قال المرصد السوداني للشفافية والسياسات إن السودان تعرض لصدمة اقتصادية مباشرة وقاسية في أغسطس 2025. تمثلت هذه الصدمة في فرض دولة الإمارات العربية المتحدة حظراً جوياً وبحرياً شاملاً على بورتسودان، العاصمة الفعلية والمركز التجاري الرئيسي للبلاد منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. وأوضح المركز في تقرير له صدر أمس أعده الباحث محمد صلاح عبدالرحمن واطلع عليه راديو دبنقا أن هذا الحظر أدى إلى محاصرة سوق الوقود والسلع الاستهلاكية الاستراتيجية في السودان بين فكي الجغرافيا السياسية الإقليمية واقتصاد الحرب الداخلي.
بدأ التصعيد في مايو 2025 عندما قطع السودان علاقاته الدبلوماسية مع الإمارات، متهماً إياها رسمياً بدعم قوات الدعم السريع عسكرياً ومالياً، وهو ما نفته أبوظبي باستمرار. وقد أعقب ذلك لجوء السودان إلى محكمة العدل الدولية. ورداً على ذلك، اتخذت الإمارات في أغسطس 2025 قرارات حاسمة بوقف جميع الرحلات الجوية (الركاب والشحن) من وإلى السودان، ومنع السفن التي ترفع العلم الإماراتي أو تلك التي تمر عبر الموانئ الإماراتية من التعامل مع بورتسودان. وكان الهدف الاستراتيجي من هذا الحظر، وفقاً للمحللين، هو خنق الموارد المالية لحكومة الأمر الواقع السودانية، وتحديداً عائدات تصدير الذهب والنفط.
أحدث الحظر الإماراتي صدمة عنيفة للاقتصاد السوداني، الذي كان يعتمد بشكل شبه كلي على الإمارات كأكبر شريك تجاري ومركز لوجستي لإعادة التصدير في عام 2024. وقد برزت التداعيات في عدة مسارات:
أصبح الذهب هو المورد الأساسي للعملة الأجنبية في السودان بعد تراجع الصادرات الزراعية بسبب الحرب (بلغ الإنتاج 64-80 طناً في 2024). وكانت الإمارات تستحوذ على 96.8% من الصادرات الرسمية. أدى إغلاق سوق دبي إلى تعطيل الصادرات الرسمية، وحرمان السودان من استيراد مدخلات التعدين الأساسية. ونتيجة لذلك، تم دفع التجار نحو القنوات غير الرسمية، مما أدى إلى زيادة كبيرة في عمليات التهريب عبر الحدود (مثل مصر وإريتريا).
في عام 2024، استورد السودان 84.1% من إمداداته البترولية من الإمارات. وقد هدد انقطاع هذه الإمدادات الاستهلاك المدني والعمليات العسكرية على حد سواء. بالتزامن مع ذلك، استهدفت قوات الدعم السريع حقول النفط في “هجليج” (المنطقة الوحيدة العاملة منذ بدء الحرب). على الجانب الآخر، تضررت الإمارات أيضاً بخسارة النفط الخام السوداني الذي كان يُكرر في الفجيرة، مما رفع أسعار الوقود البحري هناك بنسبة 15%.
على الرغم من القطيعة الشاملة، ظل القطاع المصرفي بمنأى عن الحظر. يعود ذلك إلى الاعتماد التاريخي للشركات السودانية على النظام المصرفي الإماراتي والدرهم لتجاوز العقوبات الأمريكية السابقة (1997-2020). وقد أدرك الطرفان أن تمديد الحظر ليشمل البنوك كان سيؤدي إلى شلل تام للقطاعين العام والخاص والعمليات الإنسانية في السودان.
حاولت الحكومة السودانية التخفيف من آثار الحظر عبر البحث عن أسواق بديلة في مصر وقطر وآسيا. ومع ذلك، اتخذت لجنة الطوارئ الاقتصادية قرارات أثبتت فشلها، أبرزها:
يؤكد التقرير أن استخدام نقاط الاختناق الاقتصادية والقيود التجارية في ظل انهيار مؤسسات الدولة واقتصاد الحرب لا يؤدي إلى تقليص النشاط التجاري، بل يعيد توجيهه نحو الشبكات العسكرية وغير الرسمية والتهريب. لقد كشفت الأزمة عن الضعف الهيكلي الخطير للاقتصاد السوداني المتمثل في الاعتماد المفرط على شريك تجاري واحد (الإمارات). وعليه، فإن استعادة الاستقرار تتطلب إطاراً اقتصادياً كلياً متماسكاً، وتنويعاً حقيقياً للعلاقات التجارية الإقليمية لتقليل التبعية وتخفيف حدة الصدمات الخارجية.
دبنقا
المصدر:
الراكوبة