آخر الأخبار

في الذكرى 41 لثورة أبريل 1985: حين ينتصر الشارع وتتعثر الدولة

شارك

السفير عادل إبراهيم مصطفى

في كلِّ عام، تعود ذكرى ثورة أبريل 1985، لا بوصفها حدثًا من الماضي فحسب، بل كسؤالٍ مفتوحٍ على الحاضر: كيف لثورةٍ أن تنتصر في الشارع، وتتعثر في الدولة؟ وكيف يمكن لنظامٍ أن يسقط تحت ضغط الجماهير، بينما تبقى البنية التي أنتجته قادرةً على إعادة إنتاج نفسها؟.

بعد واحدٍ وأربعين عامًا، لا تبدو ثورة أبريل مجرد محطةٍ في تاريخ السودان الحديث، بل مرآةً تعكس مأزقًا متكررًا: ثوراتٌ تُسقِط رأس النظام، لكنها تعجز عن اقتلاع الجذور.

واليوم، ونحن في ذكراها الحادية والأربعين، يتجدد السؤال الجوهري: لماذا أخفقت الثورة، رغم زخمها الشعبي الهائل، في إحداث التغيير الحقيقي الذي بشّرت به؟ ولماذا كان سقوط النظام العسكري آنذاك مجرد تغييرٍ في الواجهة، لا في جوهر السلطة؟.

لقد اندلعت ثورة أبريل تعبيرًا عن رفضٍ شعبي شامل لنظام جعفر نميري، خاصة بعد أن بلغت سياسات القمع والتضييق ذروتها، وعلى رأسها قوانين سبتمبر 1983 التي أُلبست زورًا ثوب الشريعة، بينما استُخدمت عمليًا أداةً للهيمنة السياسية وتصفية الخصوم. غير أن المفارقة الكبرى تمثّلت في أن الثورة، على الرغم من نجاحها في إسقاط رأس النظام، لم تتمكن من تفكيك البنية التي أنتجته؛ إذ أعادت “الدولة العميقة” إنتاج نفسها عبر أداتها الأكثر فاعلية: المؤسسة العسكرية.

وهكذا، رحل نميري كشخص، لكن سياساته ومؤسساته، وحتى تشريعاته، ظلّت قائمة، لتتحول الثورة من مشروع تغييرٍ حقيقي إلى مجرد إعادة ترتيب داخل البنية القديمة. وهذا ما يفسّر كيف أمكن للنظام القديم أن يعود لاحقًا بأشكال جديدة، مستفيدًا من بقاء أدواته الأساسية دون مساس.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور الصادق المهدي، بوصفه رئيس الوزراء المنتخب عقب سقوط نظام مايو. فقد كان يُنتظر منه أن يترجم التفويض الشعبي إلى برنامج واضح لتصفية إرث النظام السابق، غير أن مساره اتسم بالتردد والمساومة. فبدلًا من بناء تحالفٍ تاريخي يؤسس لقطيعةٍ مع الماضي، اتجه نحو التحالف مع الجبهة الإسلامية القومية، في خطوة عكست تغليب حسابات التوازنات السياسية على ضرورات التحول العميق.

وتجلّى هذا التردد بوضوح في موقفه من إلغاء قوانين سبتمبر، التي كان قد صرّح قبل توليه السلطة بأنها “لا تساوي الحبر الذي كُتبت به”، لكنه انتهج لاحقًا سياسة المراوحة والتسويف حيالها، ما منحها عمرًا أطول، وكرّس حضورها ضمن البنية القانونية للدولة. ولم يكن ذلك مجرد خطأٍ سياسي عابر، بل تعبيرًا عن عجزٍ أعمق لدى النخبة عن مواجهة الجذور الفكرية والمؤسسية للأزمة.

وإذا ما عدنا إلى ثورة أكتوبر 1964، نجد أنها واجهت المعضلة ذاتها؛ إذ نجحت في إسقاط الحكم العسكري الأول، لكنها أخفقت في تفكيك بنية السلطة، التي ظلّت تحتفظ بشبكات نفوذها داخل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش. وقد وقف هذا الواقع، في أكثر من محطة، عائقًا أمام تطور التجربة الديمقراطية، سواء بفعل تدخل المؤسسة العسكرية المباشر، أو نتيجة تواطؤ بعض النخب السياسية، إلى جانب تأثيرات إقليمية سعت إلى إبقاء السودان ضمن توازنات تخدم مصالحها.

ومن هنا، فإن ما جرى في أبريل 1985 لم يكن استثناءً، بل حلقةً في سلسلة ثوراتٍ تُسقط الأنظمة دون أن تُسقط البنية التي تنتجها. وهي ظاهرة يمكن تفسيرها بوجود ما يُعرف بـ”الدولة العميقة”، التي لا تقتصر على جهازٍ بيروقراطي متجذّر، بل تشمل تحالفًا تاريخيًا بين النخب التقليدية والعسكرية، يعمل على إعادة إنتاج السلطة بصيغ مختلفة، سواء عبر الحكم العسكري المباشر، أو من خلال واجهات مدنية.

وقد أثبت هذا التحالف قدرة عالية على التكيّف؛ إذ لا يتردد في تغيير أدواته وخطابه بما يتناسب مع الظروف، مع الحفاظ على جوهره القائم على السيطرة على مفاصل الدولة. وبهذا المعنى، فإن سقوط الأنظمة لا يعني بالضرورة سقوط السلطة الفعلية.

ولهذا، حين جاءت ثورة ديسمبر 2018 — وهي أكثر وعيًا بتجارب الماضي، وأكثر إصرارًا على إحداث قطيعة مع البنية القديمة — واجهت مقاومة أعنف من سابقاتها. إذ لم يكن الصراع هذه المرة حول من يحكم فقط، بل حول طبيعة الدولة نفسها. ومع تصاعد هذا الصراع، لجأت قوى الدولة العميقة إلى أدواتها التقليدية، وعلى رأسها العنف المنظم، ما أدى إلى اندلاع الحرب التي تعصف بالبلاد اليوم.

إن الربط بين ثورة أبريل وهذه الحرب ليس ترفًا تحليليًا، بل ضرورة لفهم جذور الأزمة؛ فالحرب الحالية ليست سوى امتدادٍ لفشلٍ متراكم في إنجاز مهام التحول الديمقراطي. ففي كل مرة تُؤجَّل الأسئلة الكبرى، أو يُلتف عليها، تعود لاحقًا في صورة أزماتٍ أكثر تعقيدًا وكلفة.

وفي ذكرى أبريل، لا يكفي استحضار البطولة الشعبية التي أسقطت النظام، بل ينبغي أيضًا مساءلة ما تلا ذلك السقوط: لماذا لم تُستكمل الثورة؟ ولماذا تُركت أدوات النظام القديم على حالها لتعيد إنتاجه؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست مجرد قراءةٍ في الماضي، بل شرطٌ أساسي لتجنّب تكرار الدائرة.

لقد كشفت ثورة أبريل، بوضوح، طبيعة الصراع في السودان: صراعٌ بين قوى تسعى إلى إعادة إنتاج الماضي، وأخرى تحاول فتح أفقٍ جديد. وبين هذين المسارين يتحدد مستقبل البلاد: إما استمرار الدوران في الحلقة المفرغة، أو كسرها بثمنٍ يبدو — للأسف — أعلى من أي وقتٍ مضى.

خلاصة القول: إن استكمال أهداف ثورة أبريل، وقبلها أكتوبر، وبعدها ديسمبر — وهي جميعها ثوراتٌ متصلة تسعى إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية قائمة على الحرية والسلام والعدالة — يظل مرهونًا بإعادة تأسيس المنظومة العسكرية والأمنية على أسس وطنية مهنية، تضمن خضوعها للسلطة المدنية، وتحريرها من التشابكات السياسية والتأثيرات الخارجية. وإلا، فإن السودان سيظل يعيد إنتاج أزماته، ويدور في الحلقة ذاتها، لكن بكلفةٍ أكبر في كل مرة.

ديسمبر الالكترونية

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا