خريف الإخوان مع قطر يشير إلى أن الاستثمار فيها بلغ محطته الأخيرة. لم تعد جماعات الإسلام السياسي ضمن الأجندة الخارجية للدوحة.
كل أزمة كانت تمر بها جماعة الإخوان المسلمين في مصر أو غيرها تجد لها مخرجا سياسيا يساعدها على الصمود والاستمرار في الواجهة. تمكنت بالكذب والمناورة والمراوغة والمؤامرة والمظلومية والحلفاء والوكلاء من ترتيب أوراقها لتظل عنصرا مهما على الساحة في الفترة الماضية.
في أزمتها الشديدة التي تلت اندلاع ثورات شعبية في بعض الدول العربية وجدت حواضن رئيسية في كل من قطر وتركيا وإيران ساعدتها على تجديد دمائها الاقتصادية وأنشطتها الإعلامية. وقفت الدول الثلاث ضد إرادة مصر والسعودية والإمارات وتصنيفها جماعة إرهابية. ووفرت هذه الدول للجماعة دعما سياسيا لافتا.
ما كتبه الصحافي المصري الإخواني جمال سلطان على منصة إكس يوم الأحد يلخص حكاية تنظيم وخريفه الجديد المنتظر. يؤكد رغبة في القفز من سفينة على وشك الغرق. يضع حدا لمسلسل من العلاقات المريبة والغامضة نسجتها الجماعة مع جهات اعتمدت عليها فترة طويلة. يعزز قناعات بأن من وثقوا فيها خسروا رهانهم. من اعتقدوا قدرتها على المواجهة عرفوا أنها تتشكل من عناصر انتهازية وقيادات محدودة الذكاء.
قال سلطان على منصة إكس “رغم إني كنت اختلف مع الموقف المتشدد للسعودية والإمارات تجاه جماعة الإخوان، إلا أنني اليوم اعترف أنهما كانتا على حق تماما في ذلك، فالأحداث كشفت أنها جماعة خطيرة جدا في ولاءاتها وتوجهاتها وحساباتها. قناعتي الكاملة أنه لو كان حكم هذه الجماعة قد استقر في مصر لكانت شرا ووبالا على مصر ودول الخليج ووبالا على العرب جميعا”.
اعتراف فردي نادر ومتأخر من قبيل السعي للحفاظ على مصالح خاصة شيدها الرجل، دال على نمط انتهازي معتاد في التفكير. يكشف أن الجماعة فقدت رصيدها من الصبر على الاستفادة من الأزمات والحروب. لن تجد لها مكانا تحت الشمس بعد أن أصبح خطابها السياسي خارج الزمن. بدأت قوى عديدة وفرت لها شبكة أمان مالية ومعنوية، معلنة أو خفية، تتخلى عنها تدريجيا.
تزداد الرؤية المصرية المبكرة رسوخا في التعامل معها كجماعة أخطبوطية تمثل خطرا على الدول التي تنشط فيها. تصدق كل التوقعات التي أشارت إلى أن استمرار الإخوان على رأس السلطة في مصر فترة طويلة كان سيتسبب في كوارث إسترايتجية.
في الأزمة الحالية بسبب الحرب الإيرانية لن تجد جماعة الإخوان من يقدم لها دعما سخيا ينقذها كما كان سابقا. طهران ستخرج منهكة من الحرب لن تستطيع توفير حماية لأقرب حلفائها في المنطقة. تأكد المواطن الإيراني أن الإفراط في دعم ما يسمى بـ”الوكلاء” أحد أسباب الحرب التي تتعرض لها بلاده. لن تجد الجماعة نظاما في طهران يتمكن من كفالتها وتغذيتها ومساعدتها في مواجهة خصومها. بقي حكم المرشد أم تهاوى من الصعب أن تستمر الرعاية الإيرانية التقليدية للإخوان، ما يشير إلى أن مرحلة أشد قسوة سوف تتعرض لها الجماعة.
في يقين تركيا أن ورقة جماعة الإخوان بات ضررها أكثر من نفعها. الحقبة التي تم فيها توظيف الجماعة انتهت إلى فشل. لم تفلح أنقرة في تحقيق أهدافها الإقليمية من وراء توفير مظلة لها وخرجت الإخوان من الحلبة السياسية في دول عربية عدة ووضعت على قوائم الإرهاب. تحولت كوادرها إلى عناصر منبوذة في أماكن متباينة. تبنت أنقرة خطوات ضدها في السنوات الماضية. طردت وسجنت وسحبت الجنسية من البعض. حذرت من بقوا على أراضيها من ممارسة أعمال مخالفة للقانون.
جاءت الضربة الأكثر قوة من قطر التي لم تخف كفالتها للجماعة. تناثر حديث عن اعتقالات لأشخاص ينتمون لها. اتسعت رقعة التوقيفات لعناصر تابعة لحركة حماس الإخوانية بعد كلمات كتبت لصالح إيران. راج خطاب إعلامي رافض لأي حراك يقوم به هؤلاء داخل قطر وخارجها، ما يعني أنها قررت رفع رعايتها للإخوان. عدم الإصرار على معاندة التيار العربي العام والخليجي بشكل خاص للمتاجرة بورقة الجماعة. بدء مرحلة من التقويض المتصاعد الذي يؤثر سلبا على أنشطة الجماعة.
قطر أهم قلعة إعلامية واقتصادية للإخوان. اتخاذ مسافة بعيدا عنها يؤثر على هياكلها وأنشطتها وينهي فترة من البراغماتية المتبادلة التي حقق من ورائها كل طرف مكاسب مناسبة له. يشير خريف الإخوان مع قطر إلى أن الاستثمار فيها بلغ محطته الأخيرة. لم تعد جماعات الإسلام السياسي ضمن الأجندة الخارجية للدوحة.
الفرق في التعامل بين أنقرة والدوحة يكمن في أن الأولى تعتبر الجماعة جزءا من أيديولوجية النظام الحاكم، بينما الثانية أداة من أدوات السياسة الخارجية، لذلك قامت تركيا بمراجعة مؤقتة ضمنية ونظمت علاقتها مع الجماعة بطريقة دقيقة. في حين تعمل قطر على تفكيك أواصرها تدريجيا.
يُعد خريف جماعة الإخوان هذه المرة من أكثر المحن التي تمر بها في تاريخها. الملاذات الآمنة تتوارى عقب التماهي الكبير الذي أظهرته كوادر في الجماعة مع إيران. عدم الإدانة الواضحة للاعتداءات التي قامت بها طهران على كل دول الخليج وحالة اليقين في النصر وضع الإخوان في خندق واحد مع طهران. الرهان على خروج نظام المرشد متماسكا واستئناف الدعم السخي لأذرعه في المنطقة. ما يجعل النقمة كبيرة أن الجماعة تطرب للأعمال العسكرية التي تؤدي إلى انتشار الصراعات، باعتبارها وسيلة تمكنها من العودة إلى ممارسة أنشطتها في الدول المنبوذة فيها.
المثير أن المحن لا تؤدي إلى إعادة تفكير في المنهج الذي تتبعه الجماعة أو إجراء مراجعة لتجاربها السابقة. تعلم أن المراجعة تنطوي على اعتراف صريح بوقوع أخطاء ووجود فساد وارتكاب جرائم وهو ما ترفضه قياداتها بزعم أنها جماعة دينية تنفذ أوامر الرب، وتعمل على رفع ظلم تحصره في عناصرها ولا يمتد لعموم الناس.
يبدو ما كتبه الصحافي الإخواني جمال سلطان حالة فردية للمراجعة. يشير إلى براغماتية فاضحة. الرجل الذي يتلقى دعما من قطر يريد عدم الوقوف في وجه عاصفة عاتية. قرأ التحول القطري حيال الإخوان في الأداء الإعلامي. أراد أن يحجز له مقعدا في المستقبل الذي من المتوقع أن تتوارى فيه عناصر الجماعة عن المشهد وتدخل فيه مرحلة جديدة من التيه السياسي.
عندما جرى تضييق الخناق عليها في مصر والسعودية والإمارات ودول أخرى لم تعدم وجود حواضن مناسبة، بينما الوضع هذه المرة مغاير. النقمة التي تنالها طهران وكل وكلائها في المنطقة ظهرت علاماتها على الإخوان بحسبانها جماعة انتهازية استفادت كثيرا من المعادلة التي شيدتها إيران لدعم وكلائها في المنطقة.
MEO
المصدر:
الراكوبة