في تصعيد دبلوماسي جديد، سلمت وزارة الخارجية السودانية مذكرة رسمية إلى الحكومة الألمانية تعلن فيها رفضها القاطع لعقد مؤتمر برلين حول السودان بدون مشاركتها، في وقت تتواصل فيه التحضيرات الدولية والإقليمية للمؤتمر المرتقب، وسط انقسام داخلي بين مؤيديه باعتباره منصة إنسانية ضرورية، ومعارضيه الذين يرونه تجاوزاً للسيادة الوطنية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تحركات موازية لقوى مدنية معارضة لعقد اجتماع تحضيري في أديس أبابا، ما يعكس تعدد المسارات المطروحة للتعامل مع الأزمة السودانية المستمرة منذ ثلاث سنوات.
وفي هذا السياق، سلمت سفيرة السودان لدى برلين، إلهام إبراهيم محمد أحمد، مذكرة رسمية إلى وزارة الخارجية الألمانية، نقلت خلالها موقف الحكومة الرافض لعقد مؤتمر برلين من دون التشاور معها أو إشراكها في ترتيباته.
وجاء تسليم المذكرة خلال لقاء جمعها بمديرة إدارة أفريقيا جنوب الصحراء ومنطقة الساحل السفيرة جيسا براوتيغام. وأكدت السفيرة أن أي تداول بشأن السودان من دون إشراك حكومته يمثل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتجاوزاً لسيادة الدول والأعراف الدبلوماسية الراسخة.
كما أعربت عن قلق السودان من دعوة دول متهمة بالتورط المباشر أو غير المباشر في النزاع، مشيرة إلى أن ذلك يقدح في مصداقية المؤتمر ويعزز التدخلات الخارجية التي تسهم في إطالة أمد الحرب وتقويض الأمن والاستقرار في البلاد والمنطقة.
وجددت السفيرة التأكيد على التزام السودان بالحل السلمي العادل والمستدام، وفق خريطة الطريق التي قدمها رئيس مجلس السيادة الانتقالي في آذار/مارس 2025، ومبادرة السلام التي طرحها رئيس الوزراء كامل إدريس أمام مجلس الأمن في كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، باعتبارهما إطارين عمليين لتحقيق السلام. وأكدت استعداد الحكومة للتفاعل الإيجابي مع أي مبادرة جادة تحترم سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه.
ومن المقرر أن تستضيف برلين المؤتمر في 15 نيسان/أبريل، بالتزامن مع الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وهي الحرب التي خلفت أوضاعاً إنسانية كارثية، مع سقوط أعداد كبيرة من الضحايا ونزوح الملايين داخل البلاد وخارجها، إضافة إلى تدهور حاد في الخدمات الأساسية.
ويهدف المؤتمر، وفق الجهات المنظمة، إلى حشد الدعم الدولي للاستجابة الإنسانية في السودان، وإعادة تنشيط الجهود الرامية إلى تحقيق انتقال مدني للحكم. غير أن استبعاد السلطات القائمة فعلياً في البلاد يثير تساؤلات حول فعالية مخرجاته وإمكانية ترجمتها على أرض الواقع.
غير أن هذا الموقف قوبل بانتقادات من قوى مدنية، حيث رأى القيادي في تحالف «صمود» ورئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير أن وصف المؤتمر بأنه يتعارض مع رغبة السودانيين ينطوي على قدر من الالتباس، موضحاً أن المؤتمر في جوهره منصة إنسانية تهدف إلى حشد الدعم لمواجهة الكارثة التي يعيشها السودانيون، وليس لفرض حلول سياسية.
وأشار إلى أن السعي لتوفير الغذاء والدواء والخدمات الأساسية لا يمكن اعتباره عملاً مناقضاً لإرادة الشعب، لافتاً إلى أن محدودية أثر مؤتمري باريس 2024 ولندن 2025 لا تعني التقليل من أهمية إبقاء الأزمة الإنسانية في السودان ضمن أولويات المجتمع الدولي، خاصة في ظل استمرار القتال وغياب وقف إطلاق النار.
وأكد أن الدعوة إلى حلول نابعة من الداخل تظل طرحاً صحيحاً، لكنها تتطلب تهيئة بيئة مناسبة، تشمل وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والإفراج عن المعتقلين المدنيين، مشيراً إلى أن الاكتفاء بالشعارات بدون اتخاذ خطوات عملية يضعف هذا الطرح.
كما شدد على أن رفض التدخلات الخارجية «غير الحميدة» لا يعني رفض الدور الدولي في دعم جهود السلام أو تسهيل عملية سياسية يقودها السودانيون، مذكراً بأن تجارب سابقة شهدت قبول وساطات خارجية لتسوية النزاعات الداخلية.
وكان رئيس الوزراء كامل إدريس قد حذر بدوره من تجاهل حكومته، مؤكداً أن غيابها عن المؤتمر سيقود إلى «فشل تام»، مشدداً على أن أي عملية سياسية مستدامة لا يمكن أن تتم بدون مشاركة رسمية من الدولة.
في موازاة ذلك، تتجه قوى مدنية معارضة إلى تنشيط مسار موازٍ، حيث يستعد تحالف «صمود» بقيادة عبد الله حمدوك للمشاركة في اجتماع تحضيري بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، يهدف إلى مناقشة وقف الحرب وإقرار هدنة إنسانية وصياغة رؤية مدنية مشتركة، تمهيداً لطرحها خلال مؤتمر برلين.
ومن المتوقع أن يركز الاجتماع على قضايا أساسية، تشمل وقف القتال، وإطلاق عملية سياسية بقيادة مدنية، وصياغة بيان مشترك باسم القوى المدنية السودانية لعرضه على المجتمع الدولي.
وفي السياق ذاته، أعلن حاكم إقليم دارفور وقائد حركة جيش تحرير السودان مني أركو مناوي إرسال موفد معني بالشؤون الإنسانية للمشاركة في المؤتمر بصفة مراقب، بهدف متابعة مجريات النقاش عن قرب.
غير أنه أبدى تحفظات على طبيعة الدعوات الموجهة، مشيراً إلى أنها لا تنسجم مع الأجندة المطروحة ولا مع طبيعة الشخصيات المدعوة، معتبراً أن ذلك يعكس توجهاً مقلقاً نحو مناقشة قضايا مصيرية في غياب الأطراف الحقيقية المعنية بالأزمة، الأمر الذي قد يضعف فرص التوصل إلى حلول واقعية ومستدامة.
وتؤكد ألمانيا، من جانبها، أن المؤتمر يأتي في إطار جهود دولية أوسع لدعم السلام وتقديم المساعدات الإنسانية للسودان، في ظل استمرار الحرب التي تكمل منتصف الشهر الجاري عامها الثالث، وما نتج عنها من خسائر بشرية كبيرة ونزوح ملايين الأشخاص وتدهور الأوضاع المعيشية، خاصة في مجالات الغذاء والصحة والتعليم.
ويهدف المؤتمر إلى دعم المبادرات الإقليمية والدولية، وضمان تمويل الاستجابة الإنسانية، وتسهيل وصول المساعدات إلى المتضررين، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تفاقم الأزمة إذا لم يتم اتخاذ خطوات عاجلة لوقف القتال.
وبين رفض الحكومة وتحفظات بعض الفاعلين، مقابل دعم قوى مدنية للمبادرة الدولية، يبدو أن مؤتمر برلين ينعقد في ظل انقسام سوداني واضح حول أولويات المرحلة، ما يطرح تساؤلات جدية بشأن قدرته على تحقيق اختراق حقيقي في مسار الأزمة الراهنة في البلاد.
المصدر:
الراكوبة