في تفنيد سردية (ممر قوش) للوصول إلى القيادة
السادس من أبريل… الدخول عنوة واقتداراً!!
يحسب البعض أن الروايات الكاذبة للوقائع والأحداث تقتصر على مسألة اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023، عبر تقديم سرديات كاذبة ومضلِّلة، والعمل على ترسيخها حتى تصبح هي الحقيقة، وتظل سرديتها تظل أوهن من خيوط العنكبوت. ولكن نظراً لكثافة الروايات الكذوب وضخّها المستمر والمتجدد يتم الصمت على تلك السرديات حتى ترسخ في العقول وكأنها حقيقة مكتملة الأركان. ولعل من أبرز هذه السرديات تلك المتعلقة بوصول الجماهير إلى القيادة العامة في يوم السبت السادس من أبريل 2019م استجابة لدعوة تجمع المهنيين السودانيين في ذروة حراك ثورة ديسمبر المجيدة.
نجد أن مغزى رواية “الممر الآمن” تلاقت فيها أهداف ودوافع مختلفة. إذ يوجد تيار يرددها لإظهار دور أساسي في إسقاط النظام يسند إلى مدير جهاز الأمن والمخابرات حينها الفريق أول صلاح قوش. ويتصدر هذه الرواية القيادي وقتها بـ(نداء السودان) المهندس محمد وداعة. ودافع ثانٍ مصدره النظام السابق وحزبه المحلول بإظهار أن هزيمته وسقوطه ليسا نتاج تراكم عقود من الاستبداد والفساد والخطايا، ولكن جراء مؤامرة داخلية وصراع مراكز للقوى انتهى بإسدال الستار على السلطة بإزاحة رأس النظام الرئيس المعزول عمر البشير.
وهو تبرير أهم المواضع التي أظهرته إفادات القيادية بالحزب المحلول ووزيرة الدولة بالإعلام السابقة ومسؤولة التنظيم الطلابي سناء حمد العوض بتصريحها بإجراء تحقيق مع قيادات عسكرية نافذة حول المؤامرة التي انتهت بإسقاط حكم نظام الإنقاذ في الحادي عشر من أبريل 2019م. وتنظر رواية النظام السابق لدور قوش من منظور الخيانة، وهذا هو القاسم المشترك بين الروايتين المختلفتي الدوافع، بحيث إنهما تتفقان في إرجاع إسقاط النظام للعوامل الداخلية الذاتية فقط.
في ذات السياق فإن مرددين ذات الرواية احتفوا بحديث أورده قائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي” خلال حديثه في أول ندوة سياسية جماهيرية بالعاصمة اليوغندية كمبالا في فبراير الماضي، والذي أشار فيه لوجود دور ومشاركة من أطراف داخلية من النظام المدحور في ثورة ديسمبر 2018م بغرض إضعاف وإسقاط النظام السابق جراء الصراعات الداخلية كدليل على فرضية “السقوط من الداخل”، لتأكيد أن ثورة ديسمبر وفعلها الجماهيري والثوري لم يسقطا النظام وإنما “النظام هو الذي أسقط نفسه بيده”، وإغفال التفاعلات والتراكمات التي نتج عنها تفسخ النظام وتحلله.
تناقض الرواية
استندت رواية “الممر الآمن المفتوح”، من قبل قوش، على تصريحات المهندس محمد وداعة وتحديداً الاجتماع الذي جمعه بصحبة الراحل الإمام الصادق المهدي بكل من قوش ونائب رئيس الحزب المحلول أحمد هارون في يوم الأربعاء العاشر من أبريل، والذي شهد تهديد هارون للمهدي بعزمهم فض الاعتصام قبل يوم الجمعة، وما أورده قوش في حديث جانبي لودعة بأن الاعتصام لن يتم فضه. ففي سياق هذه الرواية جاءت إفادة وداعة التي أشار فيها إلى أن قوش أبلغ قيادات من المعارضة بوجود “ممر مفتوح” يتيح للمتظاهرين الوصول لمقر القيادة العامة.
من المهم أن وداعة أورد هذه المعلومة دون تحديد لوقتها، هل كان إبلاغهم بهذا “الممر الآمن” سابق للسادس من أبريل؟، أم ذكر في يوم اجتماع العاشر من أبريل، وحينها كان الثوار يحيطون بالقيادة العامة ولا يحتاجون إلى “ممر آمن” من الأساس؟. لكن للتدقيق في هذا الأمر فإن الرجل الذي بذل المعلومة نفسها –أي وداعة- ذكر في تصريح لموقع (باج نيوز) في أبريل 2020م بأن “تلك المعلومة لم يتم استخدامها لأن المواطنين دخلوا من نقاط مختلفة للوصول إلى القيادة العامة”، قبل أن يستدرك في ذات الإفادة بالقول إن الثغرة المقصودة “هي من ناحية مباني جهاز الأمن التي أعطى قائدها تعليمات لأفراده بالسماح للناس بالدخول عبرها”، ليضيف لاحقاً بالتأكيد أن هذا الوصول يعود الفضل فيه للشعب السوداني وعزيمته!!.
إذا الخلاصة على لسان الراوي نفسه “ممر غير معروف أو تم الإخطار به، ووصول بأكثر من نقطة للقيادة العامة والفضل يعود للشعب السوداني وعزيمته”، ورغم ذلك فهذه الرواية تقارب أن تصبح مرجعية “التأكيد” رغم أنها أوهى من خيوط العنكبوت مع وجود إصرار على ترديدها وترسيخها لدوافع مختلفة.
مواجهة شارع المطار
أذكر أنني في العاشر من أبريل 2020م وفي إطار البحث والتقصي وتجميع المعلومات عمّا حدث في ذلك اليوم، نظراً لوجودي مع المعتقلين بمعتقل الأمن السياسي بالخرطوم بحري منذ فجر الجمعة الخامس من أبريل بعد نقلي ومعتقلين آخرين من مكاتب الأمن الذاتي برئاسة جهاز الأمن بالخرطوم حتى إعلان سقوط النظام نهار الخميس 11 أبريل، وبالتالي عدم متابعتي لهذه الوقائع على الأرض.
قادتني الصدفة لاستفسار شاهد عيان هو الأستاذ معتز الأمين المعروف باسم (الخال)، ولحسن الحظ كان ضمن المشاركين في الموكب الذي دخل للقيادة العامة تحديداً من ناحية الثغرة “المفتوحة” التي أشار إليها محمد وداعة، وهذا ما جعل الأمر مهماً لتحديد كيفية العبور منها والوصول إلى القيادة العامة.
يشير معتز الخال في تلك الإفادة، التي سجلتها بصفحتي بفيسبوك ونسبتها له تحت مسمى (شاهد عيان)، إلى أن الموكب الذي تحرك من داخل منطقة الخرطوم 2 بعد الساعة الواحدة ظهراً صوب شارع المطار من منطقة حديقة (إشراقة التجاني يوسف بشير) تعرض لإطلاق غاز مسيل للدموع من قوة أمنية ارتدى عناصرها الأزياء المدنية –ووضح أنهم عناصر تابعون لجهاز الأمن- حيث وصلت تلك القوة إلى المنطقة بعد تحرك الموكب، وكان من الواضح أن هدفها عرقلة وصول الموكب إلى شارع المطار، إلا أن الموكب تمكن من الاستمرار في التقدم.
وأشار معتز الخال إلى أن هذه القوة وجدت نفسها وسط الحشود البشرية بعد انضمام المواطنين للموكب، مما اضطراها للانسحاب والتراجع فيما استمر تقدم الموكب بأعداد متزايدة. وعند وصولهم إلى شارع المطار أطلقت عليهم قوة مرتكزة بالقرب من (بنك الخليج) الغاز المسيل للدموع، ولكن نظراً للعدد الكبير للمشاركين في الموكب فقد تراجعت هذه القوة أيضاً.
الطريق للعبور
يواصل معتز الخال إفادته تلك بالقول بأنه عند وصول الموكب إلى شارع المطار وبداية توجهه صوب (المركز الطبي الحديث) فقد بات محصوراً بين القوات التي انسحبت سابقاً وأصبحت من خلفه وقوة ثانية متمركزة أمام (المركز الطبي الحديث)، حيث بدأت القوتان في إطلاق الغاز المسيل للدموع على الموكب بشكل كثيف، نتجت عنه سحب من الدخان تناقص فيه مستوى الرؤية، وهو ما أدى لانقسام الموكب إلى قسمين: جزء منه تراجع إلى الخلف لداخل الخرطوم 2، فيما استبسل عدد آخر يقدر بحوالي 200 شخص من الشباب والشابات الذين واصلوا التقدم رغم تعرضهم لإطلاق كثيف من الغاز المسيل للدموع، ورغم ذلك تمكنوا من الاقتراب من القوات الموجودة جوار (المركز الطبي الحديث) لدرجة جعلتهم أقرب لوضعية الالتحام المباشر، وهو ما دفع تلك القوة إلى الانسحاب من أمامهم، حينها قام عدد منهم بالصعود على نافورة الدوار وأشاروا بأيديهم لبقية المواكب للتقدم نحوهم.
ويضيف معتو الخال قائلاً: “لحظتها بدأ الناس في التحرك. كانوا أشبه بالأمواج المندفعة يصرخون ويهتفون، وبدون أي مقدمات اقتحموا الشارع المؤدي للقيادة العامة من أمام مركز استعلامات جهاز الأمن، وتقدموا في شكل أمواج بشرية رغم إطلاق منسوبي جهاز الأمن للنيران في الهواء… كانت هذه الأعداد ضخمة وكبيرة للغاية كان واضحاً أنهم مصرون على الوصول”. وأشار في ذات الوقت لاستفادتهم من نقطة كانت في مصلحتهم تمثلت في عدم توقع جهاز الأمن أن يختار المتظاهرون المرور أمام رئاستهم للوصول للقيادة العامة، ولذلك فإنهم لم يركزوا على تأمين هذه المنطقة بشكل كبير. وحسب قوله فقد وضح ارتباكهم الشديد عندما وجدوا أنفسهم أمام هذه الأعداد الكبيرة التي فاقت أي تقديرات وتوقعات حتى للمنظمين أنفسهم.
عدم انسجام
في تلك الإفادة والتوثيق يشير معتز الخال لأمرين أثارا انتباهه؛ أولهما وجود قوة مختلطة من الجيش والأمن بالمدخل وضح فيها مظهر عدم الانسجام بينهما، خاصة عقب الاحتكاكات التي حدثت بين الطرفين منذ بداية الثورة في ديسمبر 2018م في عدة مناطق بالبلاد، والتي وصلت إلى مرحلة الاشتباك المسلح كما حدث في القضارف وعطبرة وبورتسودان. أما الأمر الثاني فهو إطلاق هذه القوات للأعيرة النارية في الهواء في مواجهة الحشود البشرية الكبيرة للغاية والمندفعة صوب القيادة عند مرورهم بالقرب من مبنى استعلامات ورئاسة جهاز الأمن، وحسب تقديره فإن الدافع الأساسي لهذا الإجراء كان مرده الخوف من اقتحام رئاسة جهاز الأمن، ولذلك فقد أطلقوا النار في الهواء.
وحول تفسيره لعدم توجيه منسوبي جهاز الأمن أسلحتهم واستهداف المشاركين في الموكب فقد عزا معتز الخال في تلك الإفادة هذا الأمر لسببين؛ أولهما أن إطلاق النار مباشرة صوب المشاركين في الموكب كان سيجعل تلك الحشود الكبيرة تستهدف اقتحام رئاسة جهاز الأمن عوضاً عن إكمال مسيرهم صوب القيادة العامة، أما الأمر الثاني وهو الذي اعتبره مفصلياً فهو وجود قوة مسلحة تابعة للجيش لم يكن مستبعداً بناءً على الأجواء العامة المتوترة بين القوتين والاشتباكات بينهما في القضارف وعطبرة أن تتكرر مرة أخرى بإطلاق النار مباشرة على منسوبي جهاز الأمن، وأردف في تلك الإفادة: “لو بادروا بإطلاق النار نحونا لا يساورني أدني شك أن مواجهة مسلحة كانت ستندلع بينهم وبين قوات الجيش”.
خلاصة هذه الرواية نفسها تظهر أن الوصول لهذه النقطة أيضاً والدخول عبرها للقيادة العامة لم يكن آمناً، وأنه تم بعد صمود المشاركين في الموكب الذين تمكنوا من الوصول إلى محيط القيادة العامة متجاوزين العقبات التي واجهتهم.
عنف مفرط
بشهادة الشهود العدول الذين عبروا من الشوارع صوب القيادة العامة يومها فقد تأكد بحديث وداعة نفسه بأن الزاحفين في الشوارع يومها لم يبلَّغوا بمعلومة “نفّاج قوش” لينسابوا بشكل سلس وسهل نحو محيط القيادة العامة. وعلى العكس من ذلك فإن الوقائع أظهرت أن كل المواكب في المواقع المختلفة بوسط الخرطوم واجهت في كل الاتجاهات ونقاط التجمع المحددة قمعاً مفرطاً. إلا أن عوامل عدة أربكت خطة القمع الأمني أبرزها كثره أعداد المشاركين بصورة غير متوقعة، ونجاحهم في كل مرة من إعادة تنظيم أنفسهم بشكل متواصل في شكل مجموعات حتى تمكنوا من الوصول إلى محيط القيادة.
مع تزايد اندفاع الكتل البشرية من اتجاهات مختلفة شُلَّت حركة القوات الأمنية وبدأت قدرتها على التحرك وإعادة التمركز والانتشار تنحسر، وفقدت السيطرة على الأوضاع ميدانياً، وبدأت تعاني حتى في التحرك داخل الشوارع بسبب تعمد سائقي السيارات تعطيل حركة السير في الشوارع، كما أنها فوجئت بإيجاد نقاط غير معلنة وجريئة تجمعت بشارع النيل وكلنيك جامعة الخرطوم.
ظهرت مؤشرات انفلات الأوضاع والسيطرة من أيدي القوات الأمنية التي كان منوطاً بها التصدي لمحاولة الوصول للقيادة العامة، ومع تطاول أمد الكر والفر وتعثر انتقال القوات الأمنية وتحركها في الشوارع وضح حينها أن القوات الأمنية وصلت قبل عصر ذلك اليوم لمرحلة الانهيار التام، وهو ما أتاح للمواكب – بسبب كثرة أعداد المشاركين – الوصول لمحيط القيادة العامة واستمرار اندفاع تدفق المواكب من أكثر من اتجاه. إلا أن قاصمة الظهر بالنسبة للقوات الأمنية والشرطية كان قيام بعض الضباط وضباط صف القوات المسلحة المكلفين بحراسة محيط القيادة العامة بحماية الثوار الموجودين بمحيط القيادة والتصدي لقوات الشرطة والأمن وإجبارها على الانسحاب.
تظل الوقائع الأبرز التي تقوض سردية “الممر الآمن المفتوح للوصول” هي الهجمات التي لم تتوقف حتى في الساعات الأولى لفجر يوم الخميس 11 أبريل 2019م الذي تم فيه إعلان إنهاء حقبة النظام المباد لتقوض فرضية وفكرة “الممر الآمن المرسوم للوصول” ويقود لنتيجة عكسها تماماً.
إفادة عكسية
بخلاف ما أوردته فإن إفادات عكسية كان مصدرها نائب صلاح قوش في جهاز الأمن وهو الفريق أول أمن جلال الدين الشيخ كان أولها ما ذكره في مقابلة صحفية أجريت معه أنه كان واقفاً بجوار قوش يتابعان من شرفة مكتب الثاني برئاسة جهاز الأمن مشهد الجموع الغفيرة التي وصلت أمام القيادة العامة يوم السادس من أبريلـ مشيراً إلى أن قوش سأله: “ماذا علينا أن نفعل بعد وصول هذه الأعداد الكبيرة أمام القيادة العامة؟!”. إلا أن الشيخ نفسه قدم في إفادة صحفية أخرى قولاً أكثر وضوحاً حول ما نسب لقوش فعله بفتح ممر يتيح لمواكب المتظاهرين الدخول لساحة القيادة العامة بفتح الناحية الغربية التي أشير لها بأنها الثغرة، بنفي هذا الأمر بشدة بالقول: “لم يحدث”.
نخلص من هذه الإفادات والشهادات والتقييم والتحليل بأن السردية الزاعمة بأن الوصول إلى ساحة القيادة العامة يومها تم بموجب “ممر مفتوح” عبارة عن “سردية كاذبة مزورة للتاريخ” تهدف لتزوير الحقائق والتقليل من ثورة ديسمبر ونجاحها في إسقاط نظام متجبر متغطرس هزمه شعبنا بصبره وعزيمته، ضمن ملاحم متعددة خطاها كان من بينها دخوله إلى مقر القيادة العامة وسط الخرطوم في ذلك اليوم عنوة واقتدراً!!.
صحيفة ديسبمر الالكترونية
المصدر:
الراكوبة