آخر الأخبار

"السرة بت عوض الكريم" أيقونة المقاومة الأنثوية في شعر محمد الحسن سالم حميد

شارك

يأتي اليوم العالمي للمرأة، الذي يُحتفى به في الثامن من مارس من كل عام، بوصفه لحظة رمزية تستدعي التأمل في تاريخ طويل من نضال النساء من أجل الحرية والكرامة والمساواة، غير أن هذه المناسبة، في السياق السوداني، لا تقف عند حدود الاحتفاء الرمزي، بل تستحضر مساراً اجتماعياً وسياسياً ظلت فيه المرأة فاعلاً أساسياً في لحظات التحول الكبرى، منذ مقاومة الاستعمار وحتى الانتفاضات الشعبية المعاصرة ضد الاستبداد، ومن داخل هذا الأفق التاريخي والاجتماعي يبرز صوت الشاعر السوداني محمد الحسن سالم حميد، الذي استطاع في قصيدته الشهيرة “السرة بت عوض الكريم” أن يمنح المرأة موقعاً مركزياً داخل المخيال الشعري، لا بوصفها موضوعاً للغزل أو صورة هامشية في الحكاية، بل بوصفها ضميراً حياً يعكس تجربة المجتمع السوداني بكل ما تحمله من مقاومة وألم وأمل، ولئن كان اليوم العالمي للمرأة مناسبة لتكريم إنجازات النساء فإن استحضار هذه الشخصية الشعرية الفريدة يقدم نموذجاً للمرأة التي لا تكتفي بالحضور في التاريخ بل تصنعه بوعيها وصبرها ورفضها لكل أشكال العيش المهين.
في هذا السياق تتشكل شخصية السرة داخل النص لا كشخصية فردية فحسب، بل كرمز شعري كثيف الدلالة، تتقاطع فيه الذاكرة الشعبية مع النقد الاجتماعي والتجربة التاريخية، فالسرة، منذ لحظة دخولها إلى فضاء القصيدة، لا تظهر باعتبارها امرأة عابرة في المشهد، وإنما كحضور يفرض نفسه بقوة أخلاقية وتجربة متراكمة، وهو ما يلمحه القارئ منذ الصورة الأولى التي يرسمها الشاعر حين يقول: “جات داخلة ذي مرقة غضب من جوف حليم في زمن صعب / رمت السلام زي شنطة من كتف المسافر بي تعب”، فهذه الصورة تشير إلى غضب أخلاقي يتشكل عبر زمن طويل من الاحتكاك بالظلم، وكأن الشخصية تحمل في داخلها تاريخاً كاملاً من التجربة الاجتماعية، ومن هنا يتضح أن السرة ليست مجرد أم مسنة أو امرأة عادية، بل ذاكرة حية شهدت تحولات المجتمع السوداني، وعاينت عن قرب تناقضاته وخيباته، وهكذا عبر هذه البداية ينتقل النص من تقديم شخصية فردية إلى بناء رمز يتجاوز حدود الفرد ليعكس ضميراً جمعياً يتكلم باسم مجتمع بأكمله، وبهذا المعنى تصبح السرة تجسيداً للذاكرة الشعبية التي لا تنسى ولا تغفر للظالمين مهما تعددت وجوههم وتنوعت أساليبهم.
هذا التحول يكتسب أهميته حين نقارنه بالصورة التقليدية للمرأة في الشعر العربي، حيث كثيراً ما حُصرت المرأة في أدوار محددة مثل المعشوقة أو الأم الحنون، غير أن حميد يكسر هذه القوالب الجاهزة، إذ يمنح السرة دوراً مختلفاً يجمع بين الأمومة والحكمة والوعي السياسي، لتتحول الشخصية إلى نموذج لامرأة تساهم في تشكيل الوعي الاجتماعي نفسه، وبهذا المعنى لا تصبح المرأة موضوعاً للخطاب الشعري، بل تتحول إلى ذات فاعلة داخل النص، تمتلك القدرة على تفسير الواقع وانتقاده، ومن ثم فإن حضورها في القصيدة ليس حضوراً زخرفياً أو تكميلياً، بل حضوراً محورياً يدفع عجلة السرد الشعري ويكشف عن طبقات المعنى الخفية في التجربة الاجتماعية السودانية، وهذه المعالجة الشعرية تضع حميد في موقع متقدم بين الشعراء الذين استطاعوا تخليص صورة المرأة من التمثلات الذكورية الضيقة ومنحها بعداً إنسانياً وثورياً واسعاً.
ومن هذا الموقع تتسع وظيفة الشخصية لتتجاوز التجربة الفردية وتصبح صوتاً اجتماعياً يعبر عن الفئات الكادحة، فالسرة حين تتحدث لا تنقل معاناتها الشخصية، بل تعبّر عن ثقل الحياة الذي يرزح تحته الناس جميعاً، وهو ما يظهر في قولها: “غلبا الجرورة الفوق ضهرنا تنزلا / تطلق وشينا مع الجماعة”، إن هذه العبارات تنقل الخطاب من مستوى الخاص إلى مستوى العام، حيث يتحول الألم الفردي إلى تجربة مشتركة يعيشها المجتمع بأكمله، ومن خلال هذا الانتقال يصبح صوت السرة امتداداً لصوت الفلاحين والعمال والبسطاء الذين يواجهون قسوة الحياة اليومية، فتغدو الشخصية الشعرية وسيطاً بين التجربة الشعبية وبين التعبير الأدبي عنها، وهذه الخاصية هي التي تمنح القصيدة قوتها التعبيرية وتجعلها أقرب إلى وثيقة اجتماعية منها إلى نص جمالي محض، إذ تنكشف من خلالها بنية العلاقات الاجتماعية القائمة على الاستغلال والتفاوت الطبقي الذي يمارسه “الدقون” و”الأرزقية” على حساب الغالبية الكادحة التي تنتظر التغيير منذ عقود دون أن تجده.
ومن هنا أيضاً تنفتح القصيدة على قراءة نقدية للتاريخ السوداني، خاصة في لحظة الاستقلال عن الحكم البريطاني، ففي استدعائها لتلك اللحظة التاريخية تقول السرة: “ساعة مروق الإنجليز قلنا الظلم فات وانقضي / تاريهو كمتر .. وقام دقون”، تكشف هذه الكلمات عن خيبة أمل تاريخية، إذ تشير إلى أن الاستقلال السياسي لم يحقق بالضرورة العدالة الاجتماعية التي حلم بها الناس، لقد تغيرت الوجوه التي تدير السلطة، لكن كثيراً من مظاهر الظلم بقيت قائمة، بل وربما تضاعفت، وهكذا تتحول القصيدة إلى قراءة شعبية ناقدة لمسار الدولة الوطنية بعد الاستقلال، حيث يظهر التناقض بين آمال التحرر التي صاحبت خروج المستعمر وبين الواقع الاجتماعي الذي تلا تلك اللحظة، وهذه القراءة النقدية تضع السرة في موقع الشاهد التاريخي الذي لا تنطلي عليه الأكاذيب ولا تخدعه الشعارات البراقة، بل يظل متيقظاً للفارق بين التحرر الحقيقي الذي يغير بنية المجتمع وبين التحرر الشكلي الذي يبقي على علاقات القمع والاستغلال كما هي أو يطورها بأشكال جديدة.
غير أن هذه القراءة النقدية لا تقود إلى اليأس أو الاستسلام، بل تفتح الباب أمام أخلاقيات مقاومة تقوم على الكرامة الإنسانية، ويتجلى ذلك في اللحظة التي يحاول فيها الراوي مساعدة السرة، فيمد يده إليها، لكنها ترفض المساعدة قائلة: “مديت يميني أساعدا / ردت يسارا تباعدا / وقالت لي: أبوي وفر ضراعك للبلد”، هذه اللحظة تكشف عن فلسفة أخلاقية عميقة، إذ ترفض السرة المساعدة لأنها ترى أن القوة يجب أن تكرَّس لخدمة المجتمع بأكمله، وبهذا المعنى تتحول الكرامة الفردية إلى قيمة جماعية، حيث يصبح النضال الحقيقي موجهاً نحو التغيير العام لا نحو حلول فردية مؤقتة، وهذه النظرة الثاقبة تميز وعي السرة عن غيره من الشخصيات التي قد تكتفي بالبحث عن مخارج شخصية لأزماتها، بينما هي تدرك أن الخلاص لا يكون إلا خلاصاً جمعياً يرفع الظلم عن الجميع، وهذه المقاربة هي التي تضفي على شخصيتها بعداً ثورياً أصيلاً.
وتبلغ هذه الفكرة ذروتها في عبارتها الشهيرة: “الموت ولا العيش المهين / الموت نفاد الما نفد .. الموت حياة الميتين”، هنا تتحول الكرامة إلى معيار أخلاقي مطلق، يتجاوز الاعتبارات الفردية ليصبح أساساً للموقف الإنساني والسياسي، فالحياة، وفق هذا المنطق، لا تُقاس بمجرد الاستمرار البيولوجي، بل بقدرتها على الحفاظ على الكرامة الإنسانية، ومن خلال هذا الشعار تتجسد روح المقاومة التي ترى أن العيش بلا كرامة ليس حياة حقيقية، بل هو موت مستمر لا يقل قسوة عن الموت الجسدي، وهذه الفلسفة الوجودية العميقة تضع السرة في مصاف الشخصيات الأدبية الكبرى التي تجسد صراع الإنسان من أجل حريته وكرامته، كما تمنح القصيدة بعداً إنسانياً عالمياً يتجاوز حدود السياق السوداني المحلي ليصل إلى كل إنسان يرفض الخضوع والذل أينما كان.
ومع أن السرة تبلغ من العمر تسعين عاماً، فإن الشاعر لا يرسمها كرمز للضعف أو العجز، بل يمنحها حضوراً جمالياً يجمع بين الحكمة والقوة، يظهر ذلك في وصفه لها بقوله: “زي نيتا البيضة الشعر / وزى موج بحر كان الجبين”، يجمع هذا الوصف بين بياض الشعر الذي يرمز إلى الحكمة والتجربة، وبين موج البحر الذي يشير إلى الحيوية والقوة الكامنة، وهكذا تتشكل صورة أنثوية تتحدى التصورات التقليدية التي تربط الأنوثة بالهشاشة، لتصبح السرة نموذجاً لأنوثة صلبة قادرة على مواجهة قسوة الواقع، بل وقادرة على تجاوزها نحو أفق أكثر إشراقاً، وهذا المزج بين الحكمة والقوة هو ما يجعل منها شخصية فريدة في المشهد الشعري العربي، فهي ليست بطلة أسطورية خارقة، بل امرأة من لحم ودم استطاعت بصبرها ووعيها أن تحول تجربتها الطويلة إلى رصيد من القوة الداخلية التي تعينها على مواجهة العالم.
وعندما يقول الشاعر: “تسعين سنة .. والسرة بت عوض الكريم / بصرك بصير .. سمعك سميع”، فإن العمر هنا لا يُفهم بوصفه رقماً زمنياً فحسب، بل بوصفه استعارة لزمن طويل من الخبرة التاريخية، فالسرة تحمل في جسدها وذاكرتها تاريخ المجتمع السوداني نفسه، بما فيه من آمال وخيبات وصراعات، ومن خلال هذا التراكم الرمزي تتحول الشخصية إلى صورة مكثفة للأمة، بما تملكه من قدرة على الصبر والصمود رغم تعاقب الأزمات، وهذه المعادلة الشعرية البارعة تمكن حميد من اختزال تاريخ طويل في شخصية واحدة، وتجعل من السرة مرآة تعكس ملامح السودان بكل تناقضاته وجماله وقسوته، فهي الأرض التي تتعاقب عليها الفصول دون أن تفقد خصوبتها، وهي الشعب الذي يتعاقب عليه الحكام دون أن يفقد قدرته على المقاومة والأمل.
وفي هذا المعنى تصبح السرة أكثر من شخصية شعرية، إنها ضمير شعبي حي يختزن الذاكرة الجماعية ويعبر عنها، فهي تمثل الأرض والناس والتجربة التاريخية التي تتناقلها الأجيال، ولذلك تبدو وكأنها صوت المجتمع نفسه وهو يتحدث عن معاناته وأحلامه، وهذه الخاصية هي التي تمنح القصيدة قدرتها على البقاء حية في وجدان القراء رغم مرور العقود على كتابتها، فكلما تجددت أزمات السودان وجد الناس في كلمات السرة ما يعبر عن واقعهم ويضيء لهم طريق المقاومة، وهذا هو سر الخلود في الأعمال الأدبية الكبرى، أن تتجاوز زمن كتابتها لتصبح صالحة لكل زمان ومكان، قادرة على مخاطبة الإنسان أينما كان وظروفه.
ومن هنا تكتسب هذه الشخصية دلالتها الخاصة في سياق الاحتفاء باليوم العالمي للمرأة، إذ تقدم نموذجاً لامرأة لا تقف على هامش التاريخ، بل تشارك في صناعته، فهي تجمع بين الحكمة الشعبية والوعي الاجتماعي، وبين الأمومة وروح النضال، لتؤكد أن مقاومة الظلم ليست فعلاً ذكورياً، بل فعلاً إنسانياً تشارك فيه النساء بقدر ما يشاركن في صناعة الحياة، وهذه الرسالة تبدو أكثر إلحاحاً في زمن تتعدد فيه أشكال القهر ضد النساء، وتتعقد فيه التحديات التي تواجههن على مستويات متعددة، فالسرة تذكرنا بأن المرأة ليست كائناً عاطفياً فقط، بل هي كائن مفكر وناقد وثائر قادر على قراءة الواقع وتحليله وتقديم بدائل له.
ولهذا تبقى كلماتها الختامية واحدة من أكثر العبارات الشعرية السودانية كثافة في التعبير عن معنى الكرامة الإنسانية: “الموت ولا العيش المهين / الموت نفاد الما نفد .. الموت حياة الميتين”، إنها رسالة تمتد من امرأة تسعينية إلى الأجيال القادمة، رسالة تقول إن الكرامة ليست شعاراً بل شرطاً للحياة نفسها، وإن الدفاع عنها هو الطريق الوحيد لحياة تستحق أن تُعاش، وفي زمن تتعدد فيه أشكال القهر والاستبداد، تظل “السرة بت عوض الكريم” رمزاً مضيئاً للمقاومة، يذكر النساء والرجال معاً بأن الحرية تبدأ من رفض العيش المهين، وبأن النضال من أجل الكرامة هو النضال الأسمى الذي تستحق أن تبذل من أجله الأرواح، فهي بهذا المعنى ليست مجرد شخصية شعرية عابرة، بل أيقونة خالدة للمقاومة الأنثوية التي تتجدد مع كل جيل ومع كل انتفاضة، وتبقى حاضرة في وجدان الشعب السوداني كله، رجالاً ونساءً، كلما حانت ساعة الفصل بين العيش الكريم والعيش المهين، +++++.
منقول من صفحة
#حراك_HIRAK

الراكوبة المصدر: الراكوبة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا