غياب الدعم الحكومي سيؤثر ولكن
في النصف الأول من مارس، عادت «لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 واسترداد الأموال العامة» إلى الواجهة، كأنها تستأنف فصلاً مؤجلاً من معركة لم تُحسم بعد. بعد أكثر من خمس سنوات من الغياب القسري، أُعلن رسمياً عن استئناف نشاطها، وتكليف عضو مجلس السيادة السابق محمد الفكي سليمان برئاستها، في خطوة بدت للبعض استعادةً لروح الثورة، ولآخرين مجرد محاولة للقبض على ظلٍ تلاشى.
هذا القرار لم يمر بهدوء. فبينما رآه مؤيدون استكمالاً لمهمة وطنية أُجهضت بانقلاب 25 أكتوبر 2021، واعتبروه تحركاً جاء في لحظة مواتية بعد تصنيف الحركة الإسلامية تنظيماً إرهابياً، وقف مشككون على الضفة الأخرى، يتساءلون بحدة: كيف للجنة فقدت أدواتها التنفيذية، وتفرّق بعض أعضائها خارج البلاد، أن تفكك بنية متجذرة بهذا العمق؟
قراءاة تاريخية
تعود جذور اللجنة إلى نوفمبر 2019، حين أُنشئت بموجب قانون أقره مجلسا السيادة والوزراء، استناداً إلى الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية. يومها، مُنحت صلاحيات واسعة: حل حزب المؤتمر الوطني، مصادرة أصوله، ملاحقة رموزه، وتفكيك شبكات النفوذ التي تمددت طوال ثلاثة عقود. كانت المهمة أشبه بعملية جراحية دقيقة في جسد دولة مثقلة بالإرث الثقيل.
لكن المسار انكسر. ففي أعقاب انقلاب أكتوبر 2021، جُمّدت أعمال اللجنة بقرار من قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وتوالت أحكام الاستئناف بإلغاء قراراتها، لتدخل في حالة شلل شبه كامل، وكأن الثورة نفسها قد أُوقفت مؤقتاً.
اليوم، تعود اللجنة وسط ضجيج سياسي وقانوني كثيف. قرار استئناف نشاطها جاء متزامناً مع تحولات دولية لافتة، ما فتح باب الاتهامات بوجود تنسيق خارجي أو استثمار للظرف الدولي. غير أن مقرر اللجنة، المحامي وجدي صالح، الذي أجاب على عدة أسئلة طرحتها عليه ” أفق جديد” يرفض هذه القراءة بلهجة حاسمة، مؤكداً أن التوقيت خضع لترتيبات داخلية بحتة، وأن «أحداً لن يبتزهم بسؤال التوقيت».
يرى صالح في تصنيف الحركة الإسلامية تنظيماً إرهابياً تطوراً إيجابياً يصب في مصلحة السودانيين، لكنه يذكّر بأن الحكم الشعبي سبق التصنيفات الدولية، حين أسقط السودانيون هذا التنظيم بثورة ديسمبر. ويؤكد أن اللجنة ستنفتح على التعاون مع المؤسسات الإقليمية والدولية، ليس من موقع التبعية، بل من موقع الشراكة في تفكيك منظومة امتدت جذورها عميقاً في الدولة.
مهمة ثورية
وفي مواجهة الاتهامات بالاستقواء بالخارج، يرد بثقة: القرار سوداني خالص، يستند إلى إرادة شعبية لا إلى إملاءات خارجية. فبالنسبة له، الشرعية لا تُستمد من فوهة بندقية، بل من صوت الشارع الذي أنجب هذه اللجنة ومنحها سندها الأول.
يصف صالح مهمة التفكيك بأنها «مهمة ثورية» بامتياز، ويعتبر اللجنة الكيان الوحيد الذي خرج مباشرة من رحم ثورة ديسمبر، حاملاً تفويضها الأخلاقي والقانوني. مهمة لا تقتصر على الماضي، بل تمتد إلى ما بعد انقلاب أكتوبر، بل وحتى إلى تداعيات حرب أبريل، حيث تتشابك الخيوط وتتعقد المسارات.
ورغم التحفظ على كشف آليات العمل في هذه المرحلة، يلوّح صالح بإصرار واضح: المضي في ملاحقة شبكات التمكين، واستعادة الأموال المنهوبة، أينما كانت. ويؤكد أن اللجنة، رغم كل التحديات، لا تزال تمتلك أدواتها—في الداخل والخارج—وأن المعركة لم تنتهِ بعد، بل ربما تبدأ الآن بشكل أكثر تعقيداً ووضوحاً في آن واحد.
لحظة فاصلة
حين وُجّه السؤال إلى وجدي صالح: كيف للجنة أن تمضي في تنفيذ مهامها دون الغطاء الرسمي للدولة، بدا الرد وكأنه استدعاءٌ كامل لذاكرة الثورة، لا مجرد إجابة عابرة. قال إن اللجنة، في جوهرها، ليست جهازاً إدارياً عادياً، بل كيان وُلد من قلب ثورة ديسمبر، وتشكل خلال الفترة الانتقالية ليحمل أثقل مهامها وأكثرها حساسية: تفكيك تمكين نظام الثلاثين من يونيو 1989، ذلك التمكين الذي تمدد في جسد الدولة لأكثر من ثلاثة عقود، حتى صار شرطاً لازماً لأي حديث عن تحول ديمقراطي حقيقي.
يمضي صالح في رسم الصورة من جذورها؛ فهذه اللجنة لم تأتِ من فراغ، بل أنشأتها قوى الثورة نفسها، ونُصّ على مهامها في الوثيقة الدستورية، ودُعّمت بقانون منحها سلطات واسعة. غير أن المسار انقلب في لحظة فاصلة، حين أطاحت قوى «الردة والظلام» – على حد وصفه – بالفترة الانتقالية في 25 أكتوبر 2021. وحين تعثر انقلابها، لم تتراجع، بل أشعلت الحرب وأبقت نارها مشتعلة، لتعيد بسط نفوذها داخل مؤسسات الدولة، وتُحكم قبضتها على الاقتصاد، بينما تمدد الفساد بلا قيود.
في هذا السياق، لا يرى صالح خياراً سوى الاستمرار. فبالنسبة له، فإن وقف الحرب وتحقيق السلام لا يمكن أن يتم دون تفكيك تلك الشبكة التي تغذت على الفوضى، ولا دون ملاحقة الأموال التي نُهبت عبر سنوات التمكين. ومن هنا، يصبح استئناف عمل اللجنة—حتى خارج السلطة وبدون دعم مؤسساتها—ضرورة لا ترفاً. يعترف بأن الأدوات لم تعد كما كانت قبل الانقلاب، لكن الإرادة، كما يقول، لم تنكسر، والوسائل لم تنعدم. فثمة معلومات، وثمة طرق مختلفة للعمل، تتيح محاصرة تلك المنظومة «اللعينة»، على حد تعبيره.
ويضيف بنبرة حاسمة: لن تنجر اللجنة إلى المتاهات التي تُنصب لها، ولن تسمح بأن تُستنزف في معارك جانبية. هي، في تعريفها الأول والأخير، لجنة ثورية تستمد شرعيتها من ديسمبر، وستظل تعمل بروحها ولأجل أهدافها، مستندة إلى طاقات قوى الثورة نفسها.
الدعم الحكومي
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً يظل قائماً: ماذا عن غياب الدعم الحكومي؟ يقر صالح بأن ذلك سيؤثر بلا شك على الوصول إلى بعض المعلومات، لكنه يرفض اعتباره عائقاً حاسماً. فالمعلومات، كما يقول، لا تُحتكر بالكامل، والدعم الشعبي الواسع لمهمة اللجنة يشكل رافعة حقيقية لعملها. صحيح أن الأساليب ستختلف، وأن الآليات ستتغير، لكن الهدف سيظل ثابتاً، كما أن ما يتم جمعه اليوم من معلومات سيُستثمر لاحقاً، حين تعود مرحلة انتقالية مدنية تمثل قوى الثورة.
وفي مواجهة مخاوف الضغوط السياسية، يراهن صالح على ما يسميه «سند الثورة». فحماية اللجنة، في نظره، لا تأتي من مؤسسات رسمية، بل من قوى حية تؤمن بضرورة تفكيك تلك الشبكات التي لا تحكمها قيم، ومن شعب يرى في السلام والديمقراطية أفقاً لا يمكن التراجع عنه.
أما عن استقلالية اللجنة ونزاهتها في هذا الظرف المعقد، فيؤكد أن قرار استئناف العمل لم يكن ارتجالياً، بل جاء بعد نقاشات مطولة تناولت كل التحديات المحتملة، وانتهت إلى وضع إجراءات لمواجهتها. هي، بحسب قوله، عودة محسوبة لا مغامرة.
وفي ما يتعلق بالتنسيق مع المؤسسات القضائية، يكشف صالح عن واقع أكثر تعقيداً: التعاون مع القضاء الوطني، في هذه المرحلة، يبدو مستحيلاً في ظل الظروف الراهنة. لذلك، تتجه اللجنة نحو مسارات أخرى، من بينها العمل مع القضاء الدولي، مستندة إلى القوانين والاتفاقيات التي تفرض التزامات على الدول. إنها، كما يصفها، مهمة متعددة المسارات، لا تختزل في إطار واحد.
وعن الاتهامات التي تلاحق اللجنة بالانحياز، يرد صالح بنبرة لا تخلو من التحدي: هذه أصوات ترتفع كلما شعرت بالخطر. صحيح أن اللجنة ليست في السلطة، لكن من يحكمون اليوم بقوة السلاح، في نظره، يفتقرون إلى الشرعية. أما اللجنة، فهي امتداد لثورة، تعمل لتحقيق أهدافها، والزمن—كما يقول—كفيل بكشف الحقائق.
أدوات قانونية
في ما يخص الأدوات القانونية، يشير إلى أن اللجنة ستعتمد على شبكة واسعة من الخبراء والمتخصصين، كما فعلت سابقاً، ولكن بصورة أكثر تطوراً، وبالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني المنخرطة في هذا المشروع. ويمنح الإعلام دوراً محورياً، ليس فقط كناقل للأحداث، بل كمرآة حقيقية تعكس عمل اللجنة وتراقبه.
وفي ختام حديثه، يوجّه صالح رسالة مباشرة إلى السودانيين: إن الحرية والسلام والتحول الديمقراطي لن تتحقق دون تفكيك تلك الشبكة التي نهبت موارد البلاد، واسترداد الأموال إلى خزينة الدولة. إنها معركة جماعية، كما يقول، لا يمكن أن تُخاض دون دعم الناس. ويختم بنبرة تحمل قدراً من الرهان والأمل: قد تختلف الأدوات والمسارات في هذه المرحلة، لكن بسند الشعب، يمكن إنجاز هذه المهمة—لأنهم، في النهاية، أصحاب المصلحة الحقيقية فيها.
أفق جديد
المصدر:
الراكوبة