرفيق الثوري دكتور عبدالباقي بداية مواجهة ضرورية مع الذات. إما أن ينتصر المشروع لقيمه ويستذكر مبادئه، أو يبتلعه ما كان يفترض أن يقاومه.
*هاؤم اقرءوا كتابيه*
المصدر:
الراكوبة