أطلقت المبادرة القومية لإنقاذ مستقبل طلاب الشهادة السودانية نداء لمعالجة الأوضاع المأساوية لنحو 280 ألف تلميذ في ولايات دارفور وكردفان ومناطق أخرى، يواجهون شبح الضياع الأكاديمي بعد حرمانهم القسري من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية لثلاث سنوات متتالية، حيث تشير الإحصائيات إلى أن الفتيات يمثلن الكتلة الأكبر من هؤلاء الضحايا بنسبة بلغت 65%.
وقال الأستاذ شمس الدين ضو البيت في مؤتمر صحفي إن أكثر من ربع مليون طالب سارداً لمحتوى مذكرة “أهل السودان”، ومؤكداً أن هذه المبادرة ليست مجرد تحرك فني، بل هي استجابة لنداء الواجب الوطني والأخلاقي والإنساني تجاه جيل كامل مهدداً بالضياع الكامل. وشدد ضو البيت على أن العملية التعليمية يجب أن تظل “الممسك الأخير” لوحدة البلاد والوجدان السوداني.
ودعا في الوقت نفسه، كافة الأطراف لتكرار نموذج الاتفاقات التي تمت في ملفات حيوية كالبترول والمعابر الحدودية لدخول الاغاثات لضمان انسياب وانعقاد امتحانات الشهادة السودانية للجميع، معتبراً أن إقامة مراكز الامتحانات في مناطق تواجد الطلاب الحالية وبيئاتهم الطبيعية، عبر مسارات ومناطق آمنة متفق عليها، هو الخيار التربوي والإداري والأمني الوحيد الذي يضمن العدالة والمساواة والشمول ويحول دون تعميق الانقسام المجتمعي والوطني.
وفي سياق متصل، قدم الدكتور صديق أمبده تشريحاً عميقاً للأزمة، واصفاً ما يحدث حالياً بأنه استمرار لمظالم تاريخية وفجوات تعليمية هيكلية؛ إذ استدعى أرقاماً صادمة تعود الى منتصف الثمانينات ولا تزال مستمرة، تظهر تفاوت نسب الاستيعاب بين الأقاليم، محذراً من أن حرمان هؤلاء الطلاب اليوم سيعيد إنتاج ذات المظالم ويغذي جذور الصراع المستقبلي. مشيراً إلى أن نسبة استيعاب التلاميذ في المرحلة الثانوية في الخرطوم والإقليم الشمالي تبلغ 40 في المائة من جملة الأطفال في سن الدراسة، بينما بلغت النسبة في كافة أقاليم دارفور بـ9 في المائة.
من جانبهما، استعرضت الأستاذة آمنة حامد والأستاذ أحمد التوم الآثار الاجتماعية والأمنية المدمرة لانقطاع التلاميذ عن العملية التعليمية بسبب الحرب، خاصة في مناطق دارفور والنيل الأزرق وكردفان الكبرى، محذرين من تنامي الجريمة المنظمة، والتجنيد القسري، والاتجار في المخدرات، والانخراط في الحرب، وزواج القاصرات نتيجة غياب الأمل في التعليم.
ومن جانبه سلط الدكتور حامد البشير الضوء على مخاطبة المبادرة للهيئات الدولية المعنية بالتعليم وحقوق الأطفال، وعلى رأسها منظمة اليونيسف. وأكد البشير أن المبادرة تبحث فرص وإمكانية الحصول على الدعم الفني واللوجستي من هذه المنظمات، لما لها من خبرات واسعة، وذلك لضمان قيام الامتحانات بصورة عادلة تحمي حقوق التلاميذ ومصالحهم الفضلي. كما استعرض دكتور حامد البشير التجارب المشابهة والمقارنة لأوضاع حروب أخرى وكيفية معالجة قضايا التعليم والامتحانات فيها، مشيراً إلى مساعي المبادرة في التواصل مع كافة الأطراف ذات الخبرة لدعم الأهداف والمبادئ التي تقوم عليها المبادرة، خاصة وأن قضية التعليم والامتحانات قد تم التطرق لها بالفعل في المباحثات الإنسانية السابقة بين أطراف الحرب في السودان.
من جانبهما، استعرض الأستاذ سامي الباقر والأستاذة درية بابكر من لجنة المعلمين الخبرات التراكمية للمعلمين السودانيين والمبادرات السابقة التي قادتها اللجنة لمعالجة آثار الحرب على العملية التعليمية. وأكدا أن الأزمات التعليمية السابقة أثبتت أن الجوانب الفنية واللوجستية المعقدة لتأمين الامتحانات ونقلها وتصحيحها هي مسائل قابلة للتنفيذ والحل، متى ما توفر القرار والإرادة السياسية الصادقة والمدخل الإنساني الذي يتعامل مع الامتحانات كحق طبيعي لا يقبل المساومة والمزايدة السياسية.
وعلى الصعيد العملي والاتصالات السياسية، كشف الأستاذ عبدالمنعم الجاك عن حملة واسعة من الاتصالات المباشرة قامت بها المبادرة مع مراكز القوى السياسية والعسكرية، شملت قيادات “حكومة الأمل” برئاسة دكتور كامل الطيب إدريس، و”حكومة السلامة والوحدة” برئاسة محمد حسن التعايشي، ورئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان عبدالعزيز الحلو، ورئيس حركة وجيش تحرير السودان عبدالواحد محمد نور، فضلاً عن أعضاء من مجلس السيادة والمجالس الرئاسية في بورتسودان والخرطوم ونيالا وكاودا.
وأوضح الجاك أن المبادرة حرصت خلال هذه الاتصالات على نقل حزمة المبادئ والموجهات الرئيسية التي تشكل حجر الزاوية لرؤية المبادرة القومية، وعلى رأسها اعتماد المدخل الإنساني كإطار عام يتعامل مع الامتحانات كاحتياج وحق إنساني أصيل.
وتضمنت الموجهات التي تم طرحها على أطراف الصراع ضرورة توفير فرص الامتحانات للممتحنين في مناطق وجودهم وبيئتهم الدراسية، مع التزام كافة الأطراف بضمان سلامة وأمن الطلاب والكوادر التربوية قبل وأثناء وبعد العملية. كما ركزت الاتصالات على مبدأ المهنية والموضوعية في تصميم وإدارة الامتحانات بعيداً عن التسييس والعسكرة والاستقطاب، مع توفير كافة الضمانات الفنية لنزاهة وسرية العملية في كافة مراحلها. وكشف الجاك عن رؤية المبادرة بأهمية تأجيل الامتحانات المعلنة في أبريل القادم من سلطات حكومة “الأمل”، مقابل تجميد الامتحانات المعلنة من سلطات حكومة ” السلام والوحدة” في يونيو، لإتاحة بعض الوقت ولفتح الطريق أمام “منطقة وسطى ومشتركة بين طرفيّ الحرب” تضمن امتحاناً موحداً في محتواه، ومتنوعاً في ادارته يحفظ وحدة وتماسك البلاد.
وفي ختام المؤتمر، أطلق الأستاذ الطاهر بدر الدين نداءً وطنياً شاملاً، طالب فيه بتحويل المبادرة إلى حملة قومية كبرى، داعياً كافة المواطنين(ات) والمجتمعات السودانية للوقوف خلف الأهداف والمبادئ التي دعت لها المبادرة، وفي مقدمتها حق التلاميذ في الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية القادمة بعدالة ومساواة. كما وجه دعوة خاصة للأطراف المتحاربة لخفض صوت البندقية وإعلاء صوت التعليم ومستقبل أطفال السودان للجلوس الآمن الموحد في الامتحانات القادمة.
كما طالب الطاهر التحالفات والتنظيمات السياسية في البلاد، وفي مقدمتها الكتلة الديمقراطية، وتحالف صمود، وتحالف التغيير الجذري، وكافة القوى والتحالفات السياسية الوطنية الأخرى، بضرورة السمو فوق التباينات والاختلافات السياسية الراهنة، وحثها على التوحد خلف “نداء المستقبل وحق التلاميذ في الامتحان العادل”.
وناشد كافة مكونات المجتمع المدني من نقابات، واتحادات مهنية، ومنظمات نسوية وشبابية، ومبادرات قاعدية، ووسائل إعلام مستقلة، ومنظمات السودانيين في المنافي، للانخراط المسؤول والفاعل في هذه الحملة لإنقاذ مستقبل اكثر من ربع مليون تلميذ(ة)، باعتبارها المهمة الوطنية الأسمى الآن التي تحفظ الوحدة والوجدان السوداني المشترك.