أثار إعلان اللواء ياسر العطا، عضو المجلس السيادي السوداني ونائب القائد العام للقوات المسلحة، عن ترتيبات لدمج الميليشيات الإسلامية داخل القوات المسلحة جدلاً واسعاً على المستويين الداخلي والدولي، إذ اعتبر خبراء ومراقبون أن هذه الخطوة لن تقلل القلق الدولي بل قد تزيده.
وأوضح العطا أن الهدف من هذه الخطوة هو إعادة تنظيم آليات الدعم ودمجها داخل الجيش، بما يعكس على الأرجح محاولة لتقنين الوضع وإضفاء الطابع النظامي على القوى الموالية للإسلاميين، إلا أن المراقبين يشيرون إلى أن هذه المبادرة قد تعمّق النفوذ الإخواني والميليشيات الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية، ما يهدد جهود الإصلاح السياسي ويعقد مسارات السلام الداخلي في السودان، ويثير قلق المجتمع الدولي بشأن مستقبل الأمن والاستقرار في البلاد.
واعتمد رئيس مجلس السيادة، الفريق عبد الفتاح البرهان، على دعم الميليشيات الإسلامية في المرحلة التي أعقبت الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير، وكان للميليشيات دور محوري في استعادة السيطرة على العاصمة الخرطوم، بما يعكس تحالفه الاستراتيجي مع القوى الإسلامية لضمان استمرار نفوذه العسكري والسياسي.
ويرى محللون أن هذا التحالف يشكل خطورة كبيرة على جهود الإصلاح، إذ يعمّق النفوذ المتشدد داخل المؤسسة العسكرية، ويضع عراقيل أمام أي خطوات مستقبلية نحو مشاركة السلطة أو إصلاح قطاع الأمن.
وتعكس هذه الحسابات الداخلية أن استراتيجية البرهان ترتكز على التوازن بين الاحتفاظ بالسلطة والسيطرة العسكرية، وبين التعامل مع ضغوط المجتمع الدولي للحد من النفوذ الإسلامي داخل الجيش.
ومع إعلان العطا عن خطته لدمج الميليشيات الإسلامية، جاء الرد الأميركي سريعًا عبر تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية ضمن هيئات الإرهاب، وفقًا لسياسات مكافحة الإرهاب التي تتبعها الولايات المتحدة.
وقد فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على الميليشيات الإسلامية في السودان بسبب عرقلة جهود السلام والتعاون مع الحرس الثوري الإيراني، معتبرة أن نشاط هذه الميليشيات يطيل الحرب ويشجع التطرف.
كما أكدت وزارة الخارجية الأميركية أن اهتمامها الأساسي ينصب على الروابط بين القوات المسلحة السودانية والعناصر الإسلامية المتشددة، إلى جانب إمدادات الأسلحة من إيران، رغم الإقرار ببعض الخطوات التي اتخذتها القوات للتباعد عن العناصر الأكثر تشددًا، ما يعكس التحدي المستمر في التعامل مع النفوذ الإسلامي داخل الجيش السوداني.
ويشير الخبراء إلى أن دمج الميليشيات الإسلامية في الجيش لا يمثل حلاً لمشكلة الاختراق الإسلامي داخل المؤسسة العسكرية، بل قد يزيدها تعقيدًا.
وقال كاميرون هدسون، الباحث في شؤون أفريقيا بالمركز الأميركي للدراسات الاستراتيجية والدولية، إن “إضافة المزيد من الإسلاميين لن يحل المشكلة القائمة، والحل يتطلب استراتيجيات طويلة المدى تشمل تفكيك الميليشيات، والاستفادة من التجارب الدولية التي واجهت تحديات مشابهة لتحقيق السلام الداخلي واستقرار الجيش”.
وأضاف أن الخطوة الحالية ربما تهدف فقط لطمأنة التيار الإسلامي داخل السودان، وليس لتعزيز الأمن أو تعزيز الثقة الدولية، ما يعكس تضارب المصالح بين السيطرة الداخلية وضغوط المجتمع الدولي.
وبدأت الميليشيات الإسلامية، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين، بالعودة إلى المشهد السياسي والعسكري قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، خلال فترة كان فيها التحول نحو الحكم المدني في السودان “ينحرف عن مساره”.
وقد رسخت هذه الفصائل جذورها في أجهزة الدولة خلال ثلاثة عقود من حكم البشير، ما جعلها لاعبًا رئيسيًا في المرحلة الانتقالية بعد الإطاحة به.
ومع صعود البرهان لرئاسة المجلس السيادي بعد انقلاب 2019، اعتمد بشكل كبير على دعم هذه الفصائل لضمان استقرار سلطته، خاصة بعد الانقلاب العسكري الذي نفذه بعد عامين من توليه رئاسة المجلس، ما يوضح مدى أهمية التحالف مع الميليشيات الإسلامية للسيطرة على البلاد.
ومن الناحية الدولية، يمثل هذا التحالف مصدر قلق كبير للوسطاء الدوليين، بما في ذلك الولايات المتحدة والدول الأوروبية، التي ترى في النفوذ المتزايد للإسلاميين داخل القوات المسلحة عائقًا أمام أي جهود للسلام والإصلاح.
ويعتقد بعض المحللين أن البرهان ربما كان متورطًا في خلف الكواليس في ترتيب تصنيف الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي، وهو تصنيف أتى في وقت يحتاج فيه المجتمع الدولي إلى معالجة النفوذ الإيراني والإسلامي المتشدد في المنطقة، بينما يضمن للبرهان وحلفائه إمكانية التفاوض على حماية الجيش أو توفير ممر آمن لهم في حال التصعيد الدولي.
ويتفق المراقبون على أن هذا التحالف يعكس استمرار البرهان في الاعتماد على قوى متشددة لضمان السيطرة العسكرية والسياسية، ولكنه في الوقت نفسه يضع السودان أمام تحديات كبيرة على صعيد الأمن الداخلي واستقرار مؤسسات الدولة.
وقد بدأت الخلافات الداخلية تظهر بين البرهان والميليشيات التي يعتمد عليها، إذ أن استمرار النفوذ الإسلامي في القوات المسلحة يزيد من تعقيد أي مسار إصلاحي أو سياسي، ويضع البلاد تحت ضغط داخلي وخارجي في الوقت نفسه.
ومن الجوانب المهمة الأخرى، فإن دمج الميليشيات الإسلامية داخل القوات المسلحة يزيد من صعوبة عملية الإصلاح العسكري، ويؤثر سلبًا على ثقة المجتمع الدولي بالجيش السوداني. فالخبراء يشيرون إلى أن دمج هذه الفصائل يخلق عقبات أمام أي إصلاح في القطاع الأمني، ويجعل أي محاولات للحد من النفوذ الإسلامي أكثر صعوبة.
وفي هذا السياق، يعتبر بعض المراقبين أن خطوة العطا تعكس رغبة في طمأنة التيار الإسلامي بأن مكانهم مضمون في مستقبل الجيش السوداني، بينما قد تكون الرسالة إلى العالم مفادها أن نظام البرهان يعتزم المضي في مساره الخاص، بغض النظر عن تأثير ذلك على جهود السلام والاستقرار.
ويبرز هذا التمشي مخاطر عدة: أولاً، أن دمج الميليشيات الإسلامية قد يعمّق التوتر الداخلي ويؤدي إلى تصعيد الصراعات على السلطة، وثانيًا، أن النفوذ المتزايد للإسلاميين داخل الجيش يعقد علاقات السودان مع شركائه الدوليين، وثالثًا، أن استمرار الاعتماد على التحالفات القديمة يعيق إمكانية الانتقال إلى حكم مدني مستقر.
وتجعل كل هذه العوامل من دمج الميليشيات الإسلامية خطوة مثيرة للجدل، تحمل آثارًا بعيدة المدى على مستقبل السودان السياسي والأمني.
وفي ضوء ذلك، يتضح أن دمج الميليشيات الإسلامية في القوات المسلحة السودانية يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة السودان على تحقيق التوازن بين السيطرة الداخلية وضغوط المجتمع الدولي، وبين الحفاظ على التحالفات مع القوى المتشددة والسعي نحو السلام الداخلي.
ويبدو أن المرحلة القادمة ستشهد تحديات كبيرة أمام القيادة السودانية لإيجاد توازن بين هذه المتغيرات، وهو ما يجعل متابعة تطورات هذا الملف حيوية لفهم مستقبل الاستقرار السياسي والأمني في السودان والمنطقة ككل.
العرب
المصدر:
الراكوبة