آخر الأخبار

تفلتات أمنية وانتحال صفات رسمية.. الفوضى تهدد المواطنين والمؤسسات

شارك

مداميك: ندى رمضان
تشهد العاصمة الخرطوم خلال الأشهر الأخيرة تصاعداً مقلقاً في مظاهر التفلت الأمني، وبرز ذلك في انتشار جرائم السرقة والنهب، إلى جانب ظاهرة انتحال الصفات الرسمية سواء الأمنية أو الإعلامية، في مؤشر اعتبره مراقبون انعكاساً مباشراً لحالة الانهيار التي تعيشها البلاد منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
ويقول مواطنون بالخرطوم إن تعدد الجهات المسلحة وغياب سلطة الدولة في أجزاء واسعة من الخرطوم خلق بيئة مناسبة لظهور مجموعات إجرامية تستغل حالة الفوضى، سواء عبر ارتداء زي عسكري أو الادعاء بالانتماء إلى مؤسسات حكومية أو إعلامية.
وبرزت هذه التطورات في ظل حرب مستمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، أدت إلى تدمير البنية التحتية الأمنية والإدارية، وأضعفت المؤسسات الرسمية على فرض القانون.
تحذيرات رسمية.
وفي محاولة لاحتواء الاوضاع، أصدرت وزارة الداخلية بياناً أكدت فيه رصد حالات متعددة لأفراد ينتحلون صفة رجال الشرطة ويستغلون ذلك في ارتكاب جرائم تتراوح بين السرقة والاعتداء على المواطنين.
وأوضح متحدث باسم الشرطة أن السلطات نفذت خلال الأشهر الماضية حملات أمنية أسفرت عن توقيف مئات الأشخاص بتهمة انتحال صفة القوات النظامية، إضافة إلى إغلاق عشرات المواقع التي كانت تستخدم كمقار غير قانونية لهذه الأنشطة.
وبحسب بيانات رسمية، تم توقيف حوالي (500) شخص منذ مارس الماضي بتهمة انتحال صفة القوات النظامية، كما جرى إغلاق (40) مكتباً كانت تُستخدم من قبل هذه المجموعات في مناطق مختلفة من ولاية الخرطوم، بينها الخرطوم وشرق النيل وأم درمان.
وأكدت الشرطة أن هذه الحملات جاءت ضمن خطة تهدف إلى فرض هيبة الدولة ومكافحة العصابات والمتفلتين الذين يستغلون الظروف الأمنية غير المستقرة لتنفيذ جرائم بحق المواطنين.
انتحال صفة التلفزيون القومي:.
لكن الظاهرة لم تقتصر على انتحال الصفات الأمنية، إذ ظهرت في الآونة الأخيرة حالات انتحال صفة وسائل إعلام رسمية.
وفي هذا السياق، أصدر مدير قطاع التلفزيون القومي الوليد مصطفى بياناً حذر فيه من أفراد يقدمون أنفسهم على أنهم من طاقم تلفزيون السودان ويقومون بإجراء مقابلات أو تصوير لقاءات مع مسؤولين دون تفويض رسمي من المؤسسة.
وأثار هذا الاتجاه مخاوف وسط إعلاميين وناشطين، خاصة في ظل غموض الجهة التي تقف وراء هذه التحركات، ويعمل تلفزيون السودان القومي حاليًا من مدينة بورتسودان، بعد انتقاله من الخرطوم بسبب الحرب.
وفي وقت سابق، اقتحمت مجموعات أهلية مبنى التلفزيون القومي بمدينة بورتسودان، احتجاجًا على ملاحظات مدير الهيئة السودانية للإذاعة والتلفزيون، إبراهيم البزعي، حول زي إحدى المذيعات، واعتبرت المجموعة المحتجة الملاحظات إهانة لها ولقبائل شرق السودان.
هذا الحادثة تبرز التحديات التي تواجه السودان في مجال المؤسسيّة واحترام االقوانين واللوائح، خاصة في ظل الصراعات القبلية والاجتماعية التي تشهدها البلاد.
شكاوى رجال أعمال:.
وفي السياق ناشد رجل الأعمال معاوية أبا يزيد رئيس سلطة الأمر الواقع عبد الفتاح البرهان التدخل لوقف عمليات النهب التي تستهدف المصانع والممتلكات الصناعية في العاصمة.
وأكد أبا يزيد أن هذه العمليات تهدد لاستمرار النشاط الصناعي وتقوض الإنتاج، واشار إلى أن المناشدات المتكررة لسلطات ولاية الخرطوم لم تلق الاستجابة المطلوبة.
ودعا إلى اتخاذ إجراءات عاجلة تشمل تنظيم نشاط موازين الحديد وتشديد الرقابة على مصانع صهر الحديد ومراجعة المستندات والفواتير لضمان عدم تداول مواد منهوبة، إضافة إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد الجهات المتورطة في عمليات النهب.
تعدد القوات:.
ويقول أحد مواطني أم درمان إن بعض العصابات تتحرك بسيارات تحمل شعارات أو معدات تشبه تلك التي تستخدمها الجهات الرسمية، ما يجعل المواطنين يترددون في الاعتراض أو محاولة التحقق من هوياتهم.
وأضاف: “المواطن العادي لا يستطيع التمييز بسهولة بين القوة الرسمية والمجموعة التي تنتحل الصفة، خصوصاً في ظل تعدد القوات المسلحة وانتشار السلاح”.
انهيار المنظومة الأمنية:.
ويرى الخبير الأمني اللواء معاش أمين إسماعيل في تصريح صحفي أن انتشار ظاهرة انتحال الصفات الرسمية يعكس خللاً عميقاً في المنظومة الأمنية نتيجة الحرب.
ويقول إسماعيل إن “انتحال الصفة الأمنية لا يحدث عادة بهذا الحجم إلا عندما تتراجع سلطة الدولة وتضعف قدرتها على ضبط المجال الأمني”، واضاف أن تعدد الجهات المسلحة وانتشار السلاح خارج إطار الدولة يزيد من تعقيد المشهد الأمني.
وأشار إلى أن استعادة السيطرة الأمنية في الخرطوم لن تكون ممكنة فقط عبر الحملات الأمنية، بل تتطلب إعادة بناء مؤسسات الدولة الأمنية وتوحيد السلاح تحت سلطة مركزية.
مؤشرات وتجارب:.
ونبه الباحث في دراسات النزاع د.محمد عبدالقادر إلى أن هذه الظواهر ظهرت في دول عديدة شهدت حروباً أهلية طويلة، من بينها الصومال بعد انهيار نظام محمد سياد بري عام 1991.
ويقول عبدالقادر إن “تفكك المؤسسات الأمنية في مقديشو آنذاك أدى إلى ظهور مجموعات مسلحة تنتحل صفة جهات حكومية أو أمنية لفرض النفوذ أو جباية الأموال من السكان”.
وأضاف أن أخطر ما في تلك المرحلة كان تحول الصراع السياسي تدريجياً إلى صراع قبلي وإثني، وهو ما أدى إلى سنوات طويلة من الفوضى والانقسام.
وحذر مراقبون من أن استمرار الحرب قد يقود إلى مسار مشابه إذا لم يتم احتواء النزاع وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
فالصراع الحالي بين الجيش وقوات الدعم السريع لم يقتصر على المواجهات العسكرية، بل أدى إلى انتشار السلاح وظهور مجموعات مسلحة محلية في بعض المناطق، إلى جانب تصاعد التوترات القبلية في عدة ولايات.
ويرى محللون أن غياب سلطة الدولة وارتفاع معدلات الجريمة قد يفتح الباب أمام صراعات اجتماعية أوسع، خصوصاً إذا استمرت الحرب لفترة طويلة دون تسوية سياسية شاملة.
معركة استعادة الدولة:.
في ظل هذه التطورات، تبدو استعادة الأمن في الخرطوم تحدياً يتجاوز البعد الأمني إلى مسألة إعادة بناء الدولة نفسها.
فمع انتشار السلاح وتعدد الجهات المسلحة وتراجع الخدمات الأمنية، تصبح مواجهة الجرائم ومنع انتحال الصفات الرسمية مهمة معقدة تتطلب إعادة بناء المؤسسات الأمنية واستعادة ثقة المواطنين في سلطة الدولة.
ويرى مراقبون أن استمرار الحرب دون أفق سياسي واضح قد يدفع البلاد نحو مزيد من التفكك الأمني والاجتماعي، ما يجعل معركة استعادة الأمن جزءاً من معركة أوسع تتعلق بمستقبل الدولة السودانية نفسها.

مداميك

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا